مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الصحة النفسية المدرسية.. أنساق التكامل

نواجه اليوم تحديات متزايدة في مجال الصحة النفسية للطلاب، تتطلب منا جميعاً بذل جهود مضاعفة. إن بناء منظومة متكاملة للصحة النفسية المدرسية ليس بالأمر السهل، ولكنه ضرورة ملحة، فمن خلال التعاون والتكامل بين مختلف المكونات المدرسية، يمكننا توفير الدعم النفسي اللازم لطلابنا وتمكينهم من مواجهة تحديات الحياة، تحقيقاً لأهداف رؤية المملكة 2030 في مجال التعليم.
يشير تعريف الصحة النفسية المدرسية بأنها: حالة من العافية يمكّن فيها للفرد (الطالب)، من تكريس قدراته، والتكيّف مع أنواع الإجهاد العادية والعمل بتفان وفعالية والإسهام في مجتمعه. مما تقدم نمر في الصحة النفسية المدرسية في أنساق التكامل من حيث:
نسق الطالب في الصحة النفسية المدرسية
تنبع أهمية الصحة النفسية المدرسية للطالب أنها تتيح له فرصاً عالية في تنمية الذات بما تعكس هذه التنمية في خطوطها العامة من حالة التمتع بالصحة النفسية للطالب وذلك من قبيل التوافق الشخصي، والتوافق الاجتماعي بما يشمل من التوافق الأسري، والمدرسي، والمهني، والاجتماعي في معناه الواسع. والشعور بالسعادة مع الذات عبر الراحة والطمأنينة، والتسامح مع الذات وتقديرها، والأمن، ومع الآخرين باحترامهم وتقديرهم والثقة بهم والتعاون معهم، وإقامة علاقات اجتماعية ايجابية، والانتماء للجماعة، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، وتحقيق الذات واستغلال القدرات من فهم النفس، والتقييم الواقعي للقدرات والإمكانات الذاتية، وتقبل الحقائق المتعلقة بالقدرات موضوعياً، وتقبل مبدأ الفروق، واحترام الفروق بين الأفراد والزملاء، والقدرة على مواجهة مطالب الحياة عبر النظرة السليمة والمتوازنة للحياة ومشاكلها، والعيش في الحاضر والواقع، وبذل الجهود في حل المشاكل، وتحمل المسؤوليات الشخصية والاجتماعية، والتكامل النفسي بالأداء الوظيفي الكامل المتناسق للشخصية جسمياً وعقلياً واجتماعياً ودينياً، مع التمتع بمظاهر النمو العادي الطبيعي من خلال السلوك السوي العادي والمألوف، المتضمن تحسين التوافق النفسي والاجتماعي، والقدرة على التحكم في الذات وضبط النفس في المواقف التي يمر بها مع الآخرين.
الأثر الإيجابي للصحة النفسية المدرسية
من الصعب معرفة الأثر الإيجابي للصحة النفسية المدرسية، دون الوقوف على الآثار المترتبة على غيابها فيما يتصل بالمشاكل النفسية لدى الطالب، حيث تعزز المشاكل النفسية في المدرسة فرص التعرض لتأثيرات سلبية في الحياة من ترك المدرسة، صعوبات تعلم، صعوبات سلوكية، مشاكل في الأداء، الفشل المدرسي، التنمر، مستقبل غير ناجح، صعوبة إيجاد وظيفة.
ومن الجميل هنا أن نقرر أن سلامة الحالة النفسية للطالب، تزيد من ثقته بنفسه واحترامه لذاته، وتدعم قدرته على اتخاذ القرارات السليمة، وتجنبه السلوكيات الخطرة، إضافة إلى تقديم المشورة وبرامج الدعم الاجتماعي، وما يترتب على ذلك من عائد الصحة النفسية المدرسية على المجتمع المدرسي، من التقليل من التسرب المدرسي، والتقليل من الغياب، والعمل في انخفاض السلوكيات غير المرغوبة في المجتمع المدرسي. وعلى صعيد عائد الصحة النفسية المدرسية بالنسبة للطالب تأتي في مساعدته على بناء علاقات متينة مع أقرانه ومع المجتمع، وتزيد من قدرته على الثبات في الأزمات والشدائد، والمحافظة على الشخصية المتكاملة، والتوافق والتكيف مع الواقع والمعايير الاجتماعية، والاتزان الانفعالي، وتحقيق النجاح في الحياة.
نسق المعلم في الصحة النفسية المدرسية
في سياق توفير بيئة مدرسية متوازنة تحقق الصحة النفسية المدرسية للطالب ينبغي أن يتوجه إلى البيئة المدرسية في مكوناتها الشاملة ومنها الهيئة التعليمية والإدارية. فالصحة النفسية كما هي مهمة للطالب، هي في ذات الوقت مهمة بالنسبة للمعلم جنباً إلى جنب مع الصحة النفسية للطالب، فالعلاقات السوية بين الإدارة والمعلمين وبين المعلمين أنفسهم تؤدي إلى نموهم النفسي السليم، فالعلاقات الاجتماعية الإيجابية في المدرسة بشكل عام تؤثر على الطالب وصحته النفسية، والعلاقات الجيدة بين المعلم والطالب تؤدي إلى النمو التربوي والنفسي السليم له، ومجمل المناخ السائد في المدرسة ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على أنماط السلوك المختلفة سلباً أو إيجاباً، وبمعنى آخر يمكن أن تكون البيئة المدرسية جاذبة للطالب/ المعلم، وقد تكون طاردة لأي من أطراف هذه العلاقة، وهذه نقطة مهمة نؤكد عليها ونحن في سياق التأكيد على مسار الصحة النفسية المدرسية، فعندما يشعر المعلمون في المدرسة بدرجة عالية من الرضا الوظيفي والاستقرار النفسي في بيئتهم العملية المدرسة سينعكس هذا بالضرورة على استجابتهم الإيجابية نحو المواقف اليومية الطارئة وغير الطارئة التي يتعاملون فيها مع بعضهم البعض، ومع الطالب في قاعة الدرس أو أي مكان في المحيط المدرسي، من حيث الفعل ورد الفعل وما يترتب على ذلك من استجابات مختلفة تبعاً للموقف والتجارب والمخزون النفسي والمعرفي التي تحضر في إدارة الموقف.
نسق الأسرة في الصحة النفسية المدرسية
تمثل الأسرة الحاضنة الأولى التي يتلقى فيها الطفل خبراته وتجاربه الأولى النفسية والتربوية والتي لا تنتهي بدخوله رياض الأطفال أو المدرسة، حيث دورها يأخذ دوراً تكاملياً ومرتفعاً على مستوى سلم العلاقة مع دور المدرسة في مجال تحقيق الصحة النفسية للطالب، من خلال بث الروح الإيجابية في الأبناء مثلاً. يؤثر هذا النمط من التربية بطريقة أو بأخرى على التكوين النفسي والاجتماعي والعقلي لهم ومن ثم في علاقتهم في البيئات الاجتماعية المختلفة. وللأسرة أدوار متعددة في خط علاقتها مع المدرسة ومنها دورها في إطار خط المساندة النفسية الناجحة حال التصدي للصدمات والأزمات النفسية التي قد يتعرض لها الطالب والتي قد تتحول إلى مشكلة ينبغي العمل على مساعدته في تجاوزها. هذه الأزمة التي قد تحدث دون توقع أو تخطيط، وهنا تكمن أهمية الوعي في إدارة الصدمات والأزمات من قبل الأسرة في تعاونها وتواصلها مع المدرسة لبحث حيثيات المشكلة والعمل معاً في مساعدة الابن على تجاوز الأزمة، أما عن سلوكها مع الابن فيأتي من خلال إتاحة الفرصة للابن في التحدث والحوار عن مشاكله واحتياجاته من أجل تخفيف معاناته وآلامه، وفي تشجيعه على التحدث عن تجاربه فور وبعد حدوثها، وملاحظة سلوكه الطارئ، وهي أول خطوة مهمة في عملية الدعم النفسي من قبل الأسرة، فإذا طرأ على الابن سلوك غريب لم تتعود الأسرة عليه، فيجب أخذه بعين الاعتبار وتفهمه وعرض تلك الملاحظات على ذوي الاختصاص خصوصاً حال ملاحظة الانطواء على النفس.
في الخلاصة، لا يمكن تصور نجاح أي دائرة من الأنساق السابقة ضمن منظومة الصحة النفسية المدرسية بمعزل عن عملية التكامل فيما بينها من حيث الدور المنوط بها بما ينعكس إيجاباً على المستهدف من منظومة الصحة النفسية المدرسية وهو الطالب. فالعلاقة المتوترة بين أي دائرة من تلك الدوائر ستترك أثرها (قوة أو ضعفاً) بشكل مباشر أو غير مباشر وضمن مدد زمنية: (قصيرة، متوسطة، بعيدة)، بالمقابل فإن العلاقة الإيجابية والمتكاملة ستسهم في زيادة فرص النمو النفسي والاجتماعي المتوازن في المجتمع المدرسي لينعكس ذلك الأداء على الطالب، وهو ما تسعى إلى تحقيقه الصحة النفسية المدرسية في أهدافها العليا، والمؤدي كما تقدم للعمل على تحقيق رؤية المملكة 2030 في مجال التعليم.

ذو صلة