لا أدري لماذا قررتُ -في يوم من الأيام- أن أتغيّب عن المدرسة وأنا أدرس في السنة الثانية من المرحلة الابتدائية! فهل كان السبب رغبتي في إكمال حصة إضافية من النوم، لعلي أظفر بحُلمٍ جميل يُنسيني بعض ما ينغّص يومي، جرّاء مشاجرة خضتها بالأمس مع ابن الجيران، حين أفسد طائرتي الورقية إثرَ محاولته انتزاعها من يدي؟ أم كان الهدف أن أقضي بعض اللحظات على سطح المنزل، لأمتّع نظري برؤية الحمام الذي يعتني بتربيته أخي الأكبر، الذي كان من شدّة ولعه بالحمام يتحدث عن صفات كل واحدة منها وكأنها عشيقة يتبادل معها الحب والهيام، أم لسبب آخر يرتبط بعالم الطفولة الصاخب؟
كل ما أتذكره أنني عزمت على أن أغيب وشرعت في تنفيذ المخطط البريء، وكانت الخطة أن أخرج متأخراً بعد أخويّ: خليل وحبيب، ومشيت ببطء خلفهما، فانتظرتُ صعودهما إلى حافلة المدرسة الصفراء التي تقف في الشويكة لِتُقِلَّ العشرات من الطلاب إلى مدرسة زين العابدين الابتدائية في موقعها المؤقت في منطقة حي البحر. حين انطلقت الحافلة انتظرت قليلاً حتى تغادر جميع الحافلات الأخرى المخصصة لنقل الطلاب، ومع مغادرة آخر حافلة اطْمَأَنَّ قلبي وشعرت بالانتصار، وتأكد أمر غيابي، ولمزيد من الاطمئنان عدت ببطء إلى البيت، وما إن فتحت الباب حتى وجدت أمي تستقبلني وعلامات الدهشة مرسومة على ملامحها، وهي تسألني: لماذا عدت وأين أخواك؟
حينها حاولت أن أختلق عذراً مقنعاً، فقلت وأنا مُطأطِئ الرأسَ: لقد سبقني أخوايَ إلى صعود الحافلة وأُغلق بابها بعد أن امتلأت بالطلاب، وكانت هي آخر الحافلات المخصصة لنقلنا! ظننت أن أمي ستصدق قولي، وحين رفعت رأسي لأرى ملامحها وجدتها هادئة وصامتة وكنت أترقب رداً قاسياً -لم أعهده منها- على هذه الكذبة المفضوحة، ولم أتصور كيف ستجري الأمور حينها؟ فاجأتني أمي، حين سارعت لارتداءِ عباءتها، ثم أخذت بيدي وقالت لي: بما أن الحافلة مضت، فسأرافقك مشياً لكي لا تتغيب عن المدرسة، وكنت حينها كمن وقع في شر أعماله!
خرجنا من البيت وكنا بحاجة لأن نمشي قرابة نصف ساعة لنصل من الشويكة إلى موقع المدرسة في منطقة حي البحر، وكنت أمشي مع أمي بصمت، وكلما مشينا كنت أتألم كثيراً في داخلي، فقد جرّت كذبتي التي ظننت أنها نجحت معاناة على أمي وعليّ أيضاً، فبدلاً من صعودي في الحافلة المريحة، ها أنا أمشي رغماً عن أنفي لأذهب إلى المدرسة في طريق ترابي مسفلت في بعض أجزائه، وكنت كلما خطوت بعض الخطوات يزداد ألمي بسبب الأذية التي أوقعت أمي فيها، وحين اجتزنا المنطقة الترابية رأيتُ السيارات وهي تسرع أمامي، وكانت أمي تمسكني برفق لكي لا يصيبني مكروه.
بعد معاناة وصلنا إلى المدرسة ووقفت أمي عند البوابة وجاء الحارس ليتحدث مع أمي، فأخبرته أن الحافلة فاتتني وطلبت منه أن يدخلني ويذهب بي إلى فصلي، وحين جلست، لم أشعر بمن حولي، وكان يومي أسود، فقد كنت جالساً على الكرسي وكانت صورة أمي لا تفارقني!
كنت أسرح بخيالي والدموع تنهمر من عيني بغزارة، وحين لمحني المعلم سألني: ما بك؟ هل تشعر بالألم؟ هل تعاني من بطنك أو رأسك أو..إلخ. اكتفيت بمسح دموعي وكنت صامتاً، وفي حقيقة الأمر وددت أن أقول له: لقد كذبت على أمي وتسببت في جلب الأذية لها وجعلتها تمشي نصف ساعة من البيت إلى المدرسة رغم حرارة الجو، وهي بحاجة إلى نصف ساعة أخرى لتعود رغم خطورة الطريق!
بدأت الفسحة وتم توزيع وجبة الفطور المجانية التي توفرها المدرسة للطلاب، وبدأ زملائي في أكل وجباتهم الشهية، وأنا أعيش في دوامة من الهواجس والأفكار، فقد كان موضوع أمي يستحوذ على فكري، وأقول في نفسي: يا ترى هل عادت أمي بسلام إلى المنزل، أم تعرضت لحادث سير بسبب السيارات المسرعة، وكنت كلما أتذكر السيارات الطائشة يزداد ألمي وتنهمر دموعي، والزملاء من حولي لا يعرفون سبب هذه الحالة التي لم يعهدوها مني قبل هذا اليوم.
لم أكد أصدق أن اليوم الدراسي قد شارف على النهاية. وما إن سمعت صافرة الانصراف، حتى وثبت مسرعاً لأكون من أوائل الطلبة الذين صعدوا الحافلة، حتى إنني نسيت أمر أخويّ ولم ألتفت لهما، فربما صعدا في حافلة أخرى، فأمر أمي شغل كل تفكيري، وكنت أتمنى من السائق أن يطير في السماء ليصل بأسرع وقت إلى الشويكة.
ما إن توقفت الحافلة حتى هرولتُ بأقصى سرعتي نحو المنزل، ودلفتُ هلعاً إلى فناء البيت، ووجدت أمي تقف بشموخها المعتاد وهي تكمل شوي السمك الذي أعدته ضمن وجبة الغداء، فارتميت في حضنها الدافئ وعاهدت نفسي ألا أكذب عليها ما حييت.