تشهد الدراسات الإنسانية تحولات متسارعة، لها من التأثير الكثير على الوعي وعلى اللغة وعلى الأفق المعرفي، ولذا يجد المتتبع لمسار المعرفة توظيف جهاز مفاهيمي متميز باعتبار المصطلح آلية قراءة. من هذه المصطلحات مصطلح النص الذي كان سائداً في كتابات المسلمين، لكن في الدراسات المعاصرة تغير الاهتمام به إلى أن غدا النص عِلماً مستقلاً على النحو الذي وظفته الباحثة البلغارية جوليا كرستيفا (julia kristeva)، وهذا بفعل التحول الذي عرفه درس الفيلولوجيا. ليست المسألة متوقفة عند هذا الحد؛ بل لما راحت تناقش في ضوء هذا المصطلح ثنائيات: الدين/العلم، المقدس/المدنس، الكاتب/القارئ.. وما ارتبط بذلك من خطابات.
من هنا يكون طرح مفهوم النص من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، ثم طرحة في الموروث الإسلامي والدراسات المعاصرة؛ أمراً يفرضه الواقع المعرفي.
أولاً: النص في اللغة
النص لغة: كلمة تدل على معانٍ متعددة، وتحصر المعاجم العربية الجذر الدلالي لكلمة النص في حقول دلالية خمسة، بتكاملها تحدد المفهوم النظري للنص، وهي: الرفع، التحريك، التقصي، الوقف، المنتهى.
1 - النص بمعنى الرفع: ترد كلمة (النص) في اللغة العربية بمعنى الرفع حسياً كان أم معنوياً، حسياً على النحو الذي يتعلق بحركة الأبدان والأعضاء بغرض أداء عمل ما، ومنه قول العرب: نصت الظبية جيدها أي رفعته، والظبية ترفع عنقها لتتمكن من رؤية أكبر مسافة تتاح لها، ومنه أيضاً قولهم: نصَّ الدابة ينصها، أي رفعها في السير، ومن هذا المعنى مشتقات الكلمة مثل كلمة (منصّة) وهي المكان المرتفع الذي يرفع من يقف عليه ويجعله بارزاً ظاهراً، وتصبح رؤيته أمراً سهلاً متاحاً كمنصة العروس، وهي المكان الذي تجلس عليه العروس كي تُرى. ومنه أيضاً كلمة (النصّة) التي توظف للدلالة على هذا المعنى الحسي، إذ أنها تعني ما عَلا من شعر الجبهة، ومن هذا المعنى أيضاً (نَصَصَ) وتعني رفع، ويقال نصصتُ الشيء أي رفعته. أما دلالة الكلمة المعنوية فترد كلمة (نص) للدلالة على الرفع بمعنى الإسناد، كإسناد الكلام إلى قائله ورفعه إليه، أي نسبته إليه. فيقال: نصَّ الحديث ينصه نصّاً، أي رفعه، وفي القاموس المحيط: (نصَّ الحديث إليه رفعه). والنص بهذا المعنى إدراك النسبة بين الشيء ومصدره الأول، وورد في لسان العرب: (النصُّ الإسناد إلى الرئيس الأكبر).
2 - النص بمعنى التحريك: التحريك هو المعنى الثاني الذي ترد به كلمة (النص)، سواء بصيغتها المصدرية أم بمشتقاتها. فكلمة (النص) في لسان العرب وردت بمعنى التحريك. وتتضمن بهذا المعنى السير الشديد، وهو ضرب من الحركة والتحريك، ومنه قول القائل: وتقطع الخرق بسير نصٍّ. وبمعانيها الاشتقاقية أيضاً تدل على المعنى نفسه، فمثلاً كلمة (نصنص) تعني حرّك، فيقال: نصنصت الشيء، أي حرّكته، والنصنصة هي تحرك البعير إذا نهض. ومنها أيضاً كلمة (النصيص) التي تعني السير الشديد والحث. وفي القاموس المحيط: (نص الشيء أي حرّكه).
3 - النص بمعنى الوقف والتعيين: ترد كلمة (النص) للدلالة على الوقف والتعيين، كأن يكون النص تعييناً لمعنى، محدِّداً للفظ ما لا يتعداه، ولهذا يعرف اللفظ الأحادي الدلالة بأنه (نص)، ومنه قول المسلمين: النص القرآني، والنص النبوي. واصطلاح علماء الشريعة على هذا وذاك مصطلح (النص الشرعي). ووصف هذه النصوص بأنها نصوص شرعية تعيين لها حتى تتميز عن غيرها من النصوص الأخرى، فتصبح دلالتها متوقفة على ما تلقاه المسلمون عن الشرع الإسلامي. وفي تاج العروس: (النص: التعيين على شيء ما). وقد وظف العلماء المسلمون (النص) بهذا المعنى في مختلف العلوم الإسلامية كأصول الفقه، والتفسير، والفقه.. وغيرها.
ففي مجال أصول الفقه يذكر الغزالي في المستصفى أن أشهر معاني (النص) ما لا يتطرق إليه احتمال أصلاً، لا عن قرب ولا عن بعد. ونفي الاحتمال تحديد لمعنى محدد وتعيين له دون سواه. كما نجد في مجال التفسير الإمام الزمخشري يوظف (النص) للدلالة على المحكم في مقابل المتشابه والاحتمالي، ووُظِفَ بنفس المعنى في الخطاب الصوفي عند ابن عربي في الفتوحات المكية. كما أن المعنى نفسه يستفاد من كلمة الوقف، فترد كلمة النص بهذا المعنى الذي يرادف التعيين، ففي لسان العرب: (والنص التوقيف)، ومنه كلمة الوقف في النظام الإسلامي، فالوقف يعني: تنازل الرجل عن جزء من ممتلكاته، وتعيينه لهذا المتنازل عنه بأنه وقف في سبيل الله، فحينما يكتب كتابه بخصوص هذا الوقف يكون بذلك قد نص على أنه حبس ووقف في سبيل الله.
4 - النص بمعنى المنتهى: وهو المعنى الرابع الذي ترد به كلمة (النص) في اللغة العربية، إذ تعني كلمة النص غاية الشيء وأقصاه، ففي لسان العرب: أصل النص أقصى الشيء وغايته، وفي اللسان أيضاً: نص الأمر شدته، ومنه قول الشاعر:
ولا يستوي عند نص الأمو
ر باذل معروفه والبخيل
وقد تمثل صاحب القاموس المحيط (النص) بهذه الدلالة فيما يروى عن الإمام علي رضي الله عنه: (إذا بلغ النساء الحقاق أو الحقائق فالعصبة أولى)، ويعلق شارحاً: أي بلغن الغاية التي عقلن فيها على الحقاق، وهو الخصام، أو حوق فيهن، فقال كل من الأولياء أنا أحق، أو استعارة من حقاق الإبل أي انتهى صغرهن، وقيل: (نص الحقاق منتهى بلوغ العقل). من خلال هذا نجد أن كلمة (النص) ترد بمعنى المنتهى وغاية الشيء ببلوغه مستوى النضج والتمام.
5 - النص بمعنى التقصي: وبهذا المعنى وردت كلمة النص في لسان العرب، يقول ابن منظور: نصّ الرجل إذا سأله عن شيء حتى يستقصي ما عنده، وهو معنى يوحي ويدل على الإلحاح في السؤال، حتى يتسنى للسائل استقصاء ما يملكه المسؤول من المعلومات فيطلع عليها.
من خلال هذه المعاني المتعددة لكلمة (النص)؛ ندرك بأنها عرفت تطوراً دلالياً في اللغة العربية. ويصنفها البعض على أساس دلالتها الحسية والمعنوية كما يلي:
- الدلالة الحسية
- الانتقال من الحسي
- الانتقال إلى المعنوي
- الدخول إلى الاصطلاحي
وإن كان هذا التصنيف لمراحل تطور دلالة (النص) قد أهمل بعض المعاني مثل دلالة الكلمة على الغاية والمنتهى، وجعل من دلالتها على التوقيف اصطلاحية لا لغوية.
لكن الأمر الذي استفاده البحث اللغوي المعاصر هو دلالة المعاني السابقة على مسائل متعددة هي أدوات ومنافذ لدراسة (النص) في صورته المعاصرة، مثل دراسة ميشال فوكو (michel foucault) القاضية بإثبات مكونات أركيولوجية (للنص).
فمثلاً دلالة النص على الرفع توحي بتجلية الدلالات والغوص في البنية العميقة؛ لأن الحفريات الفكرية تؤكد لنا بأن مستويات النص طبقات، كلما تم الحفر عن طبقاته تعددت احتمالاته، وانفتحت دلالاته، وهذا ما يتيح للقارئ الغوص في بنيته العميقة. أما دلالة (النص) على التحريك فإنها توحي بالقراءة المحترفة التي تقتضي التأويل، لأن التأويل سعي لتحديد الدلالة، وهي أمر صعب لأنه يتوقف على القراءة، فالقراءة قد لا تكون موفقة، لأن المعاني لا يمكن تحديدها بدلالة نهائية، ولأن المساءلة مستمرة، وبالتالي فالأمر يقتضي تحريكاً مستمراً، وبخاصة إذا عرف أن العملية ليست نخبوية بل هي عامة، وقد كان الجاحظ يقول: المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي.
أما دلالة النص على التقصي فإنها توحي بمساءلة النص وكيفية النفاذ إليه، ومن هذا المعنى تم استنباط النظرية التي تعلن موت الكاتب وميلاد القارئ، وهي رؤية تؤكد انفتاح الدلالة واستحالة تحديدها. ودلالة النص على التقصي تدل على ذات العناصر التي يقوم عليها الكلام في جدليته الاتصالية بين المرسل والمتلقي، كما يحددها نظام الخطاب الذي يقضي بوجود شخصين على الأقل: مستجوِب ومستجوَب، فيصدر السؤال من الأول والإجابة من الثاني، ويتخذ السؤال بعداً استفزازياً حتى يستقصي السائل كل ما عند المستجوَب، ولذلك فدلالة التقصي توحي بمساءلة النص والاطلاع على مضمونه. ودلالة النص على المنتهى توحي هي الأخرى بإمكانية بلوغ أقصى النص، وهكذا كانت هذه المعاني اللغوية مرجعيات للقراءة المعاصرة، وعلى ضوء هذا التحول يمكن استنباط المعاني الاصطلاحية لكلمة (النص).
ثانياً: النص في الاصطلاح
ففي الاصطلاح وردت تعريفات عديدة لـ(النص)، وهي على كثرتها يمكن تصنيفها إلى صنفين اثنين: أحدهما: النص في اصطلاح العلماء المسلمين، والثاني النص في اصطلاح الدراسات المعاصرة.
-1 النص في اصطلاح العلماء المسلمين:
أما النص في اصطلاح العلماء المسلمين فقد كانت له تعريفات متعددة تبعاً لمجال البحث الذي فرض فيه تحديد التعريف، ولذلك كان أغلب الاهتمام بهذا المعنى عند علماء أصول الفقه، فمثلاً الإمام الشافعي يعرفه بأنه: (المستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل)، وهو تعريف لا يصدق إلا على نص الوحي، لأن الوحي هو التنزيل الذي تضمن مسائل نصّ عليها وأبانها وأمر بها، مثل الفرائض المختلفة فإنها مستوحاة من التنزيل، ولذلك حينما عرف الإمام الشافعي النص جعله أول أنماط البيان، ومن هذه الأنماط: (ما أبانه لخلقه نصاً مثل جمل فرائضه، في أن عليهم صلاة وزكاة وحجّاً وصوماً، وأنه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيّن لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين نصاً).
ويعرفه الجويني بقوله: (النص ما لا يتطرق إلى فحواه إمكان التأويل)، كما قال عنه أيضاً: (هو لفظ مقيد لا يتطرق إليه تأويل). وهو تعريف يطابق فيه تعريف الإمام الشافعي من حيث هو دال على النص القرآني، وهذا لا يعني عدم اعتبار غير النص القرآني نصّاً، فالإمام الجويني يذكر أقسام النص بما يؤكد تجاوز الاصطلاح ليشمل غير القرآن، فيقول: (ينقسم إلى ما ثبت أصله قطعاً كنص الكتاب والخبر المستفيض، وإلى ما لم يثبت أصله قطعاً كالذي ينقله الآحاد ولا مجال للتأويل في النوعين).
ويفهم من هذا أن النص كان يطلق على مستويات متعددة، أولها النص القرآني، ثم النصوص الشارحة، سواء ما كان يتعلق بالسنة النبوية كنص شارح أول، أو بالنص التراثي كنص شارح ثانٍ. ولعل هذا ما جعل بعض المعاصرين يعتبر النص دالاً على التنزيل والتأويل. وعلى ضوء ذلك تم تقسيم النص الديني أقساماً حصرت في قسمين أساسيين: النص الأول وهو القرآن الكريم، والثاني وهو النص النبوي. من جهة أخرى تجدر الإشارة إلى مفاهيم أخرى يمكن أن تندرج ضمن دلالة النص مثل: الفقرة، الجملة، الكتاب. فكلها على علاقة بالنص. وقد كانت إشارات للعلماء المسلمين لبيان طبيعة العلاقة بين هذه المفاهيم الأربعة.
فالجملة مثلاً يعرفها الجرجاني بقوله: (هي عبارة عن مركب من كلمتين، أسندت إحداهما إلى الأخرى). والجملة بهذا المعنى، ذي البعد اللغوي؛ يمكن أن تصدق على مسمى النص، وتصبح الجملة بالتالي في بعض مستوياتها نصّاً. مثلاً القاعدة الأصولية المتعلقة بإزالة الضرر، فإنها لا تعد أن تكون جملة من الناحية اللغوية يصدق فيها تعريف الجرجاني، فقد صاغها علماء الشريعة بقولهم: (الضرر يزال)، وهي نص في إباحة إزالة الضرر الذي يمكن أن يتعرض له المسلم. أما الفقرة، فقد ورد في تعريفات الجرجاني أيضاً بأنها: (اسم لكل حُلي يصاغ على هيئة فقار الظهر، ثم استعير هذا المعنى ليطلق على أجود بيت في القصيدة تشبيهاً له بالحلي، ثم استعير لكل جملة مختارة من الكلام تشبيهاً لها بأجود بيت في قصيدة).
فالفقرة تتضمن أكثر من جملة، بل هي عدة جمل تشكل مضموناً متكاملاً، وقد استمدت الدلالة من شيء محسوس وهو الحلي المصاغ، ثم صارت تطلق على الكلام المنظم في شكل نص متكامل.
2 - النص في الدراسات المعاصرة:
في الكتابات المعاصرة ما يتطابق مع هذا المعنى، فالنص اشتقاقياً هو نسيج، وهو بهذا المعنى يتجاوز حدود الجملة بالمعنى اللغوي. أما الكتاب وهو دال، دلالة أوسع من الجملة والفقرة، يطلق أيضاً ويراد به النص، وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك في حديثه عن المنطق الأرسطي حينما قال: (تكلم فيه المتقدمون أول ما تكلموا به جملاً جملاً ومفترقاً، ولم تهذب طرقه ولم تجمع مسائله حتى ظهر في يونان أرسطو فهذب مباحثه ورتب مسائله وفصوله، وجعله أول العلوم الحكمية وفاتحتها، ولذلك يسمى بالمعلم الأول وكتابه المخصوص بالمنطق يسمى النص).
وهكذا نجد أن دلالة (النص) تطورت إلى أن صارت تطلق على كتاب بأكمله، ومن هنا يذهب الحداثيون إلى أن البحث عن مفهوم (النص) في المجال الإسلامي ليس في الحقيقة إلا البحث عن ماهية القرآن. إذ صار ينعت بالنص، فيرتب على أنه النص الأول، رغم أن المصطلح لا وجود له في القرآن الكريم.
كما اعتبرت العملية -إطلاق كلمة (النص) على كتاب بأكمله- هي بدابة النقلة الدلالية من المعنى القديم إلى المعنى الحديث.
والمعنى الحديث هو الذي تجلى في الدراسات المعاصرة، سواء عند العرب أو عند الغربيين. أما عند العرب ففي إطار الأخذ بالنظريات الحديثة وتطبيقها على التراث العربي الإسلامي، بصفتها نظريات قامت على أسس علمية تضمنتها العلوم الإنسانية في صورتها المعاصرة، مثل: اللسانيات والسيميائية.. ولذلك نجد التعريفات المعاصرة للنص مستوحاة من هذه المعارف، فقد عرف بأنه: (سلسلة من العلامات المنتظمة في نسق من العلاقات تنتج معنى كلياً يحمل رسالة، وسواء أكانت تلك العلامات علامات باللغة الطبيعية - الألفاظ - أم كانت علامات بلغة أخرى؛ فإن انتظام العلامات في نسق يحمل رسالة يجعل منها نصّاً).
وهذا التعريف يوظفه الخطاب الحداثي العربي، لا على أنه خاص به؛ بل لأنه شائع في الخطاب الحداثي عند الغربيين بمعناه الإيتيمولوجي (ètymlogique) أولاً، الذي يدل على أن النص معناه النسيج كما قال رولان بارث (Roland Barthes)، ثم يحلل كلمة نص (Texte)، ويؤكد أنها من أصل لاتيني، وتعني النسيج (Textus) وفعلها (Texere)، أي ينسج ثانياً. وعلى أساس هذه المرجعية اللغوية، تأسست تعريفات لغوية عديدة للنص عند الغربيين، منها تعريف رولان بارث (roland barthes) الذي عرفه بأنه: (السطح الظاهري للنتاج الأدبي، نسيج الكلمات المنظومة في التأليف، والمنسقة بحيث تفرض شكلاً ثابتاً ووحيداً ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً).
ويبدو من خلال هذا التعريف أنه ارتبط بمجال الأدب أكثر من غيره، ولذلك يذهب بعض الباحثين إلى أن الاهتمام بالنص كفضاء معرفي، أو ما عرف فيما بعد بنظرية النص (La théorie du Texte)؛ إنما مرده التطور الذي عرفته اللسانيات الحديثة، التي كانت تجلياتها على أكثر من مستوى:
1 - بحكم اقترابها من المنطق؛ عملت على إحلال معيار الصحة معيار الحقيقة.
2 - تخليص القول من حكم المضمون.
3 - اكتشاف الثراء والرقة، وإلغاء الحشويات المتضمنة في المقال بواسطة تقريب دالي سيميائي.
ثم قام فرديناند دي سوسير(ferdinand de saussure) بوضع علم العلامات، وهو المنعطف الذي جعل الاهتمام بالنص يسعى في تحليل الخطاب إلى معرفة الوحدات البنيوية للخطاب، ومن هنا تجلت الحاجة إلى مفهوم النص كوحدة استدلالية سطحية أو داخلية، وبهذا يميز بين النص والفقرة، لأن النص يمكن أن يطابق جملة كما يمكن أن يطابق كتاباً بأكمله، وقد مر بيان ذلك في تحديد المعنى اللغوي للنص. كما عرف النص بأنه الكلمة التي تطلق على كل خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة، وأنه أيضاً: إنجاز فعلي للسان من طرف محدد.
إن هذين التعريفين، خصوصاً التعريف الأول؛ ينطلق من استكشاف العناصر المؤثرة في النص، والتي منها:
1 - عملية التثبيت في حد ذاتها، فهي أمر مؤسس للنص.
2 - التمييز بين الكلام والنص، وذلك بالاعتماد على فعل القراءة، ولهذا يقول بول ريكور (paul ricoeur): (ما يتم تثبيته في الكتابة هو الخطاب باعتباره نية تقصد إصدار قول ما، وأن الكتابة هي تسجيل مباشر لهذه النية القصدية، حتى ولو ابتدأت الكتابة تاريخياً وسيكوليجياً بتسجيل خطي لرموز الكلام وإشاراته).
3 - الاستقلالية المميزة للقراءة هي التي تجعلها تأخذ مكان الكلام، وبالتالي تطابق ولادة النص.
ومن خلال تطابق الدلالتين: (النص) و(الخطاب) تأسست تعريفات أخرى على أساس هذا التطابق في الخطاب الحداثي العربي المعاصر، مثل: تعريف علي حرب الذي عرف فيه النص بأنه: (خطاب تم الاعتراف به وتكريسه، إنه كلام أثبت جدارته واكتسب فرادته وأصبح أثراً يرجع إليه). وهو تعريف يلخص التعريفات الأخرى العربية منها والغربية.
هذه بعض التعريفات الواردة للنص بمعناه اللغوي أولاً، ثم بمعناه الاصطلاحي ثانياً عند المسلمين، وكذلك عند الغربيين، ومن خلال تتبع دلالة المصطلح وقفنا على مسارها التحولي إلى أن غدا النص في الدراسات المعاصرة فضاء معرفياً يعرف بـ (علم النص)، كما يقول بذلك الباحثون المعاصرون.