مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

رمضان.. حين يعود الإنسان إلى إنسانيته

كان الإنسان يركض في زحام الأيام، يحمل على كتفيه أعباء الزمن، متأثراً بضجيج الحياة التي لا تنتهي.
يسير في مساراته كآلة، تغرقه التفاصيل الصغيرة حتى نسي كيف يتنفس، وكيف يذكر ذاته في زحمة الوجود.
ثم فجأة جاء رمضان، كيَدٍ من رحمةٍ نزلت برفق على كتفه، وقالت له: (توقف، تنفّس، تذكّر من أنت).
وفي هذه اللحظة، يكتشف الإنسان أنه ليس مجرد جسدٍ يسير في الزمن، بل روحٌ تحمل في طياتها معنى أكبر، وهدفاً أسمى.
في رمضان، لا تقتصر مهمة الإنسان على إعادة ترتيب وقته المزدحم، بل هو دعوةٌ لإعادة ترتيب نفسه.
إن هذا الشهر هو فصلٌ خاص من الزمن يُعيد الإنسان إلى ذاته، ليجد في قلبه ما ضاع منه في خضم التحديات.
الجوع الذي قد يبدو ابتلاءً في البداية؛ يصبح معلماً للصبر، والعطش الذي يوقظ فينا الذكرى؛ يذكّرنا بنعمة الماء التي كانت تبدو لنا في الأيام السابقة أمراً عادياً، حتى فقدناها. لكن رمضان يأتي ليعلمنا كيف نُقدّر كل شيء فقدناه، أو غفلنا عنه.
في لحظات الصلاة، نعود إلى طهارة البدايات، إلى أول لحظة في حياتنا، حين كانت أرواحنا صافية، خالية من الغبار.
وفي قراءة القرآن، تفتح أمامنا نوافذ السماء التي غطّاها ضباب الغفلة.
تتسع الآفاق، وتعود الأرواح إلى نقائها، كما يعود المسافر إلى وطنه بعد طول غياب.
لكن رمضان لا يعيد فقط التوازن للروح، بل يُشفيها من إرهاقها العميق.
في هذا الشهر، تتعلم أن السعادة ليست في الامتلاك؛ بل في الرضا، وأن الغنى لا يُقاس بما تحويه يدك؛ بل بما ينبض به قلبك من حبٍ ورحمةٍ وعطاء.
تنقشع الغشاوة عن العينين، فتكتشف أن الحقيقة أبسط من أن تُقيَّم بمقاييس العالم، وأعمق من أن تُقاس بما نملكه.
رمضان ليس مجرد عبادةٍ موسمية، أو تقليدٍ يمر مرّ الرياح، بل هو رحلة عميقة للعودة إلى الإنسان الذي فينا، الإنسان الذي يعرف كيف يحب بصدق، وكيف يرحم بكل قلبه، وكيف يشكر النعم بكل جزيل امتنان.
هو موسمٌ لاستعادة الوجه الأول الذي كُسرت ملامحه مع الزمن، قبل أن يغطيه غبار الحياة.
في كل سجدة، هناك ولادة جديدة.
يتجدد فينا الإنسان القديم، الذي كان يقف أمام الله بكل نقاء، بعيداً عن شوائب الدنيا، أقرب إلى الخالق وأكثر صدقاً.
رمضان هو ذلك الفضاء الروحي الذي يغسل الروح ويعيد لها صفاءها.
في كل لحظة من لحظاته، تولد فينا مساحات من النقاء، وتكتشف قلوبنا طريقاً جديداً نحو الله، طريقاً لا تراه العيون، ولكن تشعر به الأرواح.
ففي رمضان، تتجدد الإنسانية في كل واحدٍ منا، وتصبح الحياة أكثر سكينة، وأكثر تناغماً مع الذوات الطيبة التي أوجدها الله فينا.

ذو صلة