عواطف نعيم: المسرح السعودي انتقل من تجارب محدودة إلى حراك احترافي
حوار/ حسين السنونة: الدمام
تؤكد الممثلة والناقدة المسرحية العراقية د.عواطف نعيم، في حديثها مع (المجلة العربية)، أن المسرح السعودي شهد تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل من تجارب محدودة إلى حركة مسرحية أكثر احترافية وتنظيماً، بفضل الدعم الذي يحظى به القطاع الثقافي ضمن رؤية السعودية 2030. وأسهم إنشاء المؤسسات الثقافية المتخصصة، وإقامة المهرجانات، ودعم الإنتاج المسرحي، في اكتشاف مواهب جديدة ورفع مستوى العروض المسرحية، وقد كان للمجلة هذا الحوار معها.
ما الذي أضافته مشاركتكم في مهرجان الهيئة العربية للمسرح إلى تجربتكم الفنية، سواء على مستوى العرض أو الحوار مع تجارب مسرحية عربية مختلفة؟
- الهيئة العربية للمسرح تنظيم ثقافي وفني مهم، أطل علينا في وقت حرج من تاريخ المسرح العربي، لظروف سياسية واجتماعية تعرّض لها العالم العربي حينها، أهمها احتلال العراق وانفجار ما سمي بالربيع العربي، فكانت الهيئة بمثابة مرفأ آمن جمعنا على اختلاف مشاربنا وتوجهاتنا، لنسهم بقدر ما نستطيع في جمع شتاتنا وتوحيد رؤانا لما فيه خير للحركة المسرحية العربية وصلاح الحال في أوطاننا، وكان للمشاركين في مواسم الهيئة أثر كبير في التعرف والترويج وإغناء التجربة بالحوار وتبادل الخبرات والمعرفة، لذا فإن للهيئة فضلاً في تجديد دماء الحركة المسرحية في العالم العربي، ولا سيما أن منهاج مواسمها متحرك خلال الانطلاق بما يُجدي ويضيف ويفتح النوافذ مشرعة على حداثة التجارب ونضجها.
ما القضية أو الفكرة التي حرصتم على إيصالها من خلال العمل الذي قدمتموه في المهرجان، وكيف كان تفاعل الجمهور معها؟
- لعل أهم ما حرصنا على تقديمه من خلال المشاركات التي أنجزناها في مواسم الهيئة والمؤثر للمسرح، هو التأكيد على مفهوم الحرية ونبذ العنف والخنوع، والانحياز إلى كرامة المرأة وحقها في أن تكون حضوراً إيجابياً وفاعلاً، وليس مكملاً ثانوياً في صنع الحياة. الهيئة منحت الفنان المسرحي العربي حيزاً مهماً من الحرية في صياغة الرؤى والأفكار بما يحقق تأثيراً واجباً لرسالة المسرح وأهميته في بناء الفكر الإنساني الخلاق والمؤثر، لذا كان التنوع من صفات المواسم المسرحية التي جعلت من الحضور والمشاركة في فعاليات الهيئة مطمحاً لكل ذي رأي ومنجز متميز في المسرح، من الشباب ومن الرواد ومن المغيرين في الخطاب المسرحي العربي تنظيراً وتجسيداً.
يشهد المسرح العربي اليوم تحولات جمالية وتقنية متسارعة، برأيكم، كيف يمكن المحافظة على هوية المسرح العربي مع الانفتاح على التجارب العالمية؟
- هوية المسرح العربي لا تتعارض مع الحداثة وتطور التقنيات، وحتى مع وجود الذكاء الاصطناعي، فكل هذه العوامل والمؤثرات التكنولوجية قادرة أن تكون إضافة وتطوراً للمسرح العربي مع الحفاظ على الهوية، لأن الهوية العربية ليست لوناً يتغير، وليست كلمة تتبدل، إنها روح حضارة وعمق تاريخ إنساني في سفر الكون، لذا تبقى الهوية من خلال الفكر والمعالجة الجمالية والتنوع الإبداعي في خلق العوالم والرؤى، ولعل التقنيات الرقمية تفتح لنا آفاقاً لتقديم التراث العربي وتأكيد الهوية العربية بطريقة حداثوية ومتجددة أفضل مما كان بين أيدينا من قبل، لذا لا خوف على الهوية حين نحسن توظيف التقنيات الرقمية والتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي، ونعرفها بوعي وفهم ينتميان لذاكرتنا وثقافتنا وعلميتنا.
ما أبرز التحديات التي تواجه المسرحي العربي اليوم: الإنتاج، أم الجمهور، أم حرية التجريب، أم غياب البنية المؤسسية الداعمة؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
- التحديات التي تواجه المسرح العربي لا تتعلق بالجمهور أو وجود المؤسسة الداعمة، ولا بحرية البحث والتجريب. التحدي الأكبر هو الإنتاج المعافى الذي يتيح للفنان المسرحي أن ينجز تجربته، سواء كانت تقليدية أو كلاسيكية، أم تعتمد التجريب والمغايرة والاجتهاد المدروس. الإنتاج هو روح العمل حين الإنجاز، وتوفر الدعم المالي هو أهم أسباب نجاح التجربة وعافيتها. كي يكون المنجز مدهشاً وجديداً ومبتكراً، لا بد من توفير الإنتاج المعافى له، لأن الولادات القيصرية لا تنتج حياة سليمة ذات تأثير وحضور ملفت. التحدي الأكبر وعلته هو ضرورة توفر الدعم المادي وعافيته، الذي يجتذب الجمهور ويجدد روح المنجز ويطور الحركة المسرحية ويحفز للإبداع.
بعد هذه المشاركة، ما المشروع أو الحلم المسرحي الذي تسعون إلى تحقيقه، وما الذي تتمنون أن يقدمه مهرجان الهيئة العربية للمسرح مستقبلاً لدعم الفنانين العرب؟ في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم العربي، هل ما زال المسرح قادراً على التأثير في الوعي العام، أم أصبح دوره يقتصر على النخب الثقافية؟ ولماذا؟
- الهيئة العربية مشارك فاعل في تحفيز الحراك المسرحي في العالم العربي، والمسرح ليس للنخب فقط، بل للجميع، وهو ما زال قادراً على خلق التغيير وتنوير العقل وإذكاء روح الخير والنبل لدى المتلقين حين يخاطب العقول والأرواح بلغة الجمال والوعي، لكن ما نحتاج إليه هو منح الفرص للكفاءات العربية من مخرجين وكتاب، في تكليفهم قبل انطلاق كل دورة مباركة من دورات الهيئة، أن يكون هناك عمل يتم تحديد صاحب المنجز فيه، وتحديد الميزانية، وتحديد طبيعة الخطاب المراد تنفيذه وتقديمه للمتلقين من الحضور، سواء أكان ذاك العرض المسرحي كوميديا أم تراجيديا، أم جمعاً للفنين، أم مستمداً من التراث العربي. لا بد من منح الفرص لأجل تقديم تلك القدرات للفنانين والمجددين في الحركة المسرحية العربية والتعريف بهم. كما أجد أن من الضروري أن يتم اختيار عدد من الأسماء العربية وتكليفها بإقامة ورش ودورات فنية وثقافية في تجليات الظاهرة المسرحية، وأن تكون تلك المبادرات خاضعة للتقييم مع معرفة جدواها حين التنفيذ. ومع ذلك يبقى للهيئة رأيها، ويبقى لنا أن نقدم المقترحات والأفكار التي نجدها مؤثرة ومهمة في تفعيل دور الهيئة وأثرها.
في رأيك، ما مدى تطور المسرح السعودي والمشهد الثقافي ومواكبته للتطورات العالمية انطلاقاً من رؤية المملكة 2030م؟
- شهد المسرح السعودي تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل من تجارب محدودة إلى حركة مسرحية أكثر احترافية وتنظيماً، بفضل الدعم الذي يحظى به القطاع الثقافي ضمن رؤية المملكة 2030. وأسهم إنشاء المؤسسات الثقافية المتخصصة، وإقامة المهرجانات، ودعم الإنتاج المسرحي، في اكتشاف مواهب جديدة ورفع مستوى العروض المسرحية.
لم تمنح لي فرصة التعرف على المسرح السعودي بشكل قريب، بل من خلال مشاهداتي لعدد من العروض المسرحية السعودية التي تشارك في المهرجانات العربية، وكانت تجارب جيدة، ولكني أعرف كتاباً مهمين في المسرح السعودي، مثل الأستاذ فهد ردة، والدكتور سامي الجمعان. وكانت لي فرصة الحضور والمشاركة في فعاليات مهرجان الرياض المسرحي في إحدى دوراته، وقد لفت نظري وجود عناصر نسائية سعودية متميزة، وقدرات شبابية مبشرة، وكانت هناك عروض مسرحية مميزة لمخرجين سعوديين من الشباب والرواد، كانوا يمثلون محافظاتهم حين المشاركة في المهرجان، وحضور الندوات النقدية والمشاركة فيها كان جميلاً، والإقبال على متابعة العروض كان ملفتاً.
حين تتوفر الرعاية والدعم للمسرح، وتتم العناية بالكفاءات المميزة، ويكون هناك هامش من الحرية في التجريب والبحث، حينها لا بد أن يكون هناك تطور ونهضة مسرحية تشير إلى مستوى المنجز الفني وتألقه. وقد لمست هذا الدعم والاهتمام في متابعة فعاليات مهرجان الرياض، وما رُصد من جوائز نقدية مجزية جداً للفائزين من المشاركين، وكذلك ما رُصد من ميزانيات معافاة للعروض المشاركة في تنافس المهرجان، لذا أجد أن هناك تطوراً وحركة نمو ونضجاً في المسرح السعودي، وحرصاً من المسؤولين على تفعيل وتعزيز الحراك المسرحي والاستفادة من الخبرات العربية والأجنبية لتأكيد هذا الازدهار وهذا الحراك.