مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

نَفِدَ العقل العربي!

أمشي بتأن وأنا أحاول ترتيب القصاصات التي عكفت على تدوينها طيلة الأسبوع بعناء. كان نومي قلقاً الليلة الماضية، فوجدتني عاجزاً عن كبح لجام تركيزي المشتت الذي صار كأنه حفنة تبن تذروها الرياح. لم أعد أذكر بالضبط المعايير التي اعتمدتها لتصنيفها، وكنت قد نسيت ترقيمها كعادتي. ضجرت بالمحاولات الفاشلة وقررت في آخر الأمر أن أضعها في الجيب الخلفي للبنطلون من دون اكتراث. زدت في إيقاع الخطوات محاولاً التفكير في اللاشيء.
كانت الضفة الغربية للسماء قد هوت ككفة ميزان رصاصي اللون، لما حظيت بأغلب قرص الشمس، فتلونت بحمرة خد صغير محموم.
فكرت، لو ألقيت بالقصاصات في الهواء فكم سيكون الاحتمال لكي تقع متتالية ومنسقة؟ وضعت المعادلة في ذهني فبدت النتيجة هزيلة جداً، قطرةُ ماء في بحر عميق. تذكرت بعدها أني لم آخذ في الاعتبار قانون نيوتن وقوة احتكاك الهواء بالورق الذي سيضفي شيئاً من العبثية على المعادلات. ثم تداركت، من أين لي معرفة الشروط الابتدائية لكل القصاصات حين ستنطلق بسرعات مختلفة مخترقة الفضاء؟ وما كتلة الحبر التي تحويه كل منها؟ لو علمت كل هذا لكان باستطاعتي حل المعادلة والتنبؤ بترتيب تساقطها على الأرض. خمنت أن كلمة السر هي المعرفة إذن، حتى وإن بدت المسألة عشوائية بحتة. فكرت في دهشة: ثمة إذن نظام وترتيب داخل الفوضى! بدا الأمر لي غاية في الغرابة.
كانت حبيبتي في أوج روعتها مساء البارحة، شهية كطفلة صغيرة بلل شعرَها المطر. على عجل التقينا وعلى عجل افترقنا. سمعتني كعادتها من دون كثير كلام. شيء ما كان يقلقها. كانت تلقي نظرات خاطفة بين الفينة والأخرى على ساعة معصمها الذهبية. تركتني وغادرت سريعاً وأنا ملفوف في غلالة براءتها. لكنني لم أستطع سبر أغوار وجهها المسكون بالأسرار. كانت قد كتبت على وريقة تذكيراً لأشياء يجب علي أن أقوم بها وعلقتها على باب الثلاجة ثم خرجت.
(من فضلك، لا داعي للجولة المسائية غداً). كانت هذه أولى نقاط الوريقة الصفراء.
حاولت أن أسرع الخطى. شعرت بصداع ينهش رأسي. الأرض من تحتي تنفخ بعسر كل ما خزّنته من حرارة هذا اليوم القائظ. أحسست بالاختناق. بدأ العرقُ إطلالته من الجبين. تساءلت: هل ستعود هذا المساء؟ هل أغلقت باب شقتي؟ يبدو أني قد نسيت هاتفي في الشقة. كأني دخلت في نوبة شبه غياب. شعرت بوخز في لحيتي الكثة، قررت أن أحلق ذقني عند الرجوع إلى البيت. لكن هل لا يزال بحوزتي شفرات حلاقة؟ لم أعد أذكر بالضبط.
انتبهت فجأة بعد مشي مسافة كبيرة بأني قد فقدت حذائي أثناء المشي! أصابني ذعر قاتل. أخرجتُ حافياً من البيت؟! تحسرت على حذائي الجلدي البني الذي كنت أعشقه وأرتديه يومياً رغم تآكل كعبه الأيمن. طلّ إبهامُ قدمي اليمنى من الجورب المثقوب بائساً.
الشمس توارت كلياً وراء الأفق. تحسست جيب القميص باحثاً عن نظارتي الطبية. لم أجدها. انتبهت إلى ثقب أحدثه جمر سيجارة قرب الجيب، تمتمت: ألم أقلع عن التدخين؟!
يبدو أنني قد ابتعدت كثيراً عن الطريق. ارتبكت الخطى فانزلق الطريق من تحت أقدامي ، وبدأ شعور باليتم يكتسحني.
تذكرت حبيبتي وبراعتها في حدس الاتجاهات المناسبة لتحديد الأماكن وتقصير المسافات. فكرت بأني صرت أشرد كثيراً من دونها. بدت لي من بعيد لوحة إرشادية، ضيقت عيني لأقرأها. لم أفلح، اقتربت أكثر. قرأتها بدهشة. هتفت منتشياً: إنه مكان عمل حبيبتي! انفرجت أسارير وجهي المغبون، اشتقت لسماع صوتها العذب وحضورها الذي تتعطر من جنبيه الأمكنة. وحدها هي باستطاعتها إخراجي من هذا المأزق.
اقتربت من بوابة المبنى، شغلت زر الإشعار وانتظرت قليلاً، طرقت الباب بعدها بشدة عدة مرات، لم أحظ بأي جواب. زاد ارتباكي وهلعي لما سمعت نباح كلاب تقترب مني. اضطربت، قررت أن أتسلق السور الحديدي، وفي أثناء صعودي تمزق قميصي من قبل. تراجعت عن قرار التسلق. نزعت قميصي وطرحته جانباً. تساءلت في نفسي عن آخر مرة مارست فيها الرياضة؟ كنت ألهث من التعب. تباعد صوت نباح الكلاب. سرى شيء من الطمأنينة في نفسي، أسندت ظهري على السور الحديدي. أخذت نفساً عميقاً. حاولت أن أسيطر على حركات صدري المرتبك الذي كان يعلو ويسفل، دون جدوى. غبت عن الوجود لدقائق أو لربما لساعات، لم أعد أذكر..
أيقظتني صافرة إنذار سيارة دورية حراسة. تقدم مني قائد الدورية بحزم ووجه الكشاف الضوئي في اتجاهي وسألني بصوت أجش: ماذا تفعل هنا حافي القدم ممزق الثياب في هذه الساعة من الليل؟
أضاف حارس بدين كان في صحبته: إنه حتماً مجنون هارب من مستشفى (لازاري) للأمراض العقلية. أجبت في هدوء وأنا أحاول الاحتماء بكفي من أشعة الضوء الشديدة: أنا لست مجنوناً. رد البدين بحزمِ مزدرٍ: وهل تعرف مريضاً عقلياً يُقر بجنونه؟!
أضاف قائدهم: ألبسوه السترة الطبية، احكموا وثاقه ثم ضعوه في الصندوق الخلفي للعربة.
وثبت واقفاً، مذعوراً، شعرت بدوار في رأسي. تذكرت القصاصات، أخرجتها من الجيب الخلفي، تأملتها، فاحت منها رائحة العبث الكاذبة، تمخضت ابتسامةُ مقامر صفراء من محياي فاستنهضت ما تبقى من قواي، وبحركة جريئة، ألقيت بالقصاصات في الهواء. نظروا إلي بتوجس. كان بعدها حارسان يقتاداني إلى العربة وكنت أبحلق في القصاصات وهي تتساقط بتأن وتتراقص في الهواء. أمسك البدين بأول القصاصات سقوطاً على الأرض. اشتعل فيّ الفضول فأرهفت السمع. قرأ البدين بتلعثم تحت ضوء الكاشف: نَفِدَ العقل العربي.
انفجرت ضاحكاً، قال البدين وهو يبحلق في بدهشة: إنه حقاً لمجنون!
كنت أتمم بصوت مهيض وأنا مقاد إلى السيارة: بل نقدُ العقل العربي! وتذكرت حاجتي إليها كلما انهار العالم من حولي.

ذو صلة