مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

دور القراءة في توسيع دائرة المعارف

أينما تشيح بوجهك، في غالبية المدن الهولندية، يصادفك الشعار الذي روجت له مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب في هولندا، والذي نص ترجمته: «إذا لم تتمكن من الإلمام بكل ما في الخارج، بإمكانك جلب العالم كلّه إلى الداخل». ومن خلال المنطلقات النظرية والعملية التي تتمحور حول دور القراءة في توسيع دائرة المعارف وإثراء حياة الإنسان والمجتمع في آن معاً؛ تقوم هذه المؤسسة الدعائية المتخصصة العملاقة بربط أبناء الشعب الهولندي بشكل حيوي ومقنع بالكتب، وتطلق حملاتها الملهمة المبتكرة التي تجعل الناس يتنقلون بانسيابية وحميمية بين محلات بيع الكتب ومعارض الكتاب والمكتبات العامة.

ترويج جماعي
ومن بين الشعارات اللافتة للترويج المؤسسي للكتب في كافة مفاصل الحياة في الأراضي المنخفضة، والتي ترمي إلى تشجيع أكبر عدد ممكن من الأشخاص على الذهاب إلى محال بيع الكتب والمكتبات الصغيرة والكبيرة المنتشرة في عموم المدن والقصبات الهولندية؛ شعار: (قراءة الكتب توفر الاسترخاء والهروب من الضجيج، إضافة إلى العمق والإثراء). والمسألة لا تقف عند حدود الشعارات، بل هناك مبادرات ترويجية مبتكرة تتم بشكل عام بالتنسيق الفني والإداري المباشر بين مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب الهولندي، والتي يرمز لها CPNB، وذلك في جميع متاجر بيع الكتب المنتشرة في أرجاء هولندا، ومعارض الكتاب المحلية والعالمية ودور النشر والمكتبات البلدية، إضافة إلى وسائل الإعلام المقروءة والمرئية الرسمية منها وغير الرسمية، ناهيك عن المواقع والمنصات الإلكترونية المعتبرة والفعالة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الحملات الدعائية والترويجية الموفقة لا تتوقف عند حدود مملكة النيدرلاند، بل تمتد أيضاً إلى إقليم فلاندرن البلجيكي الناطق باللغة الهولندية، وقد تم في عام 2001م إضافة رابطة المكتبات العامة شريكاً إلى جانب مجموعة الناشرين العامة واتحاد بائعي الكتب الملكي.
أثر الكتاب
تُظهر الأبحاث والدراسات العلمية والتطبيقية الرصينة التي تنشرها مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب في هولندا بشكل انسيابي ومتاح للجميع؛ أن قراءة الكتب مفيدة للفرد والمجتمع والاقتصاد، على حد سواء، كما أنها تصقل وتطور المهارات اللغوية الأربعة، وأن عملية القراءة والكتابة تحدث فارقاً كبيراً في بناء شخصية الإنسان وتنمية قابلياته المتنوعة، ليس على صعيد المدارس والمعاهد التربوية والجامعات أو سوق العمل فحسب؛ بل في كافة المضامير والمجالات الحياتية العامة؛ لأن القراءة تعد منارة مشعة للسلام، وعاملاً حيوياً لإنعاش الروح والاسترخاء البدني والنفسي، كما تؤكد هذه الدراسات على أن قراءة الكتب تجعلك سعيداً ومتفائلاً، فهي النشاط الأكثر فاعلية الذي يوفر لك الارتياح ويمنحك إحساساً بنيل الهدف، وذلك لأن القراءات المتنوعة والمستمرة ترتبط مع بعضها وتولد نشاطاً واعياً ينغمس فيه الإنسان تماماً، ويسلم نفسه لعالم آخر، ناهيك عن كون الكتاب هدية نفيسة ذات قيمة شخصية مضافة ومتجددة ومستديمة.
محورية القارئ
تتسع عملية قراءة الكتب لتشمل آفاقاً معرفية مفتوحة تتصل بعضها ببعض، وتعد القراءة بحد ذاتها عالماً مترامي الأطراف ومتعدد المسارات، ومن هذا المنطلق تعتمد مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب الهولندي الكثير من المبادرات الحيوية والابتكارية لإنجاح هذه المهمة، وتسعى إلى إقامة العديد من الفعاليات والأنشطة والبرامج المتنوعة لجذب القارئ وربطه بشكل سلس بحركة تجارة الكتاب، باعتباره هدفاً مركزياً، ومن بين ذلك نلمس حرص المؤسسة على إنضاج منحيين مهمين في هذا الاتجاه، هما:
أولاً: تحقيق متعة القارئ
ثانياً: إغناء تجربته المعرفية والفكرية
وهذان المنحيان يعدان نهجاً أساسياً ومركزياً في جهود تجارة الكتب التي تمتد على أكثر من صعيد وجهة، منها: دور طباعة ونشر الكتب، والمؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها، آخذين بنظر الاعتبار إشراك كافة المعلمين والهيئات التدريسية والطلبة، وذلك بالتعاون مع أمناء المكتبات العامة والمركزية في المدن الكبيرة، دون إغفال دور بائعي الكتب والصحف والمجلات بمختلف مستوياتهم.
ومما يشار إليه أن هذه البرامج التوعوية والدعائية المهنية لم تقتصر على فئة عمرية محددة، ولم تكن المجموعة المستهدفة فيها هي شريحة الشباب فقط؛ بل يتم فيها التركيز على الفئات العمرية المتقدمة سناً من الآباء والأجداد أيضاً، ناهيك عن فئة الأطفال واليافعين التي تنقسم بدورها إلى ثلاث فئات عمرية، الأولى الأطفال حديثي الولادة إلى عمر 6 أعوام، والثانية من عمر 6 أعوام إلى 12 عاماً، والثالثة من 12 عاماً إلى 18 عاماً، كما يتم التركيز أيضاً على ثلاث فئات ضمن المجموعة المستهدفة للقراء البالغين وفق تصنيف دقيق لهم كالآتي:
أولاً: فئة القراء العرضيين
ثانياً: فئة القراء المتكررين
ثالثاً: فئة مقدمي الهدايا
الوصول إلى القارئ
تعمل مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب الهولندي بجد وتفانٍ من خلال ثلاث إستراتيجيات من أجل الوصول إلى القارئ وتفعيل العلاقة بينه وبين الكتاب، وتقوم هذه المؤسسة كذلك بتوجيه حملاتها وأنشطتها وفق ثلاثة معطيات رئيسة، هي:
أولاً: تشخيص القرّاء الأكثر إلهاماً من القراء الآخرين.
ثانياً: اعتماد القراء المعروفين وبعض القراء غير المعروفين سفراء للمؤسسة وإشراكهم في برامجها.
ثالثاً: جعل مهمة القراءة ومتعة القراءة أكثر فاعلية وانتشاراً بين الناس.
وقد قطعت مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب الهولندي أشواطاً متقدمة في الاستثمار في ثقافة القراءة، وصورة القراءة، وكل ما يتعلق بالكتاب نفسه. ومن جانب آخر فإن المؤسسة تسعى لجعل الكتاب متاحاً للجميع، وتساعد القراء كذلك على حسن الاختيار؛ لأن العثور على الكتاب المناسب بحد ذاته يؤدي إلى تجارب قراءة إيجابية، وهذا بدوره يضمن استمرار الناس في القراءة، وحرصهم على العلاقة التفاعلية الإيجابية مع الكتاب.
دينامية التسويق
تعد مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب الهولندي أهم وكالة اتصالات تسويقية وعلاقات عامة في قطاع الكتب في هولندا، وتقوم هذه المؤسسة بتطوير حملات ملهمة تشجع القراء بشكل ملحوظ على زيارة محلات بيع الكتب والمكتبات العامة، وتحثهم على شراء ومتابعة آخر الإصدارات بفضل أحدث ما توصلت إليه المعرفة العلمية الإنسانية من تواصلات تكنولوجية في مجال التسويق والاتصالات. ولم تكن النتائج اللافتة التي حققتها هذه المؤسسة في هذا المضمار نتيجة جهد عابر، ولا منطلق وقتي ذي أهداف مرحلية؛ وإنما مسيرة متواصلة بشكل فاعل على مدى عقود طويلة ناهزت القرن الكامل دون توانٍ أو فتور، وكذلك لم تتحقق تلك المعطيات الباهرة إلّا بفضل العلاقات التضامنية ومصداقية التعاون الرصين مع الجهات ذات الصلة، عبر ديناميكية التنسيق وتظافر الجهود المستمرة في مجال ترويج الكتاب بوتيرة متصاعدة منذ عام 1930م حتى يومنا هذا، وكل ذلك أدى إلى التوسع المضطرد والمضي قدماً في هذه المهمة الرائدة.
أسبوع الأطفال
من التقاليد الجميلة والمهمة التي تقوم بها مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب الهولندي، والتي تحظى بمتابعة وتطلع جمهور واسع من الصغار والكبار معاً؛ هو أسبوع كتاب الأطفال، هذا التقليد الذي راح يترسخ عاماً بعد عام منذ انطلاقه للمرة الأولى عام 1954م، ويعد هذا التقليد أقوى علامة تجارية في عالم الكتب، ويتم إعداد البرامج والفعاليات اللائقة به، وتحرص المؤسسة على إقامته في أجواء احتفالية مبهجة وسعيدة وهادفة، خصوصاً بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أعوام واثني عشر عاماً، حيث توفر لهم فرصة التمتع بأجواء المهرجان الترويحية الجميلة إلى جانب فرصة الاختيار الصائب لكتبهم الخاصة.
وضمن الرؤية الأساسية الرامية إلى تشجيع النشء الجديد على القراءة، تقام مسابقة للقراءة يتم خلالها اختيار اثني عشر طفلاً متحمساً من فريق قراءة الكتب ليكونوا واجهة فعاليات أسبوع كتاب الأطفال، وليشكلوا لجنة تحكيم الأطفال لمدة عام كامل في نفس الوقت، كما يتم في هذه الأجواء تقديم دليل ملون ومصور للقراءة، ومن أجل تغطية أنشطة أسبوع كتاب الأطفال يتم إصدار صحيفة خاصة تفيد الأطفال والآباء والأجداد المشاركين على حد سواء، وتقدم لهم أفكاراً وتصورات لزياراتهم القادمة إلى محال بيع الكتب والمكتبات. ومن ضمن فقرات هذه الفعالية أيضاً هدية أسبوع كتاب الأطفال، وهي هدية يتم تقديمها عند شراء كتب خاصة بالأطفال بقيمة 13.50 يورو، أمّا بالنسبة للصغار دون سن السادسة، فيتم تقديم كتاب مصور رائع يعزز رغبتهم على القراءة بصوت عالٍ.
قصيدة الأطفال
في كل عام يتم تكليف أحد الشعراء المعروفين لكتابة قصيدة للأطفال، غير أن هذه الفعالية أقيمت بطريقة مختلفة في 2024، حيث لم يتم توجيه الدعوة لأي شاعر، وليس هناك فكرة مسبقة لكتابة قصيدة أسبوع كتاب الطفل قبل إقامة المهرجان، بل تم الإعلان عن مسابقة لاختيار شاعر أسبوع كتاب الطفل من الأطفال أنفسهم، وأتيحت الفرصة لجميع الأطفال المجتهدين والعنيدين الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 13 عاماً في هولندا كي يحملوا لقب شاعر أسبوع كتاب الأطفال لعام كامل. ومن التقاليد المعروفة في هذه الفعالية الإعلان عن جائزة (أقلام الرصاص والفرش) التي تشرف عليها لجنة تحكيم محترفة، وتُمنح لأفضل كتاب فئة أدب الأطفال والشباب، كما تُمنح جائزة (بروشز) لأجمل الكتب أو المجاميع الشعرية المصورة، وتعد هاتان الجائزتان من أهم الجوائز لكتب الأطفال الهولندية.
وبحسب توقعات النقاد كانت القصيدة التي ترشحت لعام 2024، تناسب ثيمة الأسبوع، فهي لطيفة وعنيدة وفريدة من نوعها، وقد تشكلت لجنة التحكيم الخاصة من ثلاثة شعراء، هم كل من: الشاعر غيرشوين بونيفاسيا، والشاعر بيبي دومون تاك، والشاعر هانز هاجن.
كتب الصيف
معروف عن الشعب الهولندي شغفه وتعلقه بالقراءة، إذ يحاول أن يضع قسطاً مناسباً من وقته للقراءة مهما كانت انشغالاته، ومع ذلك، تعتقد مؤسسة الدعاية الجماعية للكتاب الهولندي أنه لا يزال الناس بحاجة إلى محفز للانصراف للقراءة فعلياً، لأن الهواتف الذكية المليئة بالإغراءات وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي وتنوع الألعاب والمسليات والمسلسلات التي يمكن مشاهدتها في أي وقت وأي مكان، وفي هذا السياق تم إعداد برامج واسعة للاستفادة من أوقات الإجازة السنوية والعطلة الصيفية من أجل ديمومة الصلة الحميمة بالكتاب، وتم الترويج لحملة القراءة الصيفية، حيث يتم إلهام القراء لاختيار كتاب مناسب خلال فصل الصيف، لأن القراءة في الصيف شيء رائع ومفيد ومثمر، وقد تم الإعلان عن موسم القراءة الصيفية، باعتبار أن الصيف هو الوقت المثالي لالتقاط كتاب مناسب والسفر معه، وفيه وقت كافٍ للاسترخاء على كرسي الحديقة أو مساطب المتنزهات أو على رمال الشواطئ أو على مقاعد الاستراحة في حمامات السباحة بصحبة كتاب. ومما يشار إليه أنه تم اختيار أفضل خمسة وعشرين عنواناً صيفياً وتحديد عشر نصائح للقراءة تناسب فئة الأطفال، وقد أتيحت للقراء فرصة الفوز بجوائز معتبرة من خلال المشاركة في تحدي القراءة الصيفي.
بحوث واستبيانات
النتائج التي خرجت بها الكثير من البحوث والدراسات التي أجريت حول القراءة الصيفية والاستبيانات التي أجريت مع المصطافين، كانت مذهلة حيث أشارت إلى أن القراء الذين يقيمون إجازتهم مع الكتاب نسبتهم أعلى بكثير من المصطافين الذين لا يفتحون كتاباً، وهؤلاء في كثير من الأحيان يواجهون جواً مريحاً مع قدر أقل من التوتر أو الخلافات مع ذويهم، ويعطون درجة أعلى لمدى عودتهم إلى المنزل مرتاحي البال والبدن، وأشارت بعض الدراسات إلى أن نسبة 72% من المصطافين يقرؤون كل يوم تقريباً، وهذه النسبة تشكل قرابة الثلثين، لأن العطلة ببساطة هي الوقت الوحيد الذي يمكنهم فيه قضاء وقت مريح لقراءة كتاب، وتشير الدراسات أن المصطافين يرغبون قراءة القصص الحقيقية أو الروايات الأدبية، لكنهم في نفس الوقت يفضلون الانغماس بكتاب مثير وهم يستلقون على سرير الشاطئ.
كما أوضحت الأبحاث والدراسات المتخصصة في هذا المضمار أن أكثر من نصف الهولنديين يقرؤون خلال العطلات العامة والصيفية على وجه التحديد، وأن واحداً من كل ثلاثة من القراء هم من صنف (القراء المتكررون)، أي القراء الذين يقرؤون كل يوم تقريباً، وهؤلاء هم قراء حقيقيون في العطلات والإجازات أيضاً، وهناك نوع آخر من القراء يطلق عليهم مصطلح (القراء الخفيفون) وهم الأشخاص الذين يقرؤون في بعض الأحيان، ويطلق عليهم (قراء العطلات)، لأن تسعة من كل عشرة من هؤلاء القراء يلتقطون أحياناً كتاباً خلال العطلات فقط.

ذو صلة