استيقظت ميلاد صباح اليوم التالي على رائحة القهوة التي كانت قد أعدتها هبة الله فكانت في أوج نشاطها، تناولت الإفطار، حملت أوراقها، وعادت لمقر التسجيل كي تكمل ما كانت قد بدأته البارحة. كانت الكلية تعج بالطلبة الذين جاؤوا من كل حدب وصوب. نظرت في كل الاتجاهات تبحث بعينيها عن الرجل العجوز الذي كان قد ساعدها ليلة أمس، إلا أنها لم تعثر له على أثر.
ربما لما يأت بعد، إذ ما زال الوقت مبكراً، فالساعة لم تتجاوز التاسعة. وعلى مشارف الحادية عشرة صباحاً أصابها الهلع وراح القلق يرتسم على ملامحها ووجهها الذي صار شبيهاً بالحزن. فكرت أن تسأل عنه، علّه يجلس في مكان آخر وهي ماتزال تجهل كل الأمكنة هنا، توجهت نحو العابرين، وسألتهم بتخوف أن أين ذلك الرجل العجوز؟ شارحة لهم صفاته الشكلية والجسمانية، وبأنه كان يبيع هنا على طاولة خشبية أوراقاً وأقلاماً ومصنفات للطلبة. بعضهم قال عنها: إنها تتوهم.. وآخر ابتسم بسخرية.. ثالثة قالت: إنها تهذي وراحت تقهقه أمام صديقاتها، ورابع نظر لجسدها القصير وراح يهز رأسه ويحوقل. تنبهت ميلاد لنفسها وتمتمت متسائلة: رباه.. هل فعلاً كنت أهذي؟ من يكون ذلك الرجل؟ اقتربت من إحدى النوافذ وقدّمت أوراقها للموظفة، قلّبتهم هذه بتذمر وردّت عليها بشيء من العجرفة:
- عليك أن تخضعي أولاً لفحص طبي، ولجنة الفحص تقرر ما إذا كنت تُقبلين بهذا الفرع أم لا؟ شهقت ميلاد جزعة: ولِمَ لا أُقبل؟
- أجابتها الموظفة اللئيمة بتأفف: هذا الفرع يلزم طلابه القيام برحلات ميدانية، وذلك كما تعلمين يحتاج للسير على قدمين سليمتين، وكما يبدو لي أنت قد لا تستطيعين القيام بذلك.
- ردّت ميلاد بصوت مخنوق:
قولي لي يا آنسة ما الذي عليَّ الآن فعله؟
- أجابتها بلا مبالاة:
عليك التوجّه لغرفة الفحص الطبي، وهناك يقررون، أنا لا أستطيع أن أفعل لك أكثر مما فعلت.
تأبطت ميلاد عكازيها وما لديها من أوراق وراحت تحث الخطى بقلب يدمع. لمحت من بعيد على باب ليس بالكبير لوحة كتب عليها لجنة فحص الطلبة، خفق قلبها خوفاً من النتيجة وانهيار الحلم بلحظة، وذلك لسبب ليس لها يدٌ فيه. إلا أن يداً خفية أسندتها مرة أخرى من الخلف فوقفت بثبات، نظرت بتأنٍ، عاينت المكان بعيون كأنها عيون زرقاء اليمامة ثم ناجت ربها: يا رب كن معي. صارت ميلاد بالقرب من الباب، راحت أسنانها تصطك، شعرت بقشعريرة تسري في كافة أنحاء جسدها، لكن اليد القوية أعادت إسنادها، وسمعت صوتاً من بعيد يقول لها: لا تخافي ولا تحزني أنا معك.
عندما صار بينها وبين الباب خطوة لا أكثر، صوبت نظرة للداخل، رأت طاولة ممتدة بشكل زاوية، كانت قريبة من الباب، أسندت عكازيها على الحائط الخارجي، ثم أسندت يدها اليسرى على طرف الباب فخطت خطوة نحو الأمام، إذاك قامت بإسناد اليد اليمنى على طرف الطاولة من الخارج لتخطو الثانية وبذلك تصبح أمام اللجنة مباشرة.
ثلاثة من الأطباء كانوا يجلسون خلف الطاولة يشربون العصير، ألقت عليهم السلام بابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الخوف والحزن، ردوا بوجوه متبسمة، فأشرق في داخلها بصيص أمل. ناولت أحد الأطباء ما لديها من أوراق، قلّبهم طبيب آخر بغير دقة، كان ذا وجه بشوش ناعم وعيون سود تلمع كالنجوم في وسط الليل، بينما راح الشيب يتمايل على رأسه كما تتمايل هي على عكازيها، راحت تنظر إليه وتقرأ وتتلو أدعية كانت قد حفظتها عن جدتها لأمها عندما كانت تريد لأمر أن يتم بلا عراقيل.
بعد أن تفحص الأوراق ورقة ورقة قال لها وهو يلقي عليها نظرة مليئة باللطف: أين المشكلة يا آنسة؟
قالت له بكل ثقة:
أنا لا أرى أية مشكلة، لكنهم أرسلوني إلى هنا.
قال لها أحدهم وهو يبتسم وكأنه يريد أن يُعلمها أنه انتبه كيف وضعت عكازيها خارجاً: موافقون نحن، ونتمنى لك النجاح. لا تدري كيف خرجت من الغرفة، كانت تلهث وهي تلتفت للخلف خوفاً أن ينادي عليها أحدهم مكتشفاً ما قامت به فتخسر حلمها. لما اقتربت من الباب الخارجي مالت برأسها للخلف لتجد أن الأطباء الثلاثة يقفون على باب الغرفة يلوّحون لها بأيديهم ويضحكون، فلوّحت لهم بعكازها واختفت وسط الزحام.
انتهت من التسجيل عند الساعة الثانية ظهراً، استقلت سيارة أجرة باتجاه الكراج، حجزت للعودة إلى البلدة، وانطلقت الحافلة، أخرجت من حقيبتها ورقة صفراء وراحت تعيد قراءة ما كتب عليها، الطالبة الجامعية ميلاد، الفرع جغرافيا، السنة الأولى. طارت فرحاً، ثم راحت تكتب على ورقة صغيرة:
(ما بدي عرس وزينة... ع الكلية وديني...
عروس للعلم اهدين... هيدا عرس بيلبق لي).
حين وصلت البيت راحت تسرد لهم أدق التفاصيل التي مرّت بها، فتمنوا لها التوفيق. أمضت مع أهلها عطلة نهاية الأسبوع وعادت لتكمل الحلم الذي رافقها خمسة عشر عاماً.