هناك مشكلة عندما نتساءل عن التوفيق بين خصوصيتنا الثقافية ومتطلبات الكفاءة، إذ إن السؤال يفترض وجود تعارض، وأن على المؤسسة اختيار أولويات محددة.
تجربتي في إدارة الثقافة المؤسسية تؤكد أن كثيراً مما نسمّيه (خصوصية ثقافية) في إدارة الأداء هي عادة إدارية متكررة ندافع عنها باسم الهوية، ولذلك نحتاج إلى التفريق بين القيم والعادات.
إكرام الضيف قيمة عربية، ولكن أن يتحول مرور شخص على المكتب إلى لقاء بالساعات دون موعد مسبق، فهذه عادة، كما أن احترام الكبير قيمة مهمة، ولكن تعليق القرار لأجل انتظار شخص غائب أو لا علاقة له بالموضوع، فهذه عادة.
القيم لا يجب التفاوض عليها، فهي ما يميز ثقافتنا والهوية التي نعتز بها، أما العادات فيمكننا تغييرها وتبني ممارسات فعالة لرفع كفاءة المؤسسة. وأغلب التغييرات التي تحتاجها المؤسسة تستهدف بناء عادات وأساليب إيجابية لتحسين الأداء، والكفاءة لا تغيير الهوية، والمقاومة التي نجدها تقف دفاعاً عن العادات التي اعتاد الناس عليها، والتحدي الأكبر يستوجب علينا قياس الاجتهاد عوضاً عن النتيجة.
مقولات وحكم مثل (من جد وجد) و(من طلب العلا سهر الليالي) تعكس اهتمامنا الكبير بالاجتهاد، ولكن المشكلة عندما يتحول إلى مقياس في العمل. فعلى سبيل المثال، من ينجز المهام بسرعة وبكفاءة أكبر يظهر وكأنه لم يجتهد بشكل كافٍ، ما يشجع الموظف على أن يبدو مشغولاً أكثر مما ينبغي، ويغيب عنه دوره في تعزيز كفاءة العمل.
وهنا يقع الضرر الأكبر على الإنتاجية، حتى أنك ترى الفريق يضيع الكثير من وقته لإثبات أنهم يعملون، فتكثر الاجتماعات والتقارير وورش العمل، فهي دليل مرئي على الحركة والاجتهاد، مما يعكس أن القيمة سليمة (الاجتهاد)، ولكن الخلل في القياس (التعب)، لذلك مراجعة المؤسسة للأنظمة وأدوات قياس الأداء ضرورة أساسية لتحقيق تغيير إيجابي وزيادة الكفاءة، فالقياس الذي يتمركز على تحقيق النتيجة أو الهدف عوضاً عن تحديد الآلية يمنح الفريق المرونة الكافية للانضباط والالتزام بالنتيجة بطريقة فعالة. كما أن غياب التغذية الراجعة أو تقديم الملاحظات البناءة من التحديات المتجذرة في رفع الإنتاجية، حيث يميل البعض إلى المجاملة، مما ينعكس بشكل سلبي على التطوير والتحسين.
ومع هذا، فإن المجاملات أحياناً قد تسهم بشكل إيجابي في بناء العلاقات وتسريع العمل، لذلك يمكننا أن نتفق على أن تقديم الملاحظات بشفافية جزء من احترام الزميل فيما يخدم مصلحة العمل، وهنا نستفيد من القيم الحاضرة ونضيف إليها ممارسة تعززها.
ومن خلال تجارب عديدة في تغيير الثقافة، أدركنا أن أهم عنصر في تحقيق التغيير هو القائد نفسه، فالموظفون يراقبون ويتبعون سلوك الإدارة أكثر من اللوائح أو القرارات والحملات التسويقية، لذلك فإن رفع الكفاءة والإنتاج قد لا يتحقق نتيجة الاستثمار في نظام جديد أو الدورات التدريبية، لأنه يتطلب من الفريق والقيادات التخلي عن العادات الحالية والتكيف على عادات وممارسات جديدة، وهنا تأتي أهمية إدارة التغيير والتركيز على الجانب البشري، ولابد من توضيح التغيير وتبعاته حتى لا تفشل أفضل الأنظمة.
الكفاءة لا تطلب منا تغيير ثقافتنا أو هويتنا، وإنما تتطلب إدارة للتغيير بشكل فعال ودعم القيادة في تطبيق أساليب من شأنها رفع الكفاءة والإنتاج، وتوجيه المكافآت نحو الجوانب التي تعزز النتيجة والتحسين المستمر عبر التغذية الراجعة والملاحظات البناءة.