مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

بائع البالونات

بالونان يتطايران في الهواء، ونقاط من الضوء بداخلهما متوهجان، كان شكلهما جميلاً بيد الرجل الذي تقدم في العمر سنين، وشققت خطوط متوازية جبهته تطل من عينيه العجوزتين نظرات حزينة ليست عجوزة تماماً بما يعني انطفاء نورهما بعد أجل قصير، فلا تزال تدب في العينين حياة، وهو يتململ في جلسته فوق الرصيف، يمر به عدد قليل من المارّة، ثم يتوقفون عند مفترق طرق لا تزدحم كثيراً بالأقدام، اختار الرجل المكوث هنا، بين اتجاهين، أحدهما يدفع إلى وسط المدينة الماضية في نزقها، والآخر نحو الخلاء، في كل مرة أقف قريباً منه، بانتظار حافلة تقلني إلى قلب المدينة، أتساءل بدهشة عن سبب جلوسه الدائم في هذا الموضع لا يغيره!!، هل هو جزء من جغرافيا المكان ومفرداته؟! يقودني التساؤل والدهشة إلى حافة الذهول وأنا أشاهد كل يوم البالونين حبيسين في يده، يتطايران في محيطه، والضوء المشع فيهما لا يغشاه، أو يقلل من صفائه ضوء النهار، ووجهه كما الأمس وقبل أمس يحتفظ بالملامح نفسها وبعض حزن، كأن الزمن توقف بي عند ذلك المشهد. لماذا لا يكون الرجل والبالونان بأضوائهما قد تسللا إلى أحلامي خلسة ليحلا محل مشاهد التدمير والقتل والدماء السائلة على قنوات فضائية؟! أم أن ما أراه الآن هو واقع يصعب لغرابته تصديقه؟!
لم تبرح العقل الأسئلة ويغمرني شعور بالارتياح إلا حينما استقر وجوده في دائرة اللاوعي، وحسبتها مجرد أضغاث أحلام، عادة ما تتبخر من الرأس، مثلما تتبخر وتختفي الأحداث المهمة والعابرة كلاهما في خضم الحياة. يتحرك الزمن مرة أخرى ويركض، وعجلته التي لا تكف عن الجري فوجئت بها ذات صباح توقفت ورجعت بي أياماً إلى الخلف، وشدتني بقوة إلى مفترق الطرق، حيث المشهد المتكرر لم يتغير كثيراً وإن طرأ عليه اختلاف طفيف، فقد ازداد عدد البالونات، تركها الرجل تسبح في الهواء، بينما لا تسمح بانفلاتهم خيوط رفيعة ملونة تحكم قبضته عليها أصابع أحد كفيه، أقبل نحوه أطفال في عمر الزهور، فحرر من يده بعض البالونات وقدمها لهم كهدايا، ثم التفت إليّ، رأيت لحظتها الحزن الرقيق الذي كان يشع من هيئته، وكنت أشفق عليه، بسببه فارقه، وحلت مكانه علامات السرور، هززت رأسي ممتناً، وسألته بعد طول تردد رغم إحساس قوي بالألفة يجمعنا معاً: من أنت؟!
تبعثرت إجابته بين لغط زحام على غير العادة في هذا المكان، وهدير حافلة انقضى على انتظار مجيئها وقت ثقيل، اعتراني خدر لمّا حملتني الحافلة، وكانت تهدهدني طوال الطريق إلى أطراف المدينة، وشملتني سعادة غامضة، ربما يكمن سر غموضها في حريتي الكاملة أن أغادر العربة في غير محطتي، غاصت قدماي في رمال خشنة ساخنة بينما أتأمل بأسف المدينة التي لا تخفي عن العابرين وجهها الموسوم بالغِلظة والمجون، وجنوح متزايد للعداء. ظهروا فجأة فتقطعت أفكاري، انتصبوا أمامي كأشباح هؤلاء الذين توسلت إليهم لنبذ العنف والكراهية لكي يكون العالم أقل سوءاً، أحاطوا بي كما فعلوا في الأحلام السابقة، وتلقيت ضربة من أحدهم على جبهتي، تركت عليها شروخاً، حدثت نفسي: «لا ينبغي أن يقاوم الإنسان الشر بالشر»، لذا لم تكن بي رغبة في المقاومة أو الانتقام، سحب الليل ما تبقى من سواده ورحل، ونثر الفجر باكورة ضيائه، قلت والنهار في أوله:
-    صباح الخير.
نهض واقفاً بائع البالونات لمّا رأى الشروخ فوق جبهتي، طبطب بيده على كتفي ورد التحية بود بالغ.
ما يزال بصري يتابعه من وراء نافذة حافلة تتوقف كل يوم بالقرب منه كأنما لتلتقط أنفاسها ثم تعاود المسير، جاء بعض الأطفال، استقبلهم بترحاب وبهجة تملأ عينيه، الحق أنني أقتسم معه تلك البهجة التي يوزعها عليهم مع البالونات كلما تبادلنا الزيارات.

ذو صلة