حين يعلو هدير حوافر الخيل، ويتصاعد غبار الأرض تحت وقعها، ثم يشق السماء صوت البنادق، يبدو التاريخ وكأنه عاد إلى الحياة على صهوة جواد. تلك هي التبوريدة، أو (الفانتازيا) كما عُرفت في اللغات الأوروبية، إرثٌ مغربي عريق تلتقي فيه الفروسية بالفن، وتتحول الذاكرة إلى احتفالٍ حيّ يتوارثه المغاربة جيلاً بعد جيل.
ورغم شيوع اسم (الفانتازيا) في الأدبيات الغربية، فإن المغاربة يفضلون تسمية التبوريدة، المشتقة من كلمة (البارود)، في إشارة إلى العنصر الأكثر تميزاً في هذا الفن، ذلك الانفجار الجماعي الذي يختتم به الفرسان اندفاعتهم. أما مصطلح (الفانتازيا) فيُرجح أنه دخل الفرنسية من الإسبانية خلال القرن التاسع عشر، واشتهر بعد أن استخدمه الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا لوصف إحدى لوحاته التي جسدت فرساناً مغاربة في هجوم خاطف.
تمتد جذور التبوريدة إلى قرون طويلة، حين كانت القبائل المغربية تعتمد على سلاح الفرسان في الدفاع عن أراضيها وخوض معاركها. وكانت هذه الانطلاقات الجماعية تدريباً عسكرياً يحاكي هجوم الفرسان الحقيقي، ويختبر قدرتهم على المناورة، وضبط الصفوف، وإطلاق النار في توقيت واحد. ومع تراجع دور الحروب القبلية، احتفظت هذه الممارسة بروحها، لكنها انتقلت من ميدان القتال إلى فضاء الاحتفال، فأصبحت جزءاً من المواسم الدينية، والأعراس، والأعياد، والمناسبات الوطنية، محافظةً على رمزيتها بوصفها تجسيداً للشجاعة والانضباط وروح الجماعة.
التبوريدة هي ثمرة أشهر طويلة من الإعداد، فالخيول التي تشارك فيها لا تُستخدم في الأعمال اليومية، فلها تربية خاصة تحظى فيها بعناية دقيقة تشمل التغذية والتدريب والعناية الصحية. وقبل العرض تُزيَّن بأفخم السروج المطرزة بالحرير والفضة والذهب، وتُلبس لُجُماً وأحزمة مزخرفة تعكس براعة الصناع التقليديين المغاربة. أما الفرسان، فيرتدون الجلابيب البيضاء والسلاهم والعمائم، ويحملون بنادق (المكاحل) التقليدية المزينة بالنقوش والفضة والصدف، في مشهد لا يقل فخامة عن المواكب الملكية القديمة.
وعندما يكتمل اصطفاف الفريق أو (السُربة)، يراجع (المقدّم) مواقع فرسانه للمرة الأخيرة، ثم يردد النداء التقليدي: (بسم الله، وعلى بركة رسول الله). عندها تبدأ الخيول بالتحرك، ثم تزداد سرعتها شيئاً فشيئاً حتى تبلغ أقصى اندفاعها. تتطاير حوافرها فوق الأرض، وترتفع البنادق في الهواء، بينما يحاول كل فارس أن يحافظ على توازنه وتناسقه مع بقية أفراد السُّربة. وفي اللحظة الأخيرة، يصدر الأمر المنتظر، فتنطلق البنادق دفعة واحدة نحو السماء، حتى يبدو الصوت وكأنه صادر عن بندقية واحدة. إنها اللحظة التي يقول عنها المغاربة إن (البارود قد تكلم)، وهي اللحظة التي ينتظرها الجمهور في كل عرض.
لكن العرض لا ينتهي بإطلاق النار. فما إن يخفت صوت البارود حتى تبدأ أصعب مراحله، إذ يتعين على الفرسان إيقاف خيولهم المنطلقة بأقصى سرعة خلال مسافة قصيرة، من دون أن يختل الصف أو يفقد أحدهم السيطرة على جواده.
وقد شهدت التبوريدة منذ سبعينات القرن الماضي نهضةً كبيرة، مدفوعة باهتمام الدولة المغربية بإحياء التراث، وبازدهار السياحة الثقافية. فتحولت من تقليد محلي يُمارس في بعض القبائل إلى أحد أبرز رموز الهوية المغربية، وأصبحت حاضرة في المهرجانات الوطنية والمعارض الدولية، كما شهدت هذه الرياضة احترافاً متزايداً، سواء في تربية الخيول أو تدريب الفرسان أو تنظيم المنافسات. وتُوج هذا المسار سنة 2021م بإدراج التبوريدة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو، اعترافاً بقيمتها التاريخية والحضارية.
وتُعد مواسم مولاي إدريس زرهون، ومولاي عبدالله أمغار، وتيسة، إلى جانب المعرض الدولي للفرس بالجديدة، من أشهر المحطات التي تستقطب عشاق هذا الفن. كما أصبحت مدن مثل مراكش وأكادير تقدم عروضاً منتظمة لزوارها، في محاولة للتعريف بهذا الإرث العريق.