مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

أمي نائمة

في البيت القديم، بالحي الشعبي الذي انتقلت إليه مرغمة، أحسّت بالفارق وبالألم، وكذّبت أُذنيها غير مرة لمّا طالبها الأخ التوأم بإخلاء الشقة التي اشترتها بحسن تدبيرها لمدخراته. خمس عشرة سنة في شقة واسعة مرت عليها كسحابة صيف، تلتها سنوات عجاف، توقفت في ذلك الوقت عن اجترار الذكريات، وقنعت بحياة أقل من عادية: مسكن ضيق من غرفتين وصالة وحمام رديء التشطيب، وظلت رغم تقلبات الأيام تشاركنا أحلامنا الخاصة، وتكثّر في الليل من الدعاء.
قبل عام تقريباً، قام أخي بمسح التعب من ذاكرته الذي احتملته الأُم لتجهيز شقة تليق به، كل مرة أزورها أسألها عن آخر الأخبار، ترد بحزن بالغ:
- أخوك مصمم على بيع الشقة.
على مدار الشهور الخوالي لم ينقطع اتصاله بالأخ الأصغر بصفته الوحيد المخوّل له التصرف بالبيع بموجب توكيل رسمي من أخيه.
فشلت محاولتنا -نحن إخوته الثلاثة- لوأد رغبته في البيع، أو على الأقل تأجيل الفكرة التي أوحى إليه بها شيطان القمار، وتراجع عن قوله إنه وأسرته سيقضون الإجازة السنوية في شقته الجديدة بمصر، وعن وعده السابق أن أُمه ستبقى بها مكرّمة حتى الممات، في حين تركزت مكالمته الأخيرة على ترتيبات ما بعد البيع، مشدداً على ضرورة تحويل النقود إلى دولارات لأنها -حسبما أوضح- العملة الأقوى عالمياً، وحدد الخطوة التالية بتسليم النقود دولارات إلى صديق نازل إلى مصر فور إتمام عملية البيع.
تتبعت بصرها حين ارتفع إلى برواز معلق بحائط، فتاة في مقتبل العمر، واقفة بجوار عريسها ، وفرع من الورد بيدها يتدلّى إلى منتصف فستان الزفاف، ينظران إلى الكاميرا ويبتسمان للمجهول، انتبهتُ فابتعدت عيناها حتى لا أرى الدموع فيهما.
كان فصل الخريف على الأبواب يوم أخلت الشقة، وتركت دموعها تنهمر بحرية عند عتبة البيت، ثم وهي تغادر الشارع تأسفت على الذكريات المرتبطة به، وكما تفعل كل الأُمهات عندما يصيب أولادهن الجحود، غفرت ونسيت، ربما هدأت نفسها بوجود سوق قريب من المسكن تتردد عليه قبل أن يفرغ من البيت الطعام.
الآن ترى العالم بلا عقل ولا قلب، وتتوقع الأسوأ من الأحداث الجارية. منذ أشهر تنفق من معاش الضمان الاجتماعي، وبعض النقود أقدمها لها مع الدعاء بدوام الصحة. الحق أنها تعايشت مع عالمها الصغير، لكن مساحته أخذت تتضاءل بمرور الأيام والسنين. بعد طهي الطعام وتنظيف البيت، تقضي المساء في مشاهدة التلفزيون، تحب أفلام الأبيض والأسود، وتضحِكها بعض المشاهد في الأفلام الكوميدية، تختفي حينها التجاعيد المتطفلة، والتي تظهر بالوجه كلما تذكّرت فجأة شيئاً يكدّر صفاء نفسها.
رحل إخوتها وأخواتها تباعاً، عدا أُختها الصغرى المقيمة بوسط البلد، داومت على زيارتها حتى ألمّ بها مرض خبيث، قاومت في البداية ثم انهزمت ورحلت مثل الباقين.
- افتكرت خالتك البارحة.
هززت رأسي متأسّياً لحال الدنيا.
تستطرد: جدتك (وهيبة) ماتت حزينة بسبب خالك (كمال) وأفعاله.
- ياه يا أُمي، ماضٍ وانتهى.
اعتادت بعد انتقالها للمسكن الآخر فتح خزانة الذكريات. تستخرج منها بقايا أسماء وأزمنة، تقلّب في صفحات مضى عليها أكثر من عمر بعدما لم تجد في الحاضر من الأيام شيئاً يسُرّها، أذهب لزيارتها بين الفينة والأخرى، ويزورها إخوتي كلما سمحت الظروف.
- قم واغسل يديك.
لا تسأل إن كنت جائعاً أم لا، بل تنهض وتذهب حالاً إلى المطبخ، تعود بصينية من (الألومنيوم)، تنبعث منها رائحة طعام حلوة، أغسل يدي وأجلس إلى مائدة تآكلت حواف سطحها، أرقبها رائحة غادية، تضع طبقاً آخر على المنضدة: بقوليات مطهية، إلى جوارها خضرة طازجة، فلفل وجرجير، وأحياناً باذنجان بالثوم.. فاتحات للشهية.
أشعر بالدفء في شهر يناير رغم برودة أيامه، وأشُمّ رائحة الستر في كل ركن بالبيت، أمد يدى، ألتقط بعض أعواد الجرجير، تجلس قبالتي تشاركني الغداء.
في ظهيرة اليوم اتصلت بها لأطمئن عليها، وأُخبرها بقدومي، لمّا اقتربت من المنزل رأيتها تجر قدميها، وبيدها حقيبة قماش ممتلئة، أسرعت لأحملها عنها، لكنها تخطّت عتبة البيت، واختلّ توازنها على أولى درجات السلم، اندفعت نحوها، لاذت بذراعي، وصعدنا على مهل، تلتقط أنفاسها في الطابق الأول وتقول:
- أفلام الأبيض والأسود كانت جميلة.
- لماذا؟! أتساءل فتجيب:
- كان هدفها دعوة الناس للحب، وعمل الخير.
وصلنا الطابق الثاني، تأوّهت، صعدنا بضع درجات، أكملت:
- والناس كانت طيبة ومتسامحة.
فتحتُ باب الشقة بالطابق الثالث، فور دخولها اشتكت من ألم مفاجئ بصدرها.
- تمددي على الفراش، سوف أعد الشاي فقالت وصوتها متهدج:
- الأول أجهّز لك الأكل.
- ارتاحي يا أُمي.
اتجهت للمطبخ، وضعت براد ماء على الموقد، بينما أنتظر غليانه، مر ببطء أمام عيني شريط من الصور، عربة محمّلة بأثاث منزلي قديم، توقفتْ عند عتبة بيت ضيق مدخله، نزل اثنان من العمال، شمروا أكمام جلاليبهم الصعيدي، وحملوا من العربة أولاً الأغراض الخفيفة، وأُمي واقفة على الرصيف، تنقل بصرها بين العربة والسماء فوقنا، انتبهت لصوتها تتكلم كأنها تخاطب شخصاً معها بالغرفة، أرهفت السمع، تدافع بخار الماء، أفرغته في فنجانين بكل منهما مقدار من الشاي والسكر ، مزجتهما جيداً وحملت أحد الفنجانين إليها، دققت على الباب دقتين ودخلتُ، وجدتها نائمة، وجهها شاحب وخطان من الدموع على خديها، وضعت الفنجان على رف خشبي بجوار سريرها، وقلت لنفسي (أُمي بكت ونامت، يبرد الشاي قليلاً وتنهض لتشربه) ثم تراجعت إلى غرفة المعيشة، لم أهتم بفنجاني، بل جلستُ أحملق في جدار تساقط منه الطلاء، ورأيت ضوء الشمس ينسحب تدريجياً من الأرض والحوائط، داهمني القلق فنهضت، سرت نحو الباب، دخلت الغرفة أخوِّض في الصمت وظلال الغروب اللذين تراكما حول فراشها، ارتطم بصري بالفنجان على الرف، بارد وممتلئ إلى آخره.
هل انتهت الرحلة..؟!
لن أُوقظها لأتأكد من ذلك.
فأُمي الآن نائمة.

ذو صلة