مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

مواقيت.. عندما خضع الليل للتفسير الفارسي

لما كان الليل والنهار دائمي التتابع، لا يسبق أحدهما الآخر في دورة الأيام (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) (يس: 40)، فقد أرسى هذا التتابع والترتيب نمطاً للحياة الإنسانية، تمازج بين سعي وراحة، وقيام وسكون، ما جعل لتلك الأحوال وقعها العميق على النفس الإنسانية، فتارةً يُشرق النهار في دواخلها، فترى الجمال يملأ الأرجاء، وأخرى يُسدل الليل ستائره من الألم والضيق عليها، فيحجب أملها ويُضيق بها الكون على اتساعه.
ومنذ فجر الحضارة الفارسية وقبل انبلاج الإسلام، ظل التداول الثنائي بين بهاء النهار الدافق وسكون الليل الدامس، لحناً سرمدياً في نسيج الوجدان الفارسي، إذ استُقبل النور بتراتيل التبجيل، معتبراً سمة إلهية، ورمزاً لكل ما هو أثيل من خير ونقاء. أما الظلام، فقد قوبل بالإدانة واللعنة، وقد جسد كل ما هو أثيم من شر، وهما متلازمان دوماً، ويدل أحدهما على الآخر، ويتجلى هذا التلازم في الديانة والمعتقدات الفارسية القديمة، وبخاصة في أساطير الإلهين: أهورامزدا وأهريمان.
فأهريمان، هو ذلك الجوهر الشرير، الذي يُصوّر على أنه سيد الظلمات والفوضى العارمة، ومنبع الرزايا وخيبات الرجاء، والمحرّض الدائم على نزعات بني البشر وخلافاتهم، كما يُعرف أيضاً باسمه الأقدم في لغة الأڤستا باسم (أنگرا ماينيو) أي الروح الشريرة أو الروح المظلمة، بينما يقف على الضفة الأخرى نقيضه الأزلي، (سپينتا ماينيو) الروح الطيبة أو الروح المستنيرة، والذي يُعرف في الزرادشتية باسم أهورامزدا.
ويتجلى تلازم هذه الثنائية المتناقضة في بعض الصفوة المختارة من الغاثا، أو الأناشيد الروحية، التي تُعدّ أقدم ما خطّته يد في صحائف الزرادشتية، نجد نشيداً يصف مبدأ الوجود، عازياً كل ما يكتنف هذا الكون الفسيح إلى روحين توأمين، أحدهما للخير المطلق والآخر للشر المستطير، وفي البيتين الثالث والرابع منه، نقرأ: (الروحان الأزليّان، اللذان تجليّا في الرؤيا كتوأمين متقابلين، كالأسمى والأدنى في مضمرات الفكر وجوارح القول وسنن الفعل. وعندما تلاقى هذان الروحان التوأمان في البدء الأول، أرسيا دعائم الحياة والفناء)، ولو أننا تأملنا هذه الثنائية، الظلام والنور/ الليل والنهار، سنجد أنها عبرت عن ديانة قديمة، كان فيها إله يُرسي دعائم الخير في هذا العالم، من خلال قبوله أولاً بوجود الشر، ثم جعله أداةً تخدم غايته النهائية: أولئك الذين أخلصوا له الولاء. وتزداد هذه الرؤية قبولاً ورسوخاً إذا أضفنا، الاعتبار القائل بأن هذا الإله يستخدم ضروب الاختبار وأهوال الجحيم لإعادة شعبه إلى حضرته، بل ويتجلى هذا التلازم للضياء والعتمة، ومُكافأة الأخيار على ولائهم للنور في احتفالين عريقين يكتنفان الروح الإيرانية: شب يلدا ونوروز.
ففي أروقة الثقافة الفارسية الضاربة في القدم، يتربع (شب يلدا) على عرش الاحتفالات الأقدم والأكثر وقاراً، مُقاماً في ليلة الانقلاب الشتوي، بعد أن يبلغ الليل أوجه ويقصر زمن النهار (يصادف ذلك غالباً الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين من شهر كانون الأول) لتأتي ليلة يلدا وتحتفي بانتصار النور الأزلي على عتمة الظلام، وبمقدمة تزايد خيوط الضياء تدريجياً إثر تلك الليلة السرمدية، مشيراً بذلك إلى التجدد المرتجى، والأمل المشرق، والتغلب على مصاعب الأيام.
تاريخياً، كان يُنظر إلى طول سكون تلك الليلة على أنها مكمن لقوى الشر الخفية، فكان الاحتفاء بها بمثابة ابتهال لدفع شرورها واستقبال عودة الشمس المنيرة والنور الوضّاء بالابتهاج والتفاؤل، ولذلك فقد اعتاد الإيرانيون لقاء الأهل والأصدقاء في هذه الليلة، فيتبادلون ألوان الحديث العذب وينشدون روائع الشعر، خصوصاً نفحات حافظ الشيرازي الساحرة، ويتناولون ثمار الأرض الطيبة ومكسراتها الشهية، كالرمان الأحمر والبطيخ الندي، التي تحمل في طياتها دلالات رمزية عميقة تتعلق بالخصوبة والنماء، أما اللون الأحمر، فهو رمزية اللون الذي يمثل الفجر وشروق الشمس، وكل هذه الطقوس تجعل (شب يلدا) رمزاً راسخاً لصمود الخير أمام الشر، وانتصار النور على العتمة، والتعبير عن التطلع إلى مستقبل يزهر نوراً بعد فترة العتمة.
في حين يحتفل (نوروز) ببهاء الاعتدال الربيعي، معلناً نهاية سيادة الليل الطويل على ساعات النهار، ويُقال إن أصل النوروز حكاية تقول إن جمشيد، الذي حظي بقوة وسلطان عظيمين، أبدع ذات يوم عرشاً مُرصعاً بأثمن الجواهر، وعندما رفعه عالياً في يوم الاعتدال الربيعي، تجلت عليه الشمس بأبهى ضيائها، فأضاءت تلك النفائس ببريق ساحر. استبشر الناس بهذا المشهد الفريد، وعدّوا ذلك اليوم فاتحة عهد جديد ومستهل فصل ربيع يانع، وأطلقوا عليه اسم (نوروز)، أي (اليوم الجديد)، في حين تذهب حكايات أخرى إلى أن جمشيد أنقذ البشرية من قسوة شتاء طويل الأمد، أرسله أهريمان، وبعد أن انتصر جمشيد على ذلك البلاء، وأعاد الدفء والحياة إلى الأرض، احتفل الناس بذلك اليوم كيوم للخلاص والانبعاث الجديد، وهكذا ارتبط عيد النوروز في الوجدان الفارسي بحدث جليل، يمثل الغلبة على ظلمات البرد، وإيذاناً ببدء حقبة من الازدهار والتجدد. هذه الأسطورة تمنح الاحتفال عمقاً تاريخياً وأسطورياً، وتُرسخ رمزيته كعيد للأمل المتجدد، والانبعاث الندي.
ولم تنته رمزية تلازم الليل والنهار في الوجدان الفارسي بنهاية الدول الفارسية القديمة، بل استمرت تسري في الروح الفارسية بعد الإسلام، فقد استأنف شعراء الفرس المسلمون العزف على وتر ثنائية الليل والنهار، مستلهمين من تقلبات الزمان والمآل، ومشيرين في نفس الوقت إلى حقيقة أن لا حال يدوم، ففي تعاقب الضياء والعتمة، يجد الشاعر مرآة تعكس فناء الدنيا وتغير الأحوال.
ومثال على ذلك، الشعر الفارسي في دولة المغول، الذي وإن جاء فيه الليل بسحره الخفي، ونقش لوحات بديعة زينت قصائد الشعراء، مستعينين بجمال الاستعارة ورقة التشبيه في تصويره، فهو أيضاً ارتبط بالحزن والضيق، فنجد في شعر فخر الدين العراقي الذي كان يمدح فيه الشيخ بهاء الدين زكريا الملتاني صوراً موحشة لليل، فترى الشاعر مثلاً يجعل من الليل المطبق خلفية قاتمة لصورة يرسمها، طريقاً ضيقاً موحشاً، ودابة عرجاء أضناها طول السنين وأنهك قواها.
تلك الصورة البليغة تعبر عن وهن الشاعر وحالته النفسية المضطربة، ولذلك تراه في الشطر الثاني من بيته يناشد السعادة والعناية، ويناديها وكأنها كائن حيّ قادر على معونته وإغاثته في تلك الظروف العصيبة. وكلمات مثل (الضيق)، (المظلم)، (الدابة العرجاء) تشي بورطته وقلة حيلته، فيقول:
(طريق ضيق وليل مظلم ودابة عرجاء قد هرمت
فيا أيتها السعادة أقبلي ويا أيتها العناية ساعديني)
ومن الشعر الغزلي، إلى أكوان الشعر الصوفي وجلال الدين الرومي في ديوانه الأشهر (مثنوي معنوي)، إذ يُقدم الفصل الأول الذي يُعرف بـ(نينامه) نسيجاً غنياً من الصور الصوفية المتعددة، لكن سنتوقف عند الليل الذي تحول لزمن غير مناسب في شعر الرومي عندما قال:
(در غم ما روزها بی‌گاه شد
روزها با سوزها همراه شد
روزها گر رفت گو رو باک نیست
تو بمان ای آن که چون تو پاک نیست)
=
(في حزننا أصبحت الأيام غير مناسبة
وكانت الأيام مصحوبة بالحرق
لقد مضت الأيام، ولكن ليس هناك خوف
فلتبق أنت، يا من لا مثيل لك في الطهر والنقاء).
بی‌گاه= بیگاه= Bēgāh، هذا لفظ يكتنفه سحر الدلالات ويتأرجح بين ضفاف الحقيقة والمجاز، ففي روضة اللغة الفارسية القديمة، كانت كلمة بیگاه تُشير إلى (وقت المساء)، أو الزمن الذي يمتد من وراء حجب الغروب إلى ما يليه، لكن معناها يختلف قليلاً في الأدب الكلاسيكي، إذ تُشير الكلمة إلى الوقت غير المناسب، الذي يتشح بالمؤسف، أو المشؤوم، وربما هذا التحور في المعنى له جذور قديمة، ولن نستغرب إن ارتبطت بصورة الليل في الوجدان الفارسي وارتباطه بقوى الشر والظلام.
فبالنظر إلى أصل الكلمة، يمكننا فهم بیگاه في الأدب على أنها تعني: خارج الإطار الزمني، أي (غير منظم) ومن ثم (مربك، مضطرب). وعندما يرتبك شخص ما بشأن مراحل النهار (روز)، يمكننا تخيل مدى حزنه (غام)، الذي يشعر به جسدياً كألم حارق (سوز) ويمتزج بالنهار نفسه (روز-ها با سوز-ها هامرا شود)، هذا الألم الذي يجعله مظلما كالمساء، لذا، فإن العزاء الوحيد والطمأنينة (باك نيست= لا خوف) هو النور الإلهي الأبدي، رمز النقاء، الذي يبقى بعد ظلمة الليل.
الليل والنهار، حجاب مكشوف وسرّ مُعلن، وضوحٌ مُبصِر وظهورٌ جليّ، هما الألمّ والآمال معاً، فالنهار عين الكون المبصرة، التي ترى الوجود بأسره، أما الليل فإغماضة الجفن الذي يستوجب إلقاء ستار من الظلام ليلفّ الكون في سكونه، وبعيداً عن التأويلات والأساطير، يحتفظ الليل بسحره، وبقمره وبنجومه، كآيات على بديع خلق الله في الكون، وتلك الآيات هي ما تجذبنا إليه.
ذو صلة