مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

ومضة حياتي

هي لم تكن كباقي النساء، كانت امرأة مميزة بكل ما في الكلمة من معنى، في المظهر وفي الأحاسيس وفي تعاملها، عيناها الزرقاوان تحملانك إلى السماء السابعة، وطيبتها تؤوي كل يتيم، عرفت الحنان الأول والأخير في حضنها. عندما كانت تراني حزينة، كانت تمازحني، وتطلب مني أن أضع رأسي فوق حجرها لتقوم بمداعبة شعري، وتحكي لي حكايات مضحكة. كم أحتاجها الآن!
أذكر أنها كانت تنظر إليّ بكل حب، لدرجة أن تجعل الحزن يتبدد من كل جسمي، لهذا هي تزورني في أحلامي أحياناً كثيرة وتتبادل معي أطراف الحديث وأخبرها بكل آلامي ومن دون تردد، أذكر أطباقها المفضلة وكيف كانت تحضرها بكل إتقان واهتمام، وأذكر كيف أصبحت أيضاً أطباقي المفضلة، فعندما نحب شخصاً نحب ما يحبه ونكره ما يكرهه، لن أنسى لمساتها الحنونة التي تمتص وحدتي وغربتي عن هذا العالم، وصوتها الرنان والخافت الذي يجعل شمس سكينتي تشرق، أذكر ضفائرها الطويلة التي كانت تطل من تحت وشاحها الأخضر المفضل لديها والمزركش باللون الذهبي، أتذكر وجهها البشوش الذي ينسيك خوف الحياة. كانت مثل الغيث، تُحيي كل شيء من حولها وتجعله ينمو ويزهر.
هي وردة تفوح منها رائحة الأمان والسلام، لهذا قضيت كل طفولتي وأنا أمسك يدها أثناء النوم. أتذكر أني كنت كل يوم أبعثر ملابسها خلسة لأبحث عن قنينة عطرها لأضع منه، وهي لم تكن تكتشف الأمر، أو بالأحرى كانت تتظاهر بعدم اكتشافها الأمر، ذلك أنها كانت دائماً تقول لي وأنا أودعها للذهاب إلى المدرسة:
- رائحتك جميلة يا غاليتي، انتبهي لنفسك وادرسي جيداً.
أشتاق إليها مع كل نسيم فجر، لطالما أحسست أني ابنتها الوحيدة والمدللة بعد وفاة والدي وأنا رضيعة، رغم أنه كان لديها أربعة أولاد وابنتان، كنت أحس أني مسك سعادتها، وعندما كانت تذهب إلى المناسبات العائلية تصطحبني معها، وتفتخر بي أمام صديقاتها بأنني تلميذة مجدة.
كانت تعي جيداً أني لا أستطيع فراقها، وأتذكر أنه بينما كانت تفارق الحياة بين يدي كأنها كانت تطلب مني السماح لأنها ستتركني وحيدة. أما أنا فكنت متجمدة في مكاني لا أستطيع أن أحرك ساكناً كأني أنا التي تُحتضر.
حملها عمي مسرعاً إلى السيارة، ليذهب بها إلى المستشفى، ارتحت قليلاً حينها ظناً مني أنها ستنجو، لكن سرعان ما عاد أدراجه والخيبة تملأ محياه، وكأن عالمه وقع فوق رأسه، وأخبرنا أنها توفيت في الطريق، لم أصدقه في البداية، ولم أستطع أن أذهب إليها لأتفحصها إن كانت ماتزال حية، وقفت بقربها حائرة وأنا أحملق النظر إلى يدها ولا أستطيع تفقد نبضها، أحسست حينها بخوف شديد، وكأن جدتي لم تعد جدتي التي أعرفها، وكأنها شخص غريب عني.
هذه اللحظات مضى عليها الآن ثلاثون عاماً، وأنا ما زلت أتذكرها بحذافيرها وكأنها مرت البارحة. لم تكن جدتي امرأة عادية، كانت وطناً صغيراً أعود إليه كلما أرهقني العالم، وكانت حضناً يتسع لأحزاني كلها دون أن يسألني عن سببها. كانت تعرف كيف تجعل من أبسط الأشياء عيداً، ومن أصغر الكلمات طمأنينة. لم أزر قبرها يوماً، لأنني لم أبحث عنها بين الحجارة والتراب، بل وجدتها في كل ما أحب. وجدتها في رائحة العطر التي تعبرني فجأة، وفي خصلة شعر أرتبها كما كانت ترتبها لي، وفي كل دعاء يسبق خروجي من البيت، وفي كل حكاية أكتبها. أدركت متأخرة أن بعض الأحبة لا يرحلون، بل يغيّرون فقط مكان إقامتهم، من البيت إلى القلب. وهناك، لا يصل إليهم الموت أبداً.

ذو صلة