في خطوة متقدمة للنهوض بالإرث العمراني الموغل في القدم تاريخاً وبياناً وإنساناً، وبمبادرة متميزة من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؛ أطلق سموه خريطة العمارة السعودية الهادفة لإبراز التنوع العمراني في شبه الجزيرة العربية، بما يناسب الحاضر ويخطو للمستقبل بمشاريع متفردة تستلهم الأصالة المحلية، كجسر تستمد منه القدرة على التجديد والتنويع وخلق التجارب الزاخرة بالابتكار، للوصول إلى مستقبل متقدم يمتاز بديمومة التطور وبما ينعش الأماكن لتكون أراضي حضارية بنموها ومندمجة في النهضة الشاملة للأمم الناجحة.
المنزل الأول
عشت طفولتي في منزل شعبي، في منزل جدّي، حيث ما إن تفتح باب المنزل لتدخل إليه، تمتد أمام ناظريك براحة كبيرة فسيحة، لطالما كانت ملعباً لنا لخوض تحديات الكرة مع الأقارب وبمشاركة عيال الجيران، وفي وسط تلك البراحة توجد حظيرة مستطيلة طويلة ومسوّرة بسياج أسلاك معدنية مكونة مربعات متشابكة ببعضها، ومتسعة على كامل مساحة الحظيرة، مما يعطي المتأمل فيها منظراً جمالياً ينبع من بساطة تصميمه وموقعه الذي أتاح لنا ابتكار العديد من الألعاب حوله.
و في داخل الحظيرة توجد الديكة والدجاج والصيصان، وعلى أقصى يمين وأقصى يسار الحظيرة تتمركز نخلتان عملاقتان، تمتد أغصانهما بعذوقها الوارفة وسعفها الوافر ورطبها المتناثر خيراً على أرض الحظيرة والبراحة معاً.
مشهد لا يفارق ذاكرة كل من عاش في ذلك البيت الجميل، وقد انسجم تماماً كل من يعيش في تلك الحظيرة مع أصحاب المنزل، بحيث أن وجودنا حولها أعطاها الأمان والاستقرار، ممّا انعكس على هدوئها وقلّة صياحها طيلة اليوم، مستغلة المساحة الواسعة لتعيش في راحة من خلال تنقلاتها في أطراف الحظيرة التي كانت تخضع للتنظيف والترتيب بصورة مستمرة، مما أضاف المزيد من الراحة لها، ومنحها حرية الحركة فيها، وتنوع خياراتها في اختيار الأماكن التي تناسبها في تلك المساحة الترابية، وكان للنخلتين دور محوري في إضفاء إضاءة مثالية على الحظيرة، حيث لاتعرضها بشكل مباشر لأشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف اللاهب، وكذلك تحميها من التعرّض لزخّات الأمطار الغزيرة التي تهطل شتاءً، عبر الاختباء تحتها، وحول أغصانها الممتدة الباسقة الطول.
أما في فترة الفجر، فالأمر مختلف بالطبع، فعلى وقع صياح الديكة ونقنقة الدجاج في كل فجر مضت طفولتي النشطة بمرح ولعب.
في يسار الحظيرة كان هناك درج مبني من الطوب، وما أن تصعده ستصل للسطح الذي يحتوي على أعشاش الحمام الزاجل.
أما في الأسفل، وبعد اجتياز الحظيرة؛ سترى الجزء المتبقي من البراحة، حيث يستفيد منها الكبار في الجلوس عبر وضع المساند والتكايا مع دلة الشاي والقهوة للاستمتاع بنسيم الهواء العليل والإطلالة الرائعة التي يتيحها الجلوس هناك، عبر رؤية كامل المنزل، بحيث يغدو البيت ساحة لقاء واجتماع مبهج، وليس مكان انعزال موحش.
لذا شاعت الألفة ونمت، وازدهرت في قلوبنا.
بينما نحن الصغار نستغل تلك المساحة لممارسة ألعابنا المعتادة بشقاوتنا اليومية النابعة من براءة الطفولة، فمرّة نلعب الغميضة، ومرّة ألعاب السرعة عبر الركض والتسابق.. وغيرها من الألعاب التي نبتكرها بعفويتنا ونشاطنا الدؤوب.
وخلف الحظيرة تقع غرفتان متقاربتان من بعضهما، الأولى للجلسات العامة، حيث نجلس فيها جميعنا، بسقفها المبني من جذوع النخل المتراصفة، في لمّة عائلية كانت سمة متميّزة لذلك الوقت الرائع، وأستذكر جلوسنا فيها في فترة العصر، حيث نشاهد مسلسلات الكرتون، وكل واحد منا يخبئ رياله ليشتري به مثلجات وكعكاً أو كاكاو أو حلاوة لتكتمل لذّة المشاهدة بتناول الحلويات التي كنّا نسميها بلهجتنا الشعبية (استناسيّة) أو (مفرحات)، كانت بالفعل استئناساً روحيّاً لن يتكرّر.
أمّا الغرفة الثانية، فكانت خاصة بالنساء يجلسن بها مع ضيوفهن من الجارات والخالات والعمات وصديقاتهن.
وسترى على يمينك باباً مقفلاً، ما إن تفتحه ستجد حوشاً رملياً صغيراً كان جدي يستفيد منه لذبح الأضاحي وإقامة الولائم في مناسبات الزواج والأعياد، حيث كان ذلك حدثاً مهماً لانفوّته أبداً، إذ نتجمهر جميعنا نحن الصغار ويتوافد عيال الجيران أولاداً وبنات، فنتجمّع حول جدّي لنرى الخروف المذبوح الذي سنتناول لحمه اللذيذ مع الأرز في وجبتي الغداء والعشاء.
لا أزال أتذكر تلك التجمّعات المدهشة التي كانت تجمع البساطة والروعة معاً، في مشهد صار نادراً جداً في أيامنا الحاضرة، حيث صارت المنازل الحديثة كالأوكار المستقلة، كل شخص في غرفته، والجدران تزايدت فلم يعد ثمّة مساحة لقاءٍ كالسابق، وصارت المبالغة في التصاميم هي الصفة السائدة في المباني الحديثة، فلا براحة للعب، ولا حظيرة ولا نخلة.
تفاصيل
سيبلغ التأثير مكانة مرموقة حين يتمسّك المصمّم بالعناية الفائقة بالتفاصيل الصغيرة. إن القصور الأثرية في بلدنا نالت جمالها ليس من مبالغات صنّاعها في البناء، إنها لم تحتج إلى مراكمة الغرف والساحات والمنافذ فيها، كل ما احتاجته هو ملاءمتها لجوهر البيئة وطبيعة المناخ واحتياجات ساكنيها، فنالت بذلك شموخاً سامياً يلمحه كل من يتجوّل في أروقتها العتيقة، والأمر ذاته ينطبق على البيوت في الفرجان.
ولكن كيف نحقّق هذا التلاؤم المطلوب؟
بكلمة واحدةٍ فقط (الابتكار)، فالتمسّك بالابتكار سيعين كل معماري على التألّق بمعرفة أين وكيف يرسم تصوّراً لبناء هندسي متفرّد. كي تكون مصمّماً بارعاً فلا بد من استلهام ثقافة المكان لتستطيع هندسة البناء وفقاً للطابع الأصيل الذي يتجلّى في تفاصيل المبنى. العمارة ليست حجارة، إنها إتقان الإبداع.
وحنينه أبداً لأول منزل
للبيئة دورها في اختيارنا لطريقة بناء البيوت، والبيت الأحسائي كان ذا عمران امتاز بالاقتصاد في استخدام الوسائل المتاحة لبنائه بالصورة الأنسب، بدون أي زوائد لا ضرورة لها، فحتى الجدران يستفاد منها عبر بناء رفوف في نفس الجدار بداخله لتوضع فيها العلب أو الصحون أو الأباريق (الغوري) أو الأغراض الشخصية والأشياء الصغيرة أو متوسطة الحجم، فكان ذلك مثالاً على حسن التدبير والتنسيق السليم للمساحة المتاحة.
وكانت هناك بعض الفوارق بالطبع بين منزلٍ وآخر، في السعة والحجم وترتيب الغرف والزخرفة التقليدية التي أبدع الأحسائيون في نقشها فوق باب المنزل وفي الداخل على بعض الجدران.
هناك حنين متزايد لمعايشة تلك الحقبة الجميلة بما حملته من ذكريات وأحداث ومواقف.
والعديد من الدول، ولا سيما في أوروبا قاموا بإيلاء هذه المسألة جلّ اهتمامهم وعنايتهم، فاحتفظوا بالبيوت القديمة، ومنعوا هدمها أو تغيير تصاميمها، بالحفاظ عليها، إمّا من خلال شرائها من أصحابها أو بالاتفاق مع أصحابها بالتكفّل بترميمها بما لا يشوّه طابعها الأصلي ولا يغيّر من بنائها الأساسي.
ولهذا الاهتمام أبعاد معنوية ومادية معاً، فعبر الحفاظ على هذه البيوت التراثية لتكون شاهداً على حضارة الشعب عبر التأريخ لوجوده والتأكيد على هويّتها المتفرّدة بما تحمله من مميزات تخصّ بيئتها ومنطقتها، إضافة لاستغلالها اقتصادياً بالعديد من المبادرات الثقافية والبيئية والسياحية والتجارية.
حضارة عمرانية مستدامة
من الجوهري التفكير الجدّي في بناء معاهد متخصّصة في فنون التصميم والعمارة الوطنية العربية، والاستفادة من التجارب الكبرى المعمول بها في الدول المتقدّمة في هذا المجال. إن وجود كلّيات من هذا النوع كفيل بإحداث ثورة جمالية عظيمة في تطوير البنية المعمارية للمجتمع، وإحداث تواصل يتماس مع الماضي الراحل، ويخلق المستقبل الآتي عبر تنوير الحاضر.
حيث تكون قبلة للسيّاح ليتعرفوا عن قرب عليها وعلى خصائصها، ممّا يمنح البلد صورة مشرقة في عيون الأجانب الذين لم يعايشوا هذه الأماكن.
أيضاً فإن الإنتاج الفني والأدبي سيستفيد منها، ممّا يوفّر الأموال التي تُصرف في بناء مساكن شعبية حديثة تفتقد للرونق الذي تمتاز به المساكن القديمة، إننا حين نقارن بين مسكنٍ تراثي أصيل قديم أُجري عليه بعض الترميم وبين مسكنٍ تراثي جديد سنجد الفرق الهائل بينهما، فكل زاوية في البيت وكل بقعة وكل جدار من البيت القديم يحمل معه روح الماضي الغابر، ولعل علماء الآثار هم الأعرف بهذه النقطة، لذا يشدّدون وبصرامة على ضرورة الحفاظ على الأماكن الأثرية، كما هي دون إدخال تغييرات عليها، إلّا في حدود الترميم الضروري للحفاظ على تماسك وبقاء المبنى.
إننا بحفاظنا على الثروة العمرانية سيُتاح لنا إمكانيّة تصدير ثقافتنا العمرانية من خلال الفنون البصرية المتنوّعة، منها الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي وتصاميم برامج الكمبيوتر والتكنولوجيا المعمارية.
كذلك فإن الآداب والشعر بإمكانها لعب دور ريادي في التعريف بمزايا العمران المحلي عبر تشجيع ودعم الكتّاب ليدوّنوا ويبدعوا في وصف مبانينا التراثية.
ولا ننسى بالتأكيد السينما والمسلسلات والمسرح، بما لها من مؤثرات وإمكانات ضخمة، من خلالها سنتمكّن من إتاحة إدخال العمران السعودي في كل شاشة عبر العالم ليرى العالم كلّه الأصالة الحقيقية والإبداع الخلّاق البهي في عمراننا برونقه البسيط الفاتن.
أهل الدار
بعد غيبة طويلة عن دمشق، عاد الشاعر العظيم نزار قباني إليها حاملاً عشقه لأرضه ومحتفظاً بذاكرة المكان في قلبه، حيث ألّف القصيدة الدمشقية، بما تجلى فيها من عذوبة الحنين والاشتياق:
مآذن الشام تبكي إذ تعانقني
وللمآذن.. كالأشجار.. أرواح
للياسمين حقوقٌ في منازلنا..
وقطة البيت تغفو حيث ترتاح
طاحونة البن جزءٌ من طفولتنا
فكيف أنسى؟ وعطر الهيل فواح
هذا مكان (أبي المعتز).. منتظرٌ
ووجه (فائزةٍ) حلوٌ ولماح
هنا جذوري.. هنا قلبي... هنا لغتي
فكيف أوضح؟ هل في العشق إيضاح؟
للمكان ذاكرة،
ولكن من باستطاعته الاستماع لها؟!
وللمنازل أحاسيس.
ولكن من بمقدوره الشعور بها؟!
لعل أهل الدار هم الأقدر على الإجابة.