فيما تتناثر الغيوم في زرقة السماء كنتف من القطن، غاص النورس في زرقة البحر.
كان حينها على متن قاربه الصغير جداً، وسط البحر الذي بدت مياهه هادئة كصفحة لم تطوها الريح. وقد طلا قاربه باللون الأزرق، فصار من يشاهده من بعيد كأنه رجلٌ بقبعة خوصية يقف بلا قارب على سطح البحر.
لا رياح تزمجر، النورس الذي اعتاد أن يراه الصياد أمامه كل يوم، يقف منتظراً ما يصطاده. يتعجَّب هو من هذا النورس الذي لديه عَرضُ البحر ليصطاد ما يشاء، ولكنه مع ذلك ينتظر محصوله ليسرقه. لم يكن يُضْمِر له حقداً، بل اعتبره صديقه الأثير؛ فقد ربض معه ذات مرة في قاربه، وأبحر معه حتى شاهد أمامه جزيرة حالة زعلَ.
لكنه هذه المرة لم يحضر ليصطاد الأسماك، بل ليصطاد الغيوم. فبعد يوم ماطر تبدّدت الغيوم، وبدت كقوارب خفيفة. فكّر أن يصطاد غيمةً ويحملها معه إلى البيت، ويمتطيها كلما أراد ذلك. فكلما أراد البحر أبحر إليه بقاربه، ولكن آنَ له أن يحلِّق في السماء كلما اشتدّت زرقتها، ليلحق بالغيوم. لذلك فكّر أن يصطاد غيمة؛ فالغيمة دابة السماء السارحة في زرقتها. لم يسبق لأحد من البشر أن روَّض غيمة، فأراد أن يجعلها بالقرب منه، ويربطها بحبل أمام بيته، وكلما أراد امتطاءها فك وثاقها.
ضحك منه الناس لفكرته، فقالوا إن دوار البحر جعله يفكّر بأشياء لا قِبل له بها، وإن وحدته جعلت منه إنساناً مهووساً بأمور لا يمكن لأحد أن يفعلها. وقال لهم عجوزٌ إن أبا الصياد ادّعى يوماً أنه استطاع إنزال نجمة من السماء، وإن طيور الأرض كانت تأوي إليه في مواسم هجرتها. ضربوا الراحة بالراحة أسى على الصياد، وقالوا: لقد أصابته لوثة في عقله كأبيه.
لكن الصياد اليوم قرَّر أن يثبت لهم ذلك، وعليه أن يلاحق الغيوم قبل أن ترحل وتتبدَّد. فاختار غيمة يراها الأقرب إليه. حين يكون في البحر تكون الغيوم أقرب إليه، مثلما يفكّر أهل الجبل الذين يرون الغيوم قريبة منهم حين يكونون في الجبال.
البحر يجعله قريباً من الغيوم، كما لو أنها تلامس رأسه الصغير. شدَّ شبكة الصيد بقوة بكلتا يديه، ودار بجسده نصف دورة، وألقاها نحو السماء بكل قوته حتى كاد يهوي إلى البحر. تأرجح القارب من شدة الحركة التي أحدثها، وطار النورس الذي كان يقف على حافته منتظراً نصيبه من الصيد. كانت الشبكة تطير عالياً، كما لو أن جناحين قد نبتا لها. لم يصدق عينيه، وقد امتلأتا سعادة بلون الغيوم، وهو يرى الشبكة وقد نالت من الغيمة وأمسكت بها فراح يشدّها نحوه، ولم تُبدِ أي مقاومة. عندما وصلت قريبة منه، أخذ يلمسها، لكن يده اندسَّت بداخلها. كان يتوقَّع أن يكون ملمسها كالقطن، فإذا به يندمج فيها كلّه.
منذ ذلك الحين لاحظ الناس تغيّرات كثيرة قد حصلت؛ فقد عادت العيون التي جفّت بالماء الوفير. عاد الماء إلى حمّام تاروت مجدداً، وسبح أهلها فيه بعد أن عادت عين العودة إلى الحياة، وأعادوا الأغاني القديمة، فأخذوا يغنّون:
حمّام تاروت عليه اليوم طيرين
واحد محنّى وواحد أريش العين
حبلت فخّ الهوى أبصيد لثنين
صدت المحنّى وأخطيت بأريش العين
وسبح أهل العوامية في عين «الغميري»، وأهل البحاري في عين «الضبعة والشبيس»، وأهل القديح في عين «اللبانية والمحارق والقصير»، وأهل صفوى في عين «داروش». ولاحظوا أن مزارعهم لم تعد تحتاج أن تُروى بالماء، بل كانت تُروى لوحدها. وأصبح الناس يشعرون بالرِّي طوال يومهم، وكلما رأى الرجل منهم حلماً بزرعه وأشجاره ونخيله، استيقظ ليجد الأرض مرويةً بالماء. وأصبح لهو الأطفال بالماء عادةً يومية.
كان الصياد يراقبهم، وكلما حاول أن يحدّثهم أمطر من فمه ماء، أو مرّ على أرض فبلّلها، أو مسّ شيئاً فابتلّ.
قال لهم العجوز: من فعل هذا هو الصياد. فلم يصدّقوا ذلك. ومرّت أيام لم يجدوه. ذهبوا إلى البحر للبحث عنه، فوجدوا قاربه فارغاً إلا من الماء، وقد امتلأ حتى وصل إلى حوافه وكاد أن يغرق. وحتى النورس الذي حدَّثهم عنه يوماً، وجدوه يقف على حافة القارب حزيناً، يبدو هزيلاً بريشٍ مبلّل. وحين ذهبوا إلى منزله لم يجدوه فيه، لكنهم لاحظوا أن بيته ممتلئ بالماء. فقالوا: لا يمكن لإنسان أن يصطاد غيمة.
وبينما هم كذلك، صرخ أحدهم:
- انظروا إلى تلك الغيمة.. إنها تشبه الصياد!
وقال آخر:
- إنها تحمل أنفه الطويل نفسه.
وقال ثالث:
- إنها عينه تماماً.
وقال رابع:
- وحتى القبعة.. يعتمر القبعة ذاتها!
وبينما كانوا يتحدثون، كانت الغيمة تبتعد ببطء، تتوارى خلف الأفق، وكل شيء على الأرض بدأ يجف.