مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

النجامة

تتسابق دور النشر المتخصصة إلى تقديم الإرث الحي لعلماء النفس المؤسسين في القرن العشرين، ودار الحوار تعتني بتراث العالم كارل غوستاف يونغ لما له من أثر على تطوير نظريات ومناهج علم النفس.
إذ صدرَ حديثاً عن دار الحوار كتاب (النِّجامة) لكارل غوستاف يونغ بترجمة عربية أنجزتها زينب سليمان شاهين، ويضم تقديماً لسافرون روس وكيرون لو غريس.
ومما جاء في تقديمه: هذا الكتاب هو مجموعة من المحاضرات التي كتبها يونغ بعد دراسات طويلة، وقدمها كل من سافرون روس وكيرون لو غريس، وكان جذرها فكرة ارتباط طريق الإنسان بلحظة ولادته، وتموضع الكواكب في تلك اللحظة، وكيف تؤثر هذه اللحظة على قدرنا. إن رؤية يونغ للنجامة لم تكن رؤية تقليدية، عرَّف يونغ النِّجامة بأنها (حاصل كلِّ المعارف النَّفسيَّة في قديم الزَّمان)، وببساطة أكثر رأى أنّ النِّجامة توفِّر سبيلاً إلى معرفة الذَّات، بما يتَّفق مع تجربة المرء الخاصَّة.
الكتاب عبارة عن أربعة أجزاء، في الجزء الأول آراء يونغ حول مبحث النجامة، ومكانتها في الغرب الحديث، ودلالتها الشخصية والعلمية بالنسبة ليونغ، وصلة النجامة بنظريته عن النماذج البدائية والنفس الخافية. ويوضح الجزء الثاني كيف كانت النجامة واحدة من أهم الأشياء التي استقى منها يونغ أثناء دراسته للمادة النفسية، إن كانت الشخصية أو الجمعية. والجزء الثالث يظهر بشكل واضح دراسة يونغ للعصور النجاميّة ودوائر البروج والكواكب ودلالتها الرمزية، وتأثيرها على النفس الخافية. وفي الفصل الرابع شروحات مبحث النجامة، وهي عبارة عن سبع شروحات قدمها يونغ بعد الدراسات التي دامت لسنوات.
في مقاطع مهمة يشير يونغ إلى ارتباط الكواكب بالنفس الخافية، بربطه بين زحل والظل: (إنَّ امتلاك الإنسان لظلِّه، والتَّصالح معه بطريقةٍ ما، لَهُو الخطوة الأولى في الاشتغال النَّفسيّ. يقترن زحل بسيرورات الانكماش والتَّقييد، وكذا بالانضباط والخوف، وبالمادَّة الخام للاشتغال الخيميائيّ، كما يمثِّلُ في الآن ذاته العجوز الحكيم، والسَّيِّد، والمُعلِّم الجليل. عندما يقترن زحل مع أيِّ سيرورة كوكبيَّة أُخرى، ويعزِّز من اعتلانها السَّلبيّ، ستتعثَّر بإحدى (الخطايا السَّبع المُهلِكة)، أو بصياغةٍ نفسيَّة: بإحدى العُقد المكبوتة أو المقموعة... ليست العُقد خطايا في حدِّ ذاتها، بل هي مغبَّاتٌ لعمليَّات كانت في حالة اصطراعٍ داخليٍّ شديد، لسببٍ أو لآخر، أودى بالأنا إلى أتون الافتقار للانسجام وقبول الذَّات).
وفي مقطع آخر عن لحظة الولادة وفرادتها: (لحظة الخلق، سواء تمخَّضَ عنها مُنجزٌ فنِّيٌّ، أم كائنٌ بشرانيّ، إنَّما تحملُ في طابعها فرادة اللَّحظة).
يؤكد يونغ على ارتباط النجامة بالنفس الخافية بقوله: (إنَّما النِّجامة هي علم النَّفس المُسقَط من الخافية).
وفي هذين المقطعين أشير إلى أهمية بحث يونغ في النجامة وضرورة فهمه وتأثيره على قدرنا: إنَّما خلاصة الرِّحلة عبر المنازل الكوكبيَّة أن نصير واعين بالسِّمات الصَّالحة والطَّالحة التي تكتنفُ سجيَّتنا، فما بلوغ الإنسان مقام الألوهة سوى التَّرقِّي إلى أعلى مراتب الوعي المكافئة لأقصى درجات حرِّيَّة الإرادة.
بمُستطاع الإنسان التَّحرُّر ممَّا أسماها يونغ (فاتورة الدَّين الفطريَّة للقدَر)، وذلك بالترحال عبر المنازل الكوكبيَّة، كما هو موضَّحٌ في النُّصوص الخيميائيَّة. يجوزُ فهم هذه الرِّحلة من النَّاحية النَّفسانيَّة على أنَّها توسِعةٌ للوعي، وهذا ما يحدثُ في سيرورة التَّفردُن.
هذا الكتاب يمثل إسهاماً فريداً في فهم علم التنجيم من منظور نفسي عميق، وهو مرجع أساسي لمن يبحث في علم الفلك والتنجيم، بعيداً عن الخرافات. الكتاب لمن يريد أن يفهم نجومه، ويدعها ترشده إلى طريقه الذي خُلِقَ لكي يسلكه.

الناشر: دار الحوار للنشر والتوزيع، دمشق، 2026.

ذو صلة