مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

نحو تصور عربي جديد للوقت.. الزمن ليس ذهباً

يعد الوقت الوعاء الضروري لإنجاز نشاطات الفرد، وتحقيق أهدافه، فهو دقائقه وساعاته، وأيامه المكونة لعمره، وأثمن ما يملك وأنفس ما يختزن.
كما يشكل بالنسبة للأمم الإطار الحاضن لإنجازاتها، والعامل الأبرز في صياغة مظاهر حضارتها. فهو بذلك أحد أهم موارد الحياة. وهو مرتبط بدوران الأرض بشقيه، ومقولة (الوقت من ذهب) تتطلب من مستعملها وعياً عميقاً بمدلولاتها الحرفية، فيعرف تماماً (الوقت) الذي سوف تستغرقه أي مهمة قبل أن ينخرط فيها، حتى ولو كانت ارتشاف قهوة مع زميل. نقيض ما هو عليه في واقعنا العربي، فالوقت ليس من ذهب، فليست له قيمة مادية أو حياتية وإنما وُجِدَ لصرفه مع الناس لا أكثر. فما السبيل إلى إعادة الاعتبار للوقت في مجتمعاتنا العربية، وجعل العمل ناتجه؟ وهل المشكلة في أخلاقنا الفردية، أم في نظرتنا الوجودية للزمن نفسه؟
إن المقولة الغربية الشهيرة (الوقت من ذهب) تتجاوز الاستعمال العابر، مشكِّلة رؤية حضارية مظلتها الرأسمالية الحديثة، إذ الوقت حينها مجمع للإنتاج، والكفاءة، والربح، مترجماً للمساواة الرياضية الزمن = المال. وما ينجر عنها من الخسائر الاقتصادية.
أما في المجتمعات العربية، فلا تعدو الإطار الإنشائي في سطحيته، تردد معزولة عن التأصيل الفكري والتصور البنّاء.
وعليه نلحظ ذلك التناقض بين دلالة العبارة على مستوى الاعتبار القيمي والمثمن للعمل والإنتاجية، وبين واقع المجتمعات العربية من إهدار للوقت ونسفه نسفاً، فأصبح الشعار حاضراً في الخطاب، وغائباً في الممارسة، وترديد عبارة (الوقت من ذهب) أقرب إلى استعارة لفظية منه إلى تصور واقعي، تعيش ذلك التناقض، وهي المجتمعات الأجدر بربط الوقت بالإنتاج، ففي إرثها الثقافي قد أقسم سبحانه في القرآن بالزمن بذاته: والعصر، أو بأجزائه: والفجر، والصبح، وفي ذلك تنبيه على عِظَم نفعه ووجوب استغلاله، كما أن قيمة الوقت واضحة جلية، في مفردات القرآن، في سور متعددة، الضحى، العصر، الليل.. وآيات متفرقة وكذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.
ورغم أن المقولة السابقة التي نرددها بعفوية، صيغت في سياق رأسمالي صناعي، يحسب الزمن بمقابل نقدي، والتأخير والسبق بدل الانضباط والدقة يمثلان الخسارة وإن تمايزا، والإنتاجية تقاس بالعمل المنجز طيلة زمن محدد. فقد لاكت ألسنتنا المقولة دون أن تستحضر أذهاننا المنطق الذي أنتجها، فصارت شعاراً أجوف تغيب عنه المضامين، ترفع لها اللوحات المنمقة، وتنتشر في الجنبات المهيئة للاجتماعات، كباقات الورد البلاستيكية، التي يعوزها العبق المثمر والمشاريع المنجزة.
تعرف مجتمعاتنا أن الذهب كنز يدخر، أما وقتنا فضائع وبدله، على أمل فرص قادمة تنتظر وسامها الرائج (إن شاء الله)، التي أضحت لن يحدث مع سبق الإصرار والترصد.
يقول الفيلسوف الروماني سينيكا في رسائله: (ليست الحياة قصيرة، بل نحن نضيعها، فالحياة طويلة بما فيه الكفاية إذا أحسنّا استخدامها، ولكنها تضيق وتنكمش حين نهدرها في الترف واللامبالاة والتأجيل). فالمشكلة ليست في قلة الأوقات، بل فيما يضيع من زمن وما يسوَّف ويؤجل، فمجتمعاتنا مطالبة أن تعيد نظرتها للوقت فلا يُنظر له كذهب، أو نقد، بل كمادة وجودية فارقة، تشكّل الإنسان في أبعاده الروحية والحضارية. فالقيمة الحقيقية للوقت تقاس بإنجاز الأثر.
وما ضاع من وقت هو جزء من الكيان البشري يضمحل ويتلاشى، وذلك من مدلولات قول الحسن البصري: (يا ابن آدم إنما أنت أنفاس، فإذا ذهب نفسك ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل)، إذ إن مغالبة الزمن والتمكن منه بجعله عملاً منجزاً، هو مدلول، قول الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وكل ماعدا ذلك، سيجعل مجتمعاتنا العربية التي تنشد التغير والتطور، مطية للضياع والتأخر عن ركب من منطقهم قياس الزمن بالقيراط، وقيمة المنتَج، ومن يتحكم في الوقت بالنانو وأقل، ويوجهه إلى تحقيق ما يخطط له.
وكل امرئ يسعى إلى غايته.. ويسعى به الدهر إلى حيث يسعى
يقول جبران خليل جبران: «لقد مضى من عمري ما مضى، وبقي منه ما بقي، ولم يبق من عمري إلا ما عشت، وما عشت هو ما أحببت». فالعمر ليس عدد السنوات، بل طبيعة الأثر (المنتج) في تلك السنوات.
فنجاحنا في عصر الوقت فيه هو الإنتاج، أن نجعل الحياة تسري في أوقاتنا، وننقلها من الشكل الرياضي القابل للتقسيم، إلى الزمن الحي الذي نعيشه بكل منجزه، على حد تعبير الفيلسوف برغسون.

ذو صلة