مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

هوس الترسل: رسائل منتخبة 1930 - 1990

هوس الترسل: رسائل منتخبة 1930 - 1990
المؤلف: إميل سيوران
المترجم: أشرف القرقني


لم يكن غائباً عن هذا الكتاب في التقديم الشاعر والمترجم آدم فتحي الذي يستكمل نقل كتب إميل سيوران من اللغة الفرنسية إلى العربية عبر منشورات الجمل، لذا فإن جيلاً آخر يترجم نصوص رسائله، وهو أشرف القرقني، لتصدر مع دار نشر وليدة.
ويشير فتحي في التقديم: بأن يعدك هذا الكتاب بمزيج غريبٍ من المتعة والحيرة، مع التخلّي الدائم عن التفكير المطمئنّ إلى المسلّمات. أمّا المتعة فمأتاها انضمامُ رشاقةِ لغةِ الكتابة إلى رشاقة لغة الترجمة. وأمّا الحيرةُ فمصدرها قدرةُ هذا الكاتب على إدارة نوع خاصّ به من الغموض البعيد عن الإبهام، لنسمِّه الوضوح الملتبس. وأمّا التخلّي عن الاطمئنان إلى المسلّمات، فمردّه قدرة سيوران على امتحان المفاهيم بنقائضها، فإذا أنت لا تصدّق الفكرة حتى تصدّق تكذيبه لها أو انقلابه عليها.
أنت في هذا الكتاب أمام قرابة الستين سنة من المراسلات، التي توثّق بشكل ما تطوّر فكر الرجل، وتضيء جوانب من شخصيّته، وتقف بك عند بعض محطّاته العائليّة وبعض الشخصيات التي ربطته بها علاقات فكرية ووجدانية عميقة. وأنت عموماً أمام شهادة على حياة الرجل وعذاباته، تكشف عمق شروخه وتناقضاته وأخطائه وحتى (خطاياه)، وتمنحك صورةً عن الإنسان خلف المفكّر (العوّاء)، كما تطرح معك أسئلته الكبرى التي صاحبته طيلة حياته وطبعت أعماله كلّها: الهويّة والإيمان والشك والقيم.. إلخ.
اختار محرّرُ هذه المختارات، نيكولا كفاياس، أن يفتتح الكتاب بنصّ كُتِبَ سنة 1984 ونشر سنة 1985. وهو اختيار يثير جملةً من الأسئلة: لماذا هذه الرسائل؟ وما الغرض من نشر ما نُشِر تحديداً؟ وما هي مقاييس استبعاد ما استبعد منها؟ أسئلة تستمدّ أهميّتها من كونها تحدّد (أبوّة) هذا الأثر. هل تُنسَبُ هذه الرسائلُ إلى كاتِبها سيوران، أم أنّها تنتسب إلى (كافاياس)، الذي انتقى ما انتقى منها وأخرجها في كتاب؟
السؤال سيورانيٌّ بامتياز: ليس بريئاً كلّ البراءة، وليس مُغرضاً كلّ الإغراض. لكنّنا غير معنيّين به في هذا الحيّز التقديميّ المخصوص. وقصارى قولنا فيه إنّه من جنس السينيزم الخاصّ بسيوران، الذي حباهُ بذلك الانسجام المُلْهِم مع تناقضاته، وانشقاقه البعيد عن كلّ إسفاف. في هذا السياق يبدو الرجل مستخفّاً بجنس الرسائل بقدر رغبته في الاحتفاء بها. يقول إنّه يعتبر الرسائل حكراً على أمثاله من المتشرّدين والنساء. فهؤلاء في نظره بما يعانونه من مَللٍ وبما يملكونه من وقت فراغ، هم المؤهّلون لتسجيل (خواء كلّ لحظة). لا تخلو هذه النظرة من (ميزوجينيّة)، يذوّبها في إطرائه لمادام دوديفان، ثمّ في جعله الرسالة (حديثاً إلى غائب)، وفي دعوته إلى البحث عن حقيقة المؤلِّف في الرسائل (إذ الأثرُ في مُعظم الأحيان قناع)، متحدّثاً عن الرسالة بوصفها (جنساً مُهَدَّداً)، من دون أن يمنحها صفة (الجنس الأدبيّ). ذاهباً بالدفاع عن هذا الرأي حدَّ تجريد كتابة الرسائل من كلّ بعدٍ فنّي.
رأي لا يستقيم بالنظر إلى فنّ كتابة الرسائل في المطلق، ولدى سيوران تحديداً. حيث نجد في رسائله، إيقاعه الشذريّ، وجملته البرقيّة الخاطفة أحياناً، الشبيهة بالطلقات المتتالية في أحيانٍ أخرى.
ولعلّ أهمّ ما نجح فيه أشرف القرقني، أنّه نقل إلى العربيّة تلك السخرية الحييّة واللاذعة في آن، التي تميزّ فرنسيّة سيوران. أليس هو القائل: (ما لا يقبل الترجمة ليس الشعر بل السّخرية. لأنّ السّخرية أكثر من الشعر اعتماداً على الكلمات وعلى فويرقاتها العصيّة على الإدراك وعلى حمولتها الانفعاليّة). (الدفاتر. غاليمار 1997)

الناشر: كابصا للنشر والتوزيع، تونس، 2026.

ذو صلة