مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

دوغلاس راشكوف: نعيش تحت وطأة فاشية رقمية

في عام 1992، وقّع دوغلاس راشكوف عقداً لنشر كتابه «سايبيريا»، الذي تناول ثقافات الإنترنت الفرعية في الساحل الغربي للولايات المتحدة. وبعد عام، ألغى ناشره العقد بحجة أن الإنترنت (ستنتهي) قبل صدور الكتاب. لاحقاً، وجد راشكوف ناشراً آخر، وصدرت النسخة عام 1994.
منذ ذلك الحين، أصبح راشكوف واحداً من أبرز العقول التي تراقب أثر وادي السيليكون على الثقافة والإعلام. كتبه مثل (صدمة الحاضر) و(رمي الحجارة على حافلة غوغل) و(بقاء الأغنياء) لم تكن مجرد تحليل؛ بل تنبيه مستمر لما يمكن أن تفعله التكنولوجيا بنا إذا فقدنا الوعي بالآليات التي تتحكم في حياتنا الرقمية.
أحدث تصريحات راشكوف لا تقل حماسة عن قصة كتابه مع الناشر آنذاك. فهو يتحدث عما يسميه (الفاشية الرقمية)، وهي بيئة رقمية تنتج الاستبداد بشكل طبيعي، عبر خوارزميات تفضّل الإثارة والانقسام على الحوار العقلاني. هذا ليس تحذيراً بعيداً عن الواقع العربي، بل وصف دقيق لما نعيشه يومياً.
منذ بداية الإنترنت، حلمنا بفوضى خلاقة، وبحر مفتوح للحرية والتجريب. لكن اليوم، تحوّل هذا الفضاء الحر إلى منظومة استبدادية تسيطر عليها الشركات العملاقة، مثل غوغل وفيسبوك، وتنتج جمهوراً مأخوذاً بالتيار الرقمي أكثر من كونه فاعلاً. هذا الانتقال من الحرية إلى السيطرة لم يحدث فجأة، بل كان نتيجة تراكمات فكرية وخوارزمية، كما يوضح راشكوف.
في كتابه (صدمة الحاضر) (2013)، يحلل راشكوف فقدان الإنسان لإحساسه بالزمن في العصر الرقمي. أصبحنا نعيش في لحظة دائمة من التدفق المعلوماتي؛ لا نتأمل، لا نفكر، ولا نعيد ترتيب الأفكار. الإعلام العربي اليوم يلهث وراء الأخبار العاجلة، متحولاً إلى تيار لحظي بلا ذاكرة، يضعف قدرة الصحافة على بناء سرديات مستقلة أو خلق مساحة للنقاش الجاد.
في بودكاسته (Team Human)، يعيد راشكوف هذه الفكرة بأسلوب أكثر حدة: الحلم الفوضوي للإنترنت أصبح أداة استبداد، وليس مجرد تقنية. المحتوى لم يعد حراً، بل يُوزَّع بطريقة تجعل الناس يتصارعون على الانتباه، وليس على الحقيقة.
الخوارزمية بوصفها حاكماً غير منتخب
يؤكد راشكوف أن أخطر ما في السلطة الرقمية أنها لا تحتاج إلى قمع مباشر. لا سجون، ولا أوامر صريحة. الخوارزمية تقوم بالمهمة بهدوء. تقترح، ثم تقود، ثم تفرض الذوق والرأي والسلوك. المستخدم يظن أنه يختار، بينما يتم اختياره. هذا الشكل الجديد من الحكم أخطر من الرقابة التقليدية، لأنه يعمل من داخل الرغبة لا من خارجها.
في الإعلام العربي، نجد نسخة مزدوجة من هذا النموذج. خوارزميات المنصات العالمية تفرض المنطق نفسه الذي تحكم به الشركات الكبرى، بينما تضيف السلطات المحلية طبقة أخرى من التحكم. النتيجة: جمهور محاصر بين خوارزمية غربية وهيمنة سياسية داخلية.
هذا المفهوم يشرح كثيراً من الظواهر التي نراها اليوم: القصص التي تنتشر لأنها تثير المشاعر، وليس لأنها تحمل قيمة حقيقية، والتفاعل الذي يحدد مصداقية الخبر أكثر من مصداقيته الفعلية. السيطرة هنا لا تحتاج إلى رقيب، بل إلى نظام يحوّل المستخدم إلى أداة لنشر نفسه بنفسه.
يهاجم راشكوف الفكرة الرائجة بأن التكنولوجيا (محايدة). فكل خوارزمية تحمل فلسفة، وكل منصة تمثل تصوراً محدداً للإنسان: مستهلك، رقم، كتلة غضب، أم مواطن؟
في الإعلام العربي، انتقلنا بسرعة من رقابة السلطة إلى الخضوع للخوارزمية، دون أن ندرك أن السلطة تغيّرت فقط، ولم تسقط. المؤسسات الإعلامية تعلّمت اللعبة الرقمية وأدمنت أرباحها السريعة، فباتت تتبع المنطق نفسه الذي تنتقده.
هذا الوهم يؤكد أن القلق من منصات الغرب لا يكفي. حتى إذا اختفت شركات مثل غوغل وفيسبوك، ستظل المنظومة قائمة ما دام منطق التحكم الرقمي قائماً. وهو تحذير لوسائل الإعلام العربية: إذا كانت الخوارزمية هي التي تحدد القيمة، فإن أي محاولة للعودة إلى حرية النشر التقليدية ستظل محدودة إذا لم نبنِ بدائل حقيقية.
في كتابه (رمي الحجارة على حافلة غوغل)، يقول راشكوف إن الاحتجاج الرمزي وحده لا يكفي. فرمي الحجارة أو نشر النقد على وسائل التواصل لن ينهينا عن هذا الاستبداد الرقمي. المشكلة ليست في الشركات فحسب، بل في النموذج ذاته. كل شركة جديدة تُولد على منطق (الهيمنة أو الزوال).
الحل، وفق راشكوف، هو بناء بدائل: منصات محلية، وشبكات متخصصة، وصحافة لا تعيش على الإعلانات وحدها، بل على مبادئ إنسانية واضحة. بدائل قادرة على خلق سرديات متوازنة، وتوفر للجمهور مساحة للتفكير، لا مجرد لحظات من الإثارة العابرة.
الضحية تبدأ بتقليد الجلاد
في الواقع العربي، يعني ذلك التفكير في شبكات محلية مستقلة يمكنها أن تتفاعل مع الإعلام العالمي الكبير دون أن تخضع له بالكامل. نموذج يجمع بين استقلالية المحتوى، وحرية النشر، والاهتمام بالقيم الإنسانية.
الخطورة تكمن في أن الضحية تبدأ بتقليد الجلاد. هذا ما يحدث في الإعلام العربي اليوم. المؤسسات تتسابق وراء (التريند)، وتُسطّح العناوين، وتزرع الانقسام، وتنسى أن الرسالة الإنسانية هي جوهر الإعلام.
السيناريو الذي يطرحه راشكوف لمستقبل الإعلام، حيث تتعايش المنصات الكبرى مع الشبكات المحلية الصغيرة، يبدو بعيداً عن واقعنا. فالإعلام العربي لم ينجح بعد في بناء منظومة محلية مستقلة، بل ظل تابعاً للسلطة أو لرأس المال.
نتيجة ذلك، يعيش الجمهور في حالة من الانفصال المستمر عن الواقع، حيث المعلومات لا تُنقل، بل تُساق. ويتحول الصحفي إلى أداة توزيع، والقارئ إلى متلقٍ دائم، لا إلى مشارك فاعل.
جوهر مشروع راشكوف ليس تقنياً، بل إنسانياً. فهو لا يسأل: ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل؟ بل: ماذا تفعل بنا؟
حين يتحول الإنسان إلى بيانات، يتحول الإعلام إلى منتج، وتصبح الحقيقة خياراً مدفوعاً. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام الإعلام العربي: هل سيظل أسيراً للسلطة والمال، أم سيجرؤ على إعادة بناء شبكة إعلامية حية، تركز على الإنسان قبل الأرباح؟
يذكّرنا راشكوف دائماً بأن التكنولوجيا يجب أن تعزز الروابط الإنسانية، لا أن تفككها. وفي العالم العربي، لم يختبر الإعلام هذا الخيار بعد. فما زلنا نراوح بين الخضوع للمال والسيطرة السياسية، مع تجاهل الدور الأساسي للإنسان في قلب العملية الإعلامية.
في النهاية، هل نريد إعلاماً يعزز إنسانية الناس، أم إعلاماً يكرّس الانقسام والهيمنة؟ هل يمكن أن نخلق شبكة محلية مستقلة ومتخصصة، تعيش جنباً إلى جنب مع الإعلام العالمي الكبير كما يتصور راشكوف؟ أم أن الإعلام العربي سيظل أسير برميل السلطة والمال، كما ظل لعقود؟
كل سؤال من هذه الأسئلة يفتح نافذة على مستقبل الإعلام العربي. ومن خلال منظور راشكوف، يمكننا أن نرى أن كل خطوة نحو الاستقلالية تبدأ بفهم أن الفاشية الرقمية ليست أيديولوجيا، بل بيئة تولّد الاستبداد بطريقة طبيعية.
دوغلاس راشكوف لا يهاجم الآلة، بل يهاجم الوهم؛ وهم أن التكنولوجيا ستنقذنا من أنفسنا. في العالم العربي، مشكلتنا ليست فقط في سلطة تخنق الإعلام، بل في إعلام تعلّم كيف يتنفس داخل القفص.
لم يعد السؤال: من يملك المنصة؟ بل: من يملك المعنى؟
إذا استطعنا إعادة الإنسان إلى قلب الإعلام، سنبدأ بفك القيود الرقمية والسياسية معاً. وإلا، فإننا سنظل نعيش في فاشية مزدوجة: خوارزميات تفرض المحتوى، وسلطة تحكم الرسالة.

ذو صلة