مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

غرفة سوداء

(1)  فتى
في الغرفة الباهتة الألوان، تتساقط الذكريات وتأتي أخبار من خارجها، حيث يتساقط الأصدقاء تباعاً، وتبقى الذكريات، تحلّق فوق رأسي كأنها طائر العنقاء.
كنّا ثلاثة نقتعد الغرفة منذ ثلاثة أيام خلون: الفتى عن يساري، كان ممدّداً على سريره طوال الوقت، ولم يكُ يتحدث، لقد زرعوا له أنبوباً عبر ثقب في الحنجرة، كان يتنفس منه ببطء، وكانت وسيلة التخاطب الوحيدة بيني وبينه هي (الواتساب). لقد كان يكتب لي وأكتب له طوال الليل، حكى لي عن خطيبته التي هجرته حين استأصلوا حنجرته، وكيف بعثت له بهداياه التي كان يخصّها بها كلما التقيا، فتح جواله ليريني صورهما على الشاطئ وفي غرفة ما بأحد الفنادق، قالها وهو يضحك ضحكة ماكرة عرفتها من إشراقة وجهه، والتماع عينيه، وكأنه يقول (كانت أيام)، لكنه فجأة توقّف عن الكتابة وانخرط في موجة بكاء شديدة مكتومة، تتساقط دموعه التي لم يوقفها غير حضور الممرضة وحقنه بإبرة مهدئة، عندها انخرط في نوم عميق، بقي جواله يومض بين كل فينة وأخرى. لقد كان أصدقاؤه كُثُراً، أولئك الذين يكتبون إليه.
يا لحزني الدفين وأنا شاهد على النكران والجحود والتعاسة والمرض مع هذا الذي نشأت بيني وبينه صداقة طويلة امتدت حتى بعد خروجنا من هذه الغرفة الصامتة، أمس أخذته في رحلة عبر شعاب مكة وطفت به وأخبرته عن رحلتي الأخيرة، رأى كل شيء تقريباً عبر الصور، لكنه فجأة أعطاني الموبايل وقد استحال الفرح إلى حزن، كتب لي عبر الواتس: وماذا سيفعل مريض فقد صوته لو سافر معك مثلاً، فهو لا ينطق، وهذا الجهاز معلّق في رقبته حتى يموت، لا، لا أريد أن أتعبك يا صديقي، سافر واستمتع وافرح، أما أنا فسأبقى هنا أقتات من ذكريات الأمس، وفتح باب السيارة وخرج.
(2)  خمسيني
في المقابل كان ذلك (الخمسيني) المراهق يقتعد الكرسي الذي أمامي مباشرة، كان ممتلئاً ضخم الجثة، قضى معظم أيامه كما يقول عسكرياً مثابراً، وطموحاً، كانت عيناه تصوّبان على كل أنثى تأتي الغرفة، ولمّا يخرج الجميع يضع يديه تحت رأسه، وتخرج منه تنهيدة عظيمة وهو يحلّق في سقف الغرفة، ثم ينشد: ألا ليت الزمان يعود يوماً!! ونضحك كلنا وهو يضرب كفاً بكف، متحسّراً على شبابه الذي انقضى.
وفجأة ينظر إليَّ بعد أن رفع رأسه عن المخدة: معك سجائر؟ قلت له الطبيب منعك من الدخان! يضحك وكأنه يستهزئ بالحياة وبالناس وبالمرض: ما بقي في العمر بقية، سأدخن، ثم يرد ضاحكاً بلهجته البدوية الجميلة: (تعددت الأسباب والموت واحد)!
اشتد عليه الوجع في هذه الليلة وتم نقله إلى غرفة العناية الفائقة.
ولما سألت عنه قبل خروجي عرفت بموته ذلك الطموح إلى الحياة، الفَرِح بكل شيء، الذي يطرد الحزن بضحكته العابرة والمجلجلة، كان اتفق معي على أن نذهب لظاهر المدينة ونشرب حليب (الإبل)، لكن السرطان لم يمهله كثيراً، مات دون أن يودعني!!
تنشأ بينك وبين المجاورين صداقة تصنعها الظروف، دون أن يكون هناك أي اعتبار لأي شيء سوى الصداقة النبيلة، ثم تنتهي هذه الصداقة سريعاً كما بدأت، ويكشّر الموت عن أنيابه وهو ينتهب من سقف الغرفة الباهتة واحداً من أصدقائك.
(3)  السوداني
يتمايل عن يميني ذلك الرجل الأسمر، الذي لم يفارق الحزن محيّاه أبداً، لم يكن يتحدّث معنا نحن نزلاء الغرفة الباهتة إلا نادراً، قال في المرة الأولى تم قطع قدميه، وهذه المرة قال له الطبيب ربما يُبتَر ساقاه أيضاً، فالغرغرينا لا ترحم، وغداً سيكمل الفحوصات وسيتم نقله إلى غرفة أخرى، فهو هنا بصورة مؤقتة، لا يصدر منه إلا ما يدل على حزن عميق، لم يكُ عابئاً بما يدور حوله، ولا يسأل أحداً عن أيّ شيء، لقد بلغت به الكآبة والحزن مبلغاً عظيماً، ولمّا يحتاج عربة لنقله إلى الحمام كان يطلب المساعدة من الممرضة، أما نحن زملاؤه في الغرفة، فلم يكن يهتم بنا ولا يطلب المساعدة منّا أبداً..
خرجوا به هذا الصباح لإجراء فحوصات وتحاليل تمهيداً للعملية، لكنه لم يعد إلى الغرفة، التي صنع فيها جزءاً من الكآبة والحزن وهو يقطنها.

ذو صلة