مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

حوت السماء

لم ينم الصغير طوال الليل، قلبه يدقّ في اضطراب، بحث عن مكان الدقّات فلم يعرف، فقط دقّات تدوِّي من صدره لأذنه، وضع الملاءة على وجهه وكوَّم جسده كجنين في رحم الحياة، كل حواسه مستيقظة تتابع غرفة والده، يرصد كل حركة وكل ضوء في الخارج، حين سمع صوت الماء يندلق في دورة المياه تأكَّد من استيقاظ والده، شدَّ على أعصابه وبدأت دقّات قلبه ترتفع وتغطِّي على صوت الماء المندفع من الصنبور، لم يتحرك وأرهف السمع وانتظر أن يأتي والده ويوقظه، لكن الوالد لم يقترب من غرفة الصغير، جهَّز إفطاره وشرب الشاي، ووضع بعض الشطائر في حقيبته وسحب عِدَّة الصيد، وقبل أن يخرج من الباب بلحظة، انتفض الصغير من فوق سريره، ألقى الملاءة ووقف أمام والده، وكان يرتدي ملابس الخروج، قال الوالد:
- هل نمت بملابسك؟
- أنا أنتظرك يا أبي.
- أنت صغير.
- لقد وعدتني وأنا أريد أن أرى البحر.
- البحر مخيف.
حين قال الصغير: (أنا لا أخاف وأنت معي يا أبي) أشرق وجه الوالد وابتسم، وقال: (لكنك لا تحمل سنارة صيد) جرى الصغير لغرفته وأخرج قطعة من البوص بطول متر ونصف، بها حبل رفيع وطويل، ابتسم الوالد حين رأى الخيط بلا خُطَّاف في نهايته، استخرج الوالد من الحقيبة خُطَّافاً وأعطاه للصغير، لكن الصغير بدا على وجهه حزن رائق ولم يمد يده للخُطَّاف وقال: (هذا سيجرح السمكة، سأصطاد السمك دون أن أجرحه).
وضع الوالد سنارته في الماء وجلس الصغير بجانبه على صخرة مغطاة برذاذ ندى البحر، ثم ألقى الخيط في الماء، ابتسم الوالد حين وجد الصغير يربط جمبري الصيد الصغير في نهاية الخيط، قال الوالد: (السمك سيأكل الطُّعم ويهرب) قال الصغير: (السمك يعرفني، لقد رأيته في أحلامي، وقد وعدني إن أطعمته أن يخرج لي) اهتزَّت بوصة الصغير فقال الوالد: (اسحب، اسحب) لكن الصغير ترك السمك يأكل الجمبري الصغير باستمتاع، وابتسم.
ركَّز الوالد على سنارته حين رأى الماء يرتجف، اهتزَّت سنارته فسحبه بعنف، فكانت سمكة بوري كبيرة، قال الصغير: (هذه سمكتي التي أطعمتُها منذ لحظة، أنت جرحتها يا أبي).
ألقى الوالد السنارة في الماء والصغير ظل يحدقّ في قاع البحر.. رأى حوتاً كبيراً أبيض يتحرك فلم يخبر والده، خشي أن يجرحه كسمكة البوري، تحرَّك الحوت الأبيض بهدوء ساكن، حرَّك الصغير الخيط في البوصة فاهتزَّ الحوت، قال الوالد:
- الأسماك تهرب من الحركة، يجب أن تكون ثابتاً حتى تستطيع الصيد.
- يوجد حوت.
- أين؟
- سأخبرك لكن لا تجرحه يا أبي.
ابتسم الوالد حيث أشار الصغير لعمق الماء واستمر الصغير يتابع الحوت.. رأى أسماكاً صغيرة تلعب حول الحوت، وغطس نورس ووقف فوق رأس الحوت، ونطَّ قرد فجأة ووقف على ظهر الحوت، ابتلع الحوت شجرة أثناء سباحته الساكنة، قال الصغير: (كان لون الحوت أبيض فصار أزرقاً).
شدَّ الوالد سنارته فاختفى الحوت، حزن الصغير وظل يدقّق البصر، كي يتابع حوته الحبيب، ظهر الحوت مرة أخرى، واختفى القرد وطار النورس، وظهر خروف وحصان، وطائر كبير يركب دراجة، وعربة تقودها امرأة، وأسد يداعب فيلاً ضخماً، ورجل عجوز يسير ممسكاً عكازه، وظل الصغير يبتسم، قال الوالد:
- لِمَ تبتسم للبحر؟
- الحوت يحمل العالم فوق ظهره، انظر يا أبي، الدنيا فوق ظهر الحوت.
- لماذا لا يتحرك؟
- ربما يخشى أن يقع العالم في قاع البحر.
- انظر لأعلى يا بني، وستعرف الحقيقـــة.
نظر الصغير لأعلى وهو يتابع قاع البحر بطرف عينيه.. رأى الحوت في السماء تلعب الحيوانات حوله فيما يشبه السحابة، تحول الحوت لمنطاد عملاق، ظل يهبط، يهبط حتى مدَّ الصغير يده وتعلَّق بالمنطاد، انفتح المنطاد كبطن حوت مليء بالأسماك، سقطتْ كالمطر على الصغير، مطر من جميع أنواع الأسماك تتساقط حوله، والوالد في حيرة، كيف استطاع الصغير اصطياد كل هذه الأسماك بخيط وبوصة، وبدون خُطَّاف يجرح السمك؟

ذو صلة