مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

هل الإبداع وليد الكدح أم ابن الترف؟

كثيراً ما ارتبطت الكتابة، في المخيال الثقافي العام، بصورة الكاتب الكادح الذي صقلته المعاناة وشرّعه الألم على أسئلة الوجود والعدالة والمعنى حتى غدا الفقر -في بعض القراءات الرومانسية- شرطاً شبه مقدّس للإبداع، وكأن الرفاه نقيض أصيل للكتابة الجادة. غير أن المتأمّل في تاريخ الأدب، عربيه وعالميه، يكشف أن هذه الثنائية تبسيطية، وأن الإبداع لا يخضع لاقتصاد الجيوب بقدر ما يخضع لاقتصاد الوعي.
فالكتابة لا تولد من الكدح في ذاته، ولا من الترف بحدّ ذاته، بل من قدرة الكاتب على تحويل تجربته، أيّاً كانت طبيعتها، إلى سؤال معرفي وجمالي. الكادح يكتب غالباً من تماس مباشر مع القهر والهامش، فتغدو الكتابة لديه فعل شهادة أو مقاومة، بينما يكتب المترف من قلق مختلف: قلق المعنى، الفراغ، الهوية، أو تناقض الامتياز مع الحس الأخلاقي. وفي الحالتين، لا يكون الوضع الطبقي سوى مادة خام، لا جوهراً إبداعياً.
وقبل الانتقال إلى السياق السعودي، يجدر التوقف عند نماذج عالمية رسّخت هذه الرؤية، فقد كتب مارسيل بروست، المنتمي إلى عائلة ثرية، مشروعه الروائي الضخم (البحث عن الزمن المفقود) من قلب الترف والفراغ، محولاً الحياة الميسورة إلى مختبر للذاكرة والزمن والوعي، كما مثّل أوسكار وايلد نموذج الكاتب الأرستقراطي الذي استخدم أناقة العيش واللغة قناعاً ساخراً لنقد المجتمع البرجوازي وأخلاقياته الزائفة. أما ليو تولستوي، النبيل الروسي في مرحلته الأولى، فقد كتب أعظم رواياته من داخل الامتياز الطبقي، لا بوصفه مبرراً له بل كمساحة للتفكيك الأخلاقي والإنساني.
في السياق السعودي، تتجلى هذه الفكرة بوضوح خاص، فالتجربة الأدبية الحديثة لم تنشأ، في معظمها، من بيئات الفقر المدقع، بل من التحولات الاجتماعية والتعليمية، ومن اتساع فرص التعليم والسفر والعمل المؤسسي، وقد أتاح هذا اليسر النسبي لعدد من الكتّاب التفرغ للقراءة والكتابة والتأمل، دون أن يعني ذلك انفصالهم عن قلق المجتمع وأسئلته.
يمثل غازي القصيبي مثالاً دالاً في هذا السياق، فقد جمع بين التعليم النخبوي والمناصب الرسمية، ومع ذلك كتب نصوصاً روائية وشعرية ناقدة، ساخرة، ومشحونة بأسئلة الحرية والذات والسلطة، وكذلك عبدالرحمن منيف، الذي لم يكن كادحاً اقتصادياً، لكنه قدّم في (مدن الملح) واحدة من أعمق سرديات التحول الاجتماعي والسياسي في المنطقة، من موقع المثقف الشاهد لا الضحية.
وتتكرر الظاهرة مع أسماء مثل رجاء عالم، التي حوّلت الترف المعرفي واللغوي إلى اشتغال جمالي على المكان والروح، ومحمد حسن علوان، الذي جعل من القلق الوجودي والعاطفي مادة سردية كثيفة، بعيدة عن خطاب الحرمان المادي المباشر.
تكشف هذه النماذج أن الإبداع السعودي، في جانب معتبر منه، هو ابن التحوّل لا ابن العوز، وابن الارتباك الثقافي لا الفقر الاقتصادي، فالكتابة -في جوهرها- لا تنتمي إلى طبقة اجتماعية، بل إلى شرخ داخلي، حيثما وُجد هذا الشرخ، وُلد النص. وحين نحرر الإبداع من أسطورة الفقر، نعيد إليه حقيقته الأعمق: بوصفه فعل وعي، لا مجرد صدى معاناة.

ذو صلة