مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابته

(مَنْ كتب.. كتب).
لا أتذكر صاحب هذه العبارة التي قرأتها تعليقاً على منشور فيسبوكي يتصل بقدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص إبداعية. ما فهمته من العبارة أن زمن الإبداع النصي البشري يوشك أن يولِّي مع إحلال الآلة محل البشر في إنتاج النصوص الإبداعية. بعد أيام من قراءة هذه العبارة سألني أحد طلاب الماجستير: إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة البحوث العلمية، فلماذا نتعلم مهارات كتابتها بأنفسنا بدلاً من تعلم طرق الحصول على البحوث من الذكاء الاصطناعي مباشرة، فنوفر جهدنا ووقتنا ونقدم لأساتذتنا بحوثاً أفضل؟

أتوقع أن سؤال الطالب، وتعليق الزميل على الفيسبوك، يشغلان حيزاً من تفكير المهتمين بالكتابة الإبداعية والبحثية في الوقت الراهن، وهذا المقال يناقش كليهما.
الكتابة من وحي سماوي إلى مخرج خوارزمي
لطالما عُدَّت الكتابة الإبداعية قدرة من قدرات البشر الخارقة، فعلى مدار آلاف السنين تعامل البشر مع نصوص الأدب على أنها نتاج موهبة استثنائية. ولم يكتفوا بنسبة هذه الموهبة إلى البشر الفائقين، بل التمسوا تفسيراً لها يربطها بقوى غيبية. فقد نسبوا قدرة البشر على الكتابة الإبداعية لقوى أسطورية مثل الإله تحوت الذي علم المصريين القدماء الكتابة، وأبولو (رب الشعر) عند اليونانيين القدماء، والميوزيس (ربات الخطابة والإقناع والفنون) عند اليونانيين القدماء أيضاً، وشياطين وادي عبقر الذين كانوا ينفثون الشعر في آذان شعراء الجزيرة العربية، وغيرهم. وقريب من ذلك تصورات الوحي والإلهام التي تنسب الإبداع الأدبي لقدرات خارقة، يتمتع بها المبدع وقت إبداعه فتمنحه قوة استثنائية تمكنه من الإبداع. كل هذه التصورات حول الكتابة المبدعة بوصفها فعلاً إنسانياً خارقاً تكاد تنهدم بسبب قدرة الآلة على إبداع نصوص أدبية وغير أدبية متنوعة.
لقد صغتُ مصطلح (الآلة البليغة) في أحد بحوثي للإشارة إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج النصوص البليغة وتحليلها ونقدها بكفاءة قد تتجاوز كفاءة البشر. فالآلة قادرة الآن على إنتاج كلام جميل مقنع مؤثر، وأدائه، وتحليل خصائصه، وتحديد إيجابياته وسلبياته. وهذا واقع أشبه بالخيال العلمي، يتيح فرصاً، ويفرض تحديات ومخاطر لم تكن في الحسبان. فخلال الأعوام الثلاثة الماضية أُجريت دراسات عدة تقيس قدرة البشر على التمييز بين النصوص الأدبية التي يُنتجها كبار الأدباء، والنصوص المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، كانت نتائجها مدهشة وصادمة. فالبشر غير قادرين غالباً على التمييز بين إبداع البشر وإبداع الآلة، بل إن البشر يميلون إلى إعطاء قيم إيجابية أكبر لنصوص الآلة. والأكثر إثارة للدهشة أن الآلة نفسها ترى أنها تكتب أفضل من البشر، وحين يُطلَب تقييم الذكاء الاصطناعي لنص ما، وتحديد ما إذا كان بشرياً أم آلياً، فإنه يميل إلى نسبة النصوص الدقيقة المتقنة إلى الآلة، ونسبة النصوص الضعيفة المفككة إلى البشر. والتجلي الساخر لذلك أن الآلة حين يُطلب منها تحويل نص كُتب آلياً إلى نص يشبه النصوص البشرية، فإنها تكاد لا تفعل شيئاً سوى إضافة بعض الأخطاء اللغوية والركاكة الأسلوبية إليه!
إذا كانت الآلة قادرة على إنتاج نصوص أدبية وعلمية جيدة بدرجة مكافئة لما يكتبه البشر تقريباً، فلماذا سيكتب البشر؟ هذا السؤال الذي يبدو ساذجاً، ليس كذلك بأي حال. والدليل على ذلك، أن بعض (الأدباء) ينشرون الآن كتابات ألَّفتها الآلة وحدها، أو شاركوا بقدر محدود في تأليفها. ويُتوقع أن يزيد السطو على منتجات الآلة، وبخاصة ممن لا يتقنون مهارات الكتابة الأدبية أو البحثية، ويرون أن الآلة تقدم لهم نصوصاً ممتازة على طبق من فضة، دون أن يبذلوا أي جهد في تأليفها. فلماذا يعاني الشخص في كتابة نص ضعيف أو متوسط الجودة إن كانت الآلة قادرة على إمداده بما يشاء من نصوص متقنة دون مجهود تقريباً؟
يبدو التساؤل إذن عما لا يمكن للآلة كتابته مصيرياً بالنظر إلى التحديات الراهنة والمقبلة. ويتعين بداية الاحتراز بأن أي إجابة على هذا السؤال هي إجابة مؤقتة، فقدرات الآلة البليغة تتطور على نحو مذهل في مدى زمني قصير. وليس من المستغرب أن المهن المرتبطة بمهارات اللغة والتواصل المكتوب والشفهي هي الأكثر تهديداً من الذكاء الاصطناعي في وقتنا الراهن. ففي دراسة أعدتها شركة مايكروسوفت في يوليو 2025 حول المهن التي يُحتمل إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر العاملين جاءت المهن ذات الصلة بمهارات الكتابة والتواصل الشفاهي في الصدارة. وكان على رأس القائمة المهدَّدة المترجمون والمتخصصون في اللغة، ثم مندوبو خدمة العملاء، والكتاب وصناع المحتوى، ومندوبو المبيعات، وأخيراً المؤرخون والباحثون (Tomlinson، et. Al.، 2025).
هناك أمر آخر يجب أن يوضع في الحسبان أثناء تقديم أي إجابة محتملة لسؤال (ما الذي لا تستطيع الآلة كتابته؟) يتصل بالتمييز بين الاستطاعة والإباحة. فليس كل ما يستطيعه البشر مباحاً، ويجب أن تخضع منتجات الآلة للقاعدة نفسها. ومن الضروري وضع قيود صارمة على الاستعانة بالآلة في السياقات التي يُفترض فيها أن تُقدم نصوصاً بشرية، وبخاصة في سياقات التعلم والتدريب.
تصنع ثنائية الاستطاعة والإباحة مفارقة واضحة، يمكن صياغتها في أسئلة تمثل تفصيلاً لسؤال طالب الماجستير السابق، هي:
1 - لماذا يبذل المرء جهداً لإتقان مهارات الكتابة إذا كان يستطيع تكليف الآلة بالقيام بالمهام التي يحتاج الكتابة فيها؟
2 - لماذا لا «يُباح» استعمال منتجات الآلة المتاحة دون قيد أو شرط؟
3 - لماذا لا نُجري تعديلاً على تصوراتنا لـ(مهارات الكتابة)، فتصبح هذه المهارات متصلة بكيفية تشغيل الحواسيب في إنتاج ما نحتاج إليه من كتابة، بدلاً من تعلم مهارات الكتابة نفسها؟
4 - لماذا لا نُجري تعديلاً على مفهوم (الإبداع الكتابي)، ليصبح القدرة على الحصول على النصوص الأكثر إبداعاً من الآلة نفسها؟
ثانياً: المبدع الفرد في مقابل الآلة القطيع
الإجابة عن السؤالين الأول والثاني تبدأ من الإجابة الدقيقة عن السؤال الضمني في عنوان المقال، وهو: ما الذي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابته من نصوص؟ الإجابة التقنية على هذا السؤال هي: لا شيء. فالذكاء الاصطناعي قادر على تأليف جميع أنواع النصوص، بأساليب متنوعة، بلغات مختلفة، لمخاطَبين متعددين، بكفاءة نصية جيدة. لكن هذه الإجابة يغيب عنها بُعد مهم من أبعاد الكتابة الإبداعية، وهو الفردية الشخصانية. نعم، يستطيع الذكاء الاصطناعي تأليف قصص وقصائد وروايات وأي أنواع أخرى، بقدرات حسنة، لكنه لا يستطيع أن يقول بالضبط ما يريد المبدع الفرد المتفرد كتابته، فقدرة الآلة على الإنشاء تختلف عن قدرتها على التعبير عن ذات فردية، لها رؤية خاصة للعالم، وذائقة جمالية، وذخيرة خطابية، ومواقف أخلاقية، وتحركها أهداف خاصة للإبداع، وتصورات لدورها في العالم الذي تعيش فيه.
كل مبدع حالة ومشروع أدبي متفرد، يُبنى عبر سنوات وعقود. قد تعطينا الآلة نصوصاً، لكنها لا تصنع مشروعاً أدبياً، ولا تبني فرادة إبداعية. بصياغة أخرى، فإن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يُنتج نصوصاً أدبية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الأديب المتفرد، الملهم، صاحب المشروع الأدبي والرسالة الإنسانية لأدبه، لذا سيظل المبدع الساعي إلى التفرد بحاجة إلى امتلاك مهارات كتابية متفردة، مهما بلغت قدرة الآلة على إنتاج النصوص.
من زاوية أخرى، يتعين التمييز بين قدرة الآلة على الكتابة، وقدرتها على الوفاء باحتياجات البشر الكتابية. فالبشر يحتاجون عملية الكتابة وحالتها، بقدر ما يحتاجون إلى منتوجاتها، أي النصوص المكتوبة. فمعظم من يكتبون نصوصاً إبداعية، ليست غايتهم النصوص التي يكتبونها، وإنما الحالة الشعورية والعقلية والروحية التي يعيشونها أثناء الكتابة. فبالكتابة يمكنهم التعبير عن مكنون أنفسهم، واستكشاف ذاتهم، ومشاركة خبراتهم، وعرض وجهات نظرهم الأكثر خصوصية. يعرف كل من ذاق لذة الكتابة أنها تجربة شعورية متفردة، يتلذذ المرء وهو يبلور أفكاره، ويختار كلماته، ويغير ويعدل ويحذف حتى يرضى عن عمله، فيشعر بسعادة غامرة، سعادة القدرة على خلق كلام جميل. وباستعمال الحكمة الشهيرة، فإن الغاية في الكتابة ليس الوصول إلى النص، بل تجربة كتابته ذاتها. والاكتفاء بمنتوجات الآلة يعني القضاء على تجربة الكتابة، وهي واحدة من أهم تجارب البشر ثراءً ومتعة، رغم التعب والمعاناة الممتزجة بها.
يؤكد صحة حكمة أن الغاية هي تجربة الكتابة لا النصوص المكتوبة، حقيقة أن تعلم البشر كتابة أنواع بعينها من النصوص ليس هدفه إنتاج النصوص أصلاً، بل اكتساب خبرات عقلية ونفسية وروحية، ومعارف وقدرات ومهارات ضرورية. فالباحث يعاني في تعلم مهارات الكتابة العلمية في بدايات حياته البحثية، ويكتب بحوثاً ضعيفة لن ينشرها، لكن هذه الخبرة الصعبة، لا غنى عنها لتعلم العلم الذي يدرسه. وبدون إتقان لغة العلم، والتدرب على الكتابة بها، لن يستطيع باحث أن يضيف إليه شيئاً. فنحن نكتسب مهارات إنتاج المعرفة حين نصبح قادرين على الكتابة بلغتها. فلغة العلم ليست مجرد مهارة تواصل، بل أداة تكوين الباحث نفسه. والأمر ينطبق على كل مهارة من مهارات البحث العلمي. فحين نُعلم الطالب كيف يصوغ سؤالاً بحثياً، فإن السؤال الذي سيصوغه في بحثه التدريبي ليس هو الهدف، بل عملية تعلم صياغة السؤال هي المبتغى. فأثنائها سيقع في أخطاء، ويصححها، ويعدلها حتى يُتقن صياغة سؤال بحثي في نهاية المطاف. والأمر نفسه ينطبق على كل مهارة من مهارات الكتابة العلمية، كما ينطبق على أي مهارات كتابة أخرى إبداعية أو وظيفية. وإن لم يقم الدارس بتعلم هذه المهارة عن طريق المعرفة النظرية، والوقوع في الخطأ وتصحيحه، لن يتعلم أصول العلم. ومن ثمَّ، سيكون غير قادر على الإفادة منه، أو تعليم الآخرين.
يتيح هذا التمييز بين المنتَج (البحوث) وعملية الإنتاج (خبرة تعلم كتابة البحوث) تقديم إجابة قاطعة عن السؤال الثاني الخاص بعلة منع الدارسين من تقديم نصوص مكتوبة آلياً في سياقات التعلم. فبغض النظر عن معضلة حقوق الملكية الفكرية لنصوص الذكاء الاصطناعي، فإن (منع) المتعلمين من كتابة تكاليفهم وواجباتهم وبحوثهم بواسطة الذكاء الاصطناعي إجراء لا غنى عنه لتحقيق الغرض من عملية التعلم نفسها. فليس الهدف هو الحصول على النصوص، بل بناء عقل قادر على التفكير والنقد والتعلم، وهو ما يتحقق عن طريق إتقان الكتابة. فالهدف هو إتقان عملية الكتابة وليس الحصول على منتجاتها.
يُحتمل أن يُجري الذكاء الاصطناعي تغييرات جذرية على مفاهيمنا للإبداع والمهارات الكتابية. لكن حدود هذه التغييرات، وآثارها، متروك للمستقبل. لذا ربما يكون من المبكر الآن تقديم إجابات عن السؤالين الثالث والرابع. ومع ذلك، فمهما تكن التغييرات التي ستمس هذين المفهومين، فستظل الحاجة إلى المنتوجات الكتابية البشرية. وكما أن الذكاء الاصطناعي نفسه لا يُلغي الحاجة إلى الذكاء البشري، فإن نصوص الآلة لا تُلغي الحاجة إلى نصوص البشر. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة جل ما نحتاج إليه، فإننا سنظل بحاجة إلى إتقان مهارات الكتابة، ربما أكثر من أي وقت مضى. وبالعودة إلى العبارة التي افتتحتُ بها مقالي فإنني أظن أن الصياغة الصحيحة هي: (مَن كتب عليه أن يواصل الكتابة، ومن لم يتعلمها عليه أن يتقنها، مهما تطورت قدرة الآلة على إبداعها).

ذو صلة