مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

الحمار المرتاح*

عاش حمار وحيداً في وادٍ غزير الماء، وعلى ضفتيه شجر وشجيرات وعشب.. لا شيء ينغص عيشه.
فالطعام وفير..
والماء دارج..
والمناخ معتدل دافئ..
والسلام والأمان يحيط بالمكان..
لهذا أسمى نفسه الحمار المرتاح، فطالما سمع أمه تدعو له أن يعيش مرتاحاً، وكان لها وله ذلك.
وضع لنفسه قائمة طعام في الصباح، وقائمة أخرى بعد العصر، مختلفة الأعشاب والشجيرات والأشجار. أما الظهيرة فهي زمن القيلولة. ولأنه وحيد في المكان كان يتنقل في قيلولته من مكان لآخر، فلا ينام بمحل نام فيه بالأمس.
في يوم من الأيام اقترب من مكان الحمار المرتاح قطيع من الحمير العابرة من مكان لآخر، وحاول التخفي خلف الأشجار الكثيفة، فهو لم يعتد على مقابلة أحد أو العيش مع جماعة. إنه المرتاح من كل هموم الدنيا ومشاكلها.
لكن قائد قطيع الحمير لاحظ أثر أقدام الحمار المرتاح مغروزة في كل جهة من المكان؛ قرب الماء، وفوق العشب، وحول الشجر، فأصر في البحث عنه حتى عثر عليه.
وسأله:
- ما اسمك؟
- المرتاح.
- هل تعيش لوحدك؟
- نعم.
- كيف استطعت العيش لوحدك، ونحن نفضل العيش كجماعات حرة بعيدة عن سيطرة الإنسان؟
تردد الحمار المرتاح في الجواب المناسب! خشي أن القول: أنا سعيد مرتاح هنا وبعيد عن الأعين وأعيش بسلام وحولي ماء غزير وطعام وفير.. فيقرر قائد الحمير البقاء معه في المكان.. (هذه الحمير تتنقل للبحث عن الطعام والماء) هكذا حدث الحمار نفسه وهذا ظنه.
حاول الحمار المرتاح تجنب ما ينغص عيشته، فهو لا يريد بقاء هذا القطيع معه، ولم يعتد على تلقي أوامر من أحد أو مشاركة بطعام وشراب.
فكّر الحمار المرتاح بالجواب الأمثل. وكان القائد يستعجل جوابه ويسأله عن سكوته حتى اضطر لمصارحته:
- اعتدت منذ صغري بعد فقد والدتي العيش لوحدي، وليس لدي قدرة في قبول العيش مع جماعات.
وقد أراد بذلك قطع الطريق على أي اقتراح يعرض عليه بمرافقة هذا القطيع.
تعجب قائد قطيع الحمير! فلم يسبق أن قابل حماراً بهذا المزاج، وقرر المبيت معه في المكان للتحقق أكثر من حاله وصحة جوابه، ورأى كقائد للحمير يهمه العيش الأفضل لرفاقه خوض تجربة مع هذا الحمار المرتاح.
***
تذمر الحمار المرتاح من نية القطيع المبيت بالقرب منه، لكنه استسلم للأمر الواقع وابتعد قليلاً عن القطيع وجلس تحت شجرة محاولاً كعادته المبيت وحيداً، فيما توزع القطيع تحت الأشجار، وهناك مجموعة أحاطت بالقائد تحميه وتقدم له الخدمة وتسليه بالحديث وتقدم له الاستشارات وفق مجال كل واحد.
حاول الحمار المرتاح في البداية عدم الاستماع لأحاديث الحمير، وسعى لتجنب فتح حوار مع أحد. لكن حديث الحمير، ولاسيما منه توجيهات القائد ونصائح المستشارين وأحاديث الندماء المسلية، كانت تصب في أذني حمارنا المرتاح رغماً عنه. كان حديثاً جديداً عليه ومثيراً في ذات الوقت، وبدا يحرك أذنيه باتجاه الحديث الأكثر تشويقاً لالتقاطه، وكان بعض المستشارين وهم يتحدثون مع القائد يخفضون من صوتهم أثناء مد بصرهم للحمار المرتاح وكأنه المقصود بالنقاش.. وهو كذلك.. مما زاد فضوله في فهم كل ما يدور حوله.
بدأ يحس أن العالم كبير، لا يقف فقط على شُربة ماء وقضمة من شجرة، كانت تلك الليلة بالنسبة للحمار المرتاح الليلة الأطول في حياته، والمختلفة والمفيدة، وقد غيرته تماماً.
كان الطعام لذيذاً، والماء منعشاً، وظن الحمار المرتاح أن هذه نهاية الملذات والمنعشات، لكنه تعرف على شيء غير مادي لا يقل لذة وانتعاشاً. إنها خبرات المجربين الذين طافوا الديار وتجاوزوا المخاطر. إن باستطاعتهم السكون والإقامة في أي مكان شبيه بمكانه، والوادي طويل ويعج بالحياة، لكن حافز الاكتشاف وطعم الحراك والاستزادة توازت وتفوقت أحياناً على حياة الدعة والراحة.
أدرك الحمار المرتاح لما كان يشعر بين حين وآخر بشيء من التململ، وكان يحاول علاجه بتغيير المبيت من شجرة لأخرى، وهذا ما كان باستطاعته وحدود أفقه.
في الصباح قرر الحمار المرتاح مرافقة القطيع، وقد تناقش مع القائد عن نظريته البسيطة في الحياة وأنه قد تخلى عنها، وقرر العيش مع الجماعة ولأجلها، وأن يفعل فعلها مع محاولة التأثير فيها وتغيير ما يستحق التغيير، وسيحافظ على استقلاله وقدرته على الانفراد بالمسؤولية عن نفسه، وهي سمات اكتسبها من حياة الوحدة.
أما الحمار القائد فقد صارح الحمار المرتاح بأنه استفاد منه درساً وتعلم من المبيت بقربه قيمة الفردية والاستقلال النسبي لعضو الفريق، وقرر منح أعضاء القطيع شيئاً من الاستقلالية والاعتماد على النفس، ولن يخشى بعد اليوم كما كان يخشى بالأمس خطراً على تماسك وتعاون فريقه، بل سيعتبر هذه التغييرات في سياسته جرعة قوة إضافية تمنح القائد القدرة على تفويض شيء من الصلاحيات لبعض مرافقيه، ما يعطي العمل حيوية، ويجنب القائد بعض المتاعب غير المجدية.
تحرك القطيع بأكمله من المكان قاصداً دياراً جديدة، بعد أن تناول طعام الإفطار وشرب من ماء الوادي العذب، وقد زاد عدده واحداً بانضمام الحمار المرتاح، واكتسب قائده حكمة إضافية بعد مبيت ليلة البارحة.

*(كُتبت أثناء قيام الكاتب برحلة لوادي قنونا/ تهامة.. وبعد مشاهدته لحمار يتنقل بارتياح ما بين الشجر وماء الوادي)

ذو صلة