على الطَّرِيقِ الرَّمَضاني
في كل عَصْرٍ وأذَانِ
في الشَّمْسِ فوقَ البُسْتانِ
وفِي الْهِلالِ إذَا هَلَّا
يَمْشِي فُؤَادٌ عَبْدُ اللهْ
مُسَبِّحاً اللهَ اللهْ
ما أكثر ما كَتَب فؤاد حدَّاد! وما أقلَّ ما كُتِبَ عن فؤاد حدَّاد! ربما لأن شعرَ العاميَّات العربية في مجمله يتعرَّض لغبن مزدوج، فالنُّقاد التقليديون يَرفضون دراستَه، لأن العاميات في نظرهم خطر على الفصحى، والحداثيون يُعرِضونَ عن دراسَتِه، لأن الصورة النمطية -العَجْلى- عنه أنه ليس (حداثيّاً) كما ينبغي للشِّعر الحقيقي، أو المستحقِّ للدَّرْس النَّقْديِّ بالأحرى، أنْ يكون. وإذا كان الحديث عن أشعار لموهبة فذة في حجم فؤاد حداد، فإن الغبن أمض وأقسى.
وتذكِّرنا بشائر الشهر الكريم التي أهلَّت بتجربة شعرية شديدة الخصوصية لدى حدَّاد، كتابه الشعري الهضيم المنسيّ (طيوف الجنة والكوثر على الطريق الرمضاني). كَتَبه حدَّاد في وقت ما في السنوات الخمس التي سبقت رحيله، ولم يُنشر إلا بعد وفاته. لقد كانت أشعار حدَّاد إثباتاً عملياً على أن القسمة الحدية بين الفصحى والدارجة نظرية فحسب، إذ امتزجتا لديه بمقادير متفاوتة. إلا أنه في هذا الكتاب يُنشِد بالفصحى وحدها، وإن ظلَّت روح الثقافة المصرية الدارجة حاضرةً في المشاهد والأفكار. وقد أبَانَ الكتاب عن حضورٍ مختلفٍ مقارنةً بتجربة حدَّاد الممتدة، ففيه لا يُطالعنا وجه الشاعر الرسوليُّ الذي اضْطَلَع بعبءِ المنافَحة عن القضايا الوطنية والقومية والأمميَّة، والذي كانت بعض قصائده أقرب إلى مانيفستوهات أيديولوجية، بل يُطالِعُنا عاشقٌ صوفيٌّ يُعبِّر عن مواجِدِه الرمضانية.
ويبقى أكثرُ ما يلفت الانتباه في الديوان هو تنظيمه البنائي الصارم وطابعه التجريبي، إذ يتألَّف من تسعةٍ وعشرين نشيداً (لا قصيدة)، بعدد أيام الشهر الكريم -إذا جاء ناقصا، ويُستهلّ كل نشيد بعنوان يتَّسم أحياناً بطولٍ وبنيةٍ تركيبيةٍ لافتتين، كما في عنوان النشيد الثامن (إلى طافت بقلبي جنة المتقين لأن قلبي موطن الشهداء). والعناوين الواردة في المَتْن مخالفةٌ لتلك الواردة في فهرس المحتويات، وكأن حدّاداً يُحرِّضُ القارئَ على قراءتين مختلفتين لكل نشيد في ضوء كلٍّ من العنوانين. وعناوين الفهرس نفسها يمكن قراءتها متعاقبة وكأنها تشكل نصاً واحداً موازياً للمتن: (1- أسبح كلما عادت الأيام 2- وكلما أخذت العهد 3- وكلما قبلتني العتبات سميرا 4- وكلما أُطلِقْتُ مع البلابل من أقفاصها 5- وكلما آنس الليل ضميره...)، في إشارة مبكِّرة إلى تماسك النصوص شكلياً ودلالياً.
يبتدئ كلُّ نشيد بالآية القرآنية نفسها من سورة النور: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)، تليها عبارةُ (يقول القلب السليم الفؤاد بن الحداد عبدالله). وينقسم كلُّ نشيد إلى قسمين: نثرٍ لا يخلو من مشاغبات موسيقية عبر السجع والازدواج وغيرها من محسنات بديعية، يصطبغ بصبغة سردية لا تصل إلى حد القصص المكتملة، ثمَّ شعر يتنوع بين المشطور (يُبنى البيت على شطر واحد) والمنهوك (يُبنى البيت على تفعيلتين)، من أبحر بسيطة غالباً، مثل المنسرح والرجز والرمل والخبب، يعكس نبرةً موسيقيةً عاليةً تُيسِّر حفظه، أو غناءه لمن أراد.
تمثُّل مفردة (الطيوف) الواردة في عنوان الكتاب مفتاحاً مهما لفك مغاليق دلالته. والطيف إشارةٌ أيقونيةٌ لموجود متعيِّن، دالةٌ على حضوره خيالاً وغيابه عياناً، وكأنه اجتماع للنقيضين. وهكذا، يُقيم العنوان تعاقُداً مبدئياً مع القارئ، مفادُه أنَّ البحث عن مرجعٍ خارجي لما سيرد في نصوص الديوان من شخوص وأحداث لا طائل من ورائه، وأن هذا شعر سبيله الإشارة والتلويح والرمز. ولا غرابةَ عندئذ في الاستهلال بآيةٍ تُفيد أن كل الموجودات تُسبِّح، وكأن الكتاب استنطاقٌ لتسبيح (لا تفقهونه)، تليها عبارة (يقول القلب السليم..)، الدالّة على أن هذا الشعر وِجدان صوفي خالص، لا ينفع معه التعويل على الفكر أو العقل أو المنطق.
يقول من النشيد الأول: «كان ياما كان، مغربيٌّ من أهل الله يُدعى يوسف بن أحمد، يدور بأكواب الشاي الأخضر، في بلاد الفحامين والكحكيين وأسواق النحاس، على صينية تغني، في براد أنيق. يسعى إلى الرزق أمراً بالمعروف، بلغ السن التي يتماثل فيها السحاب الأبيض والأسود فوق الرؤوس (...) بَزَغ وَقوراً من طفولته، يصوم رمضان والحمد لله، والإثنين والخميس لا يخطئ صيامهما أبداً (...) بعودة الأيام يا أحبابنا، لولاكم ما جئنا ولا أتعبنا أرجلنا وأنفسنا. اذكرْ يا هذا مجلسنا عند الرجل الطيب الذي يسقينا الشاي لدى المغرب ولدى العشاء، وإلى أن نودع الحارة وهيَ أشبهُ بغصنٍ من شجرة، ينام الطير أو يرقب فوقه مطلع الأيام المُنتَظَرة. بعودة الأيام (...) كان السيد ينعس أحياناً ويصحو كأن قوماً حطَّ على رؤوسهم سهم الوجوم، صاح فيهم قائل الخير:
وحدوه
لا إله إلا الله
أنا الآن هذا الناعس اليقظان فعاوديني يا ذكريات الرضا في النور. تَعَاوَنِي خفيفةً على السرور».
يُفَصِّحُ حدَّاد الدارجة لتبقى روح العامية حاضرة كما تقدَّم، كما في قوله (بعودة الأيام يا أحبابنا، لولاكم ما جئنا ولا أتعبنا أرجلنا وأنفسنا) الذي هو إعادة صياغة بتعديل بسيط لواحدة من أغاني الأطفال الرمضانية الشائعة. بيدَ أن الأهم هو توظيف تقنية يمكن تسميتها بـ(تماهي الذوات)، فالقارئ بعد أن دَخَل في إيهام سردي مركزه شخصية السيد يوسف ذات السمت القاهري المملوكي-العثماني، باغتَتْه الشعريةُ الخلَّاقة، فجعلت حداد يتلبَّس (طيفَه): (أنا الآنَ هذا الناعس اليقظان).
وتمارس التقنية فاعليتها عبر الديوان كلِّه، كما في النشيد العشرين: «كنتُ عصفوراً يطير فوق البقاع (...) وكنت طفلاً حرَّكَتْ إصبعي مؤشرَ المذياع»، وُصولاً إلى النشيد التاسع والعشرين والأخير: «كنتُ أصِفُ الفرَّانَ لا أريدُ غيرَه، فكيف وصفتُ المسحراتي، أم وصفتُ نفسي، أم السيد يوسف، أم القرية القاهرية أعماق عيوني، أم الرفاعي بين الموالد، أم الناس لن يسمعوني إلا في رمضان؟ (...) بل كنتُ في الشعر البوصيري، وفي التأريخ ابن خلدون». قد توهِم القراءة المتعجِّلة بأن توظيف هذه التقنية يعكس انطلاقَ حدَّاد من مركزية ذاته، لكنَّ الآيةَ المقتبسةَ في مطلع كلِّ نشيد، المذكورةَ آنفاً، تُعيدُ توجيهَ الدلالةِ نافيةً هذا الظن، فمثلما تذوبُ الفوارقُ الظاهرة بين الكل المسبِّح، ناطقاً بلسان أو غير ناطق، يَمدُّ حدَّاد خطَّ الخيال على استقامته، فيرى الكلَّ في مرآة الواحد دون فوارق بين العالمين، إنساً وحيواناً ومكاناً. وتتماهي الأمكنة أيضاً، في مكان عربي واحد كبير. يقول في النشيد الثالث: «إني في رمضان لأسهر/ في الزيتونة أو في الأزهر/ أقرأ حاميم ولا تنهر/ وبنعمة ربي حدثتُ».
وعلى ذكر الأماكن، يتواتر ذكر (تونس) في الكتاب على نحو لافت، ولا يفوت حدَّاد أنْ يبرِّر ذلك، فيقول في النشيد التاسع عشر: «ما حكاية تونس في هذه التواشيح؟ قلتُ (...) حَلِيَتْ تونس في أذني ثمراً وأوراقاً كما حَلِيَتْ في هوائي الآن كلمة «التواشيح» (...) أيكون أني، وجدت تونس بنت نون وسين، تحيي ليالي الناعسين وتغني؟ أيكون أنَّك، لما تحدثت عن المزاهر تختال بالبُرْنس حول البلبل التونسي، تذكرت شيخك بالوفاء، مرسِلَ الشعرِ من المنفى إلى سَمع الوطن، لم يجِد الراحة إلا في رؤية المؤنِسين بين ثياب القرية القاهرية؟ (...) قالت النفسُ: لقد أوشكت تونس بأقفاصها وبلابلها أن يكون لها في هذا المقام تشريفةٌ كما كان للهلالي تغريبة إليها».
ثمة إشارةٌ (طيفيَّةٌ)، على طريقة الكتاب، إلى بيرم التونسي (شيخك - مرسل الشعر من المنفى). ولم يكن عصيّاً على حداد أن تكون الإشارة أقلَّ خفاءً، لكنه أعطى الأولويةَ للحِفاظ على السمت الإلماعي للكتاب الشعري. وقد صيغت هذه الإشارة أسلوبياً في صورة استفهامين لا أظنهما للدلالة على التقرير أو الإنكار أو التعجب، بل استفهامان حقيقيان يعكسان الحيرة واللايقين، دعماً لحالة (الطيفية) التي يحرص الشاعر على أن تكون المقولة البنائية الناظمة للكتاب.
في المقطع السابق، توظيف واضح لـ(الكتابة عن الكتابة)، لا يتجسَّد فحسب في تفسير الذكر المتكرر لتونس في أناشيد الديوان، بل كذلك في الحديث عن الكتابة واستبدال لفظ (تواشيح) بـ(أناشيد)، كأنها عملية تحدث في التو: «كما حَلِيَتْ في هوائي الآن كلمة (التواشيح)». ويتعزّز التجريبُ بتأمُّل حداد في لفظة (تونس): (وجدتُ تونس بنتَ نون وسين)، وهو ما قد يذكِّرُنا بما عُرِّف لدى السبعينيين خصيصاً بـ(تفْجير الدال)، حيث الحوار داخل النص الشعري مع اللفظة في حضورها الصوتيِّ المَحض، لكنَّه لدى حداد توظيفٌ عابرٌ سريعٌ، أقربُ في جوهره إلى صدى للرؤيا الصوفية للحرف بما هو حالة شعورية وطاقة رمزية.
كلُّ ما سَبَق يُثبِت أن (طيوف الجنة والكوثر على الطريق الرمضاني) يتيح لمحبي الشعر تجربةً قرائيةً فريدةً، يأْتَلِف فيها الإمتاعُ الناتجُ عن اكتشافِ مواضعِ التجريبِ في الكتاب، والإدهاشُ النابعُ من إنضاجِ شعريَّةِ الحدوسِ على نارِ الوجْدِ الصُّوفِيِّ، وفي بَهاء نورِه.