(الكتابة هي قفزة خارج صفّ القتلة).
فرانتس كافكا
حصل في ذلك اليوم، اكتشفتُ أن البياض مهولٌ وقاتل. ليس لأنه مجرد فراغ، بل لأنه حضورٌ زائد عن الحاجة، اتساع لا يمكن الإحاطة به، وصمت يعلو فوق كل الأصوات. البياض ليس غياباً كما نحب أن نعتقد، بل امتحان مفتوح، مساحة ثقيلة بالاحتمالات، وعبء لا يحتمله من اعتاد أن يتوارى خلف الكلمات. نوع من المساحات التي لا تُطمئن، لأنها لا تمنحك حدّاً تقف عنده، ولا جداراً تستند إليه. يجرّ صاحبه إلى الغرق في متاهته، لا بعنف، بل بإغراء هادئ، كما يرمي النهر جسداً مستسلماً إلى مجرى سحيق لا قرار له، حيث لا شيء يُمسك بك ولا شيء يسمح لك بالنجاة.
جلستُ أمام الصفحة طويلاً. صفحة بيضاء، نظيفة، صامتة، موضوعة بعناية على الطاولة، كأنها وصلت قبل موعدها، أو كأنها كانت تنتظرني منذ زمن. لم تكن بريئة كما تبدو. شعرتُ، على نحوٍ مربك، أنها تعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي، وأنها تحفظ تاريخ تردّدي، وانسحابي، وكل تلك البدايات التي لم تُكتب. كلما اقتربتُ منها، شعرتُ أنها تتسع، وأن البياض لا يُقاس بالمساحة، بل بالخوف الذي يخلّفه. كانت المسافة بيني وبين أول كلمة تطول بدل أن تقصر، وكل محاولة للبدء تتحول إلى سبب إضافي للتردد والتأجيل.
المشكلة لم تكن في نقص الأفكار، ولا في غياب الرغبة كما كنت أظن. كانت المشكلة في المواجهة. فالبياض لا يخيف لأنه فارغ وشاسع، بل لأنه يطالبك بأن تملأه بنفسك، بلا أقنعة جاهزة ولا أعذار مسبقة. هو لا يقترح عليك شكلاً، ولا يمنحك طريقاً ممهداً، بل يتركك وحيداً أعزل، ومع ما تخشاه في الوقت نفسه. في البياض، لا يمكنك أن تختبئ خلف البلاغة، ولا أن تُلقي اللوم على اللغة، ولا أن تتذرّع بضعف اللحظة.
أنت وحدك المسؤول عمّا سيظهر، وعن الصمت أيضاً.
كنتُ أفكر في كل تلك الساعات والأيام التي مرّت دون كتابة. في السنوات التي انشغلتُ فيها بمعارك الحياة الصغيرة، بالتفاصيل اليومية، بالضروري الذي لا ينتظر. كنتُ أؤجّل الكتابة لا لأنني لا أحبّها، بل لأنني كنت أخاف أن أواجه نفسي من خلالها. البياض كان يذكّرني بكل ما لم أقل، وبكل ما أخفيته تحت ذريعة الانشغال، بأصوات تصرخ لم يحن لها بعد أن تخرج. كان مرآة لا ترحم، تعكس التعب، والتردّد، والرغبة المؤجلة.
سألتُ نفسي، كما لو أنني أبحث عن مخرج جانبي: هل أردنا يوماً أن نغيّر هذا البياض بلون آخر؟ لون له الشساعة نفسها والفسحة نفسها، لكنه أقل قسوة في المواجهة. لون يضيق بك كلما هرعتَ إليه، فيمنحك وهم الأمان، أو يفرض عليك حدوده بوضوح. لون يخيف ويلتهم كل من يحاول أن يقترب منه، لون يتظاهر بالبراءة.
أيّ الألوان نختار حين نعجز عن احتمال البياض؟
فكّرتُ في السواد. بدا لي واضحاً، كثيفاً، مباشراً، لا يساوم. السواد يقول كل شيء دفعة واحدة، يفرض حضوره، ولا يترك مجالاً كبيراً للتردّد أو الاحتمال. لكنه، في صراحته المطلقة، لا يمنح فرصة للتدرّج، لون الحرب والحداد. من يدخل السواد يعرف منذ اللحظة الأولى أنه مكشوف، وأن كل ما سيقوله سيكون نهائياً. وأنا، في تلك اللحظة، لم أكن مستعداً لكل هذا الوضوح.
ثم فكّرتُ في الأحمر، لون الجرح والضجيج، لون الدم الذي لا يمكن التراجع عنه. الأحمر صادق أيضاً، لكنه صاخب، يفضح صاحبه سريعاً، ويحوّل الاعتراف إلى مشهد علني. هو لون لا يسمح لك بأن تهمس، ولا يمنحك ترف التلعثم. وأنا لم أكن أبحث عن الصراخ، بل عن طريقة أتنفّس بها دون أن أتحوّل إلى فرجة.
عدتُ، على مضض، إلى البياض. وهناك فقط بدأت أفهم. لم يكن محايداً كما ظننت، ولم يكن عدوّاً متربّصاً. كان مساحة اختبار، زمناً معلّقاً بين الصمت والكلمة. كان يطالبني بشيء واحد فقط: أن أترك فيه أثراً، أي أثر أخطه بعصاي، مهما كان هشّاً أو مرتبكاً. لم يكن ينتظر نصّاً مكتملاً، ولا فكرة ناضجة، بل علامة حياة، خدشاً صغيراً يكسر وهم الكمال الذي كنت أختبئ خلفه.
أدركتُ أن البياض لا يُحتمل إلا حين يُلوَّث قليلاً. حين يفقد قدسيته الأولى، ويتحوّل من مساحة مثالية إلى أرض بشرية مليئة بالأخطاء. فالكتابة، في جوهرها، ليست ملء الفراغ، بل كسر الصمت تدريجياً، والتصالح مع حقيقة أن أول ما نكتبه سيكون ناقصاً، وربما مخيّباً، لكنه ضروري. الكتابة ليست انتصاراً على الخوف، بل اعترافاً به، ومحاولة للعيش معه.
كتبتُ كلمة واحدة. لا جملة، ولا فكرة كاملة، مجرد كلمة تتعثّر في أول السطر، كأنها خرجت من فم خائف. لم تكن جميلة، ولم تكن ذكية، لكنها كانت حقيقية. في تلك اللحظة، حدث شيء صغير لكنه حاسم. تراجع البياض خطوة، وانكمش اتساعه، وفقد الصمت بعض سلطته. شعرتُ أن الهواء عاد إلى الغرفة، وأن رأسي صار أخفّ، كأن ثقلاً غير مرئي قد أُزيح أخيراً.
واصلتُ النظر إلى الصفحة، ولم تعد مخيفة كما كانت. صارت أقل بياضاً، وأكثر إنسانية. أدركتُ أن الكتابة لا تبدأ حين نمتلك الشجاعة الكاملة، بل حين نقبل بنقصها، وحين نسمح لأنفسنا أن نخطئ علناً. وحين رفعتُ رأسي أخيراً، فهمتُ متأخراً أن البياض لم يكن عدوّي يوماً، بل مرآتي قبل أن أُسمّي، وقبل أن أجرؤ على الاعتراف أن الكتابة لا تبدأ من الثقة، بل من الخوف، ومن الرغبة الهادئة في النجاة.