دعَتْنا ابنتي إلى المكوث في بيتها مدّة أسبوعيْن تقضيهما، هي وزوجها وأولادها، للاصطياف في بلدٍ مجاور.
لم تقل شيئاً عن أسبابها للإصرار على حلولنا، أمّها وأنا، في بيتها في أسبوعيْ غيابها عنه. اكتفت بالقول سنسافر، نحنُ والجهّال -هكذا تُسمّي أولادها- أسبوعين، وأنتما ستحلّان في بيتنا. حسمت الأمر ببراءة، في مكالمة بالهاتف، وضحكتْ بدلال وهي تضع استجابتَنا التي لم يكن منها مفرّ، تحت تصرّفها. ثمّ سمعناها تعتذر لتردّ على نداء زوجها العائد إلى البيت.
كلانا قدّر أنّها تريدنا أن نقوم بحراسة بيتها خوفاً من احتمال تعرّضه لحريق بتماسٍّ كهربائي، أو لسرقة، احتمال تخاف أن تخسر، بسببه، الآثار المبجّلة لحياتها التي شقيت من أجلها طويلاً. لعلّها فكّرت أنّ المرء يرتكب خطأً، لو جازف فأقفل بيته، وغاب عنه أيّاماً متّصلة تنفيه عن صلته عن به.
بالنسبة لعجوزيْن تخطّيا السّبعين، خبيريْ حياة بيتيّة عريضة، مثلنا، يعرفان طبائع البيوت، كحواضن حيّة تستشعر، وتُقيم وزناً لكلمتها في ما يجري داخلها. تستجيب، أو تعصي، تتقبّل أو تعاند، تُكافئ، أو تُعاقب. نوشك، نحنُ الاثنين، على الإيمان بأنّ البيوت تعقد، في السّرّ، مواثيق إقامة غير مكتوبة، مع ساكنيها، وفي كلّ ميثاق تعيش شروطها الخاصّة لتقديم خدماتها. البيت مشغل حياة بحسب ميثاقه السّريّ، ولا بدَّ من وضعه تحت مراقبة حكيمة، دائمة تختبر أداءَه في إنجازه وظائفه بكفاءة وسلام على مدى اللّيل والنّهار، فلا يفقد صلته بإيقاع الحياة من حوله، ولا يعدِم نصيبَهُ من الهواء، والضّوء، والحركة، والصّوت، ومن دون ذلك، كلّه، ينقلب البيت على ميثاقه، يتمرّد، يستوحش، يكتئب، يخرس، يخسر شعورَه بذاته، تُهجرهُ روحُه، ولن يبقى منه في منبتِهِ إلّا حجر. لعلّنا، نحن المُثقَلَيْن بغرام البيوت، وقعنا تحت دفق شعورنا، وقد حللنا فيه، بضرورة أن نصل روحَهُ بروحيْنا، لتثقل في أرجائه الحياة، فيستقرّ في موقعه، ويمضي أبعد في وظيفته كبيت. كان علينا، أوّلاً، أن نُعرّفه بمن نكون نحن، وما نكنّه له، ولهذا حرصنا، وقد عبرنا عتبته، على أن نطوف في أنحائه كلّها، نُطلق أنفاسنا هنا، وهناك، ونلمس أشياءَه بمصافحات رقيقة، حانية، بل حرصنا على أن نبذر كلمة وأخرى في الغرف، وفي الفضاءات، وحول الأسرّة، ليكون صوتانا أليفيْن لكلّ ما استقرّ فيه، وسكن. كانت كلماتنا تعبيراً عن الولاء لروح البيت لتطمئن، وتقرّ، وتتقبّلنا.
تحار زوجتي، وتغرق في صفنة، أقول لها نحن من نقوم بتأليف البيوت، ثم تقوم، هي، بإعادة تأليفنا.
وسط مجمع سكني استُحدث قريباً في بريّةٍ اعتزلت مركز المدينة، واسترخت بعيداً عنه إلى الشّرق من شطّها الشّهير؛ ابتنت ابنتي بيتها. هناك قُطّع المكان الخالي بعدما تمّ وصلُهُ بكهرباء، وماء، إلى مربعات ومستطيلات بمساحات متفاوتة، شُقَّت بينها، وحواليها طرق معبَّدة على مساحة اتّسعت لاستيعاب حياة هاربة من اكتظاظ المدينة الأمّ، وضجيجها، وغلاء عقاراتها. وفي الحال أحيط المكان بمكاتب مستثمرين عقاريّين دهاة، استرخوا على مقاعد دوّارة، وفرشوا بين أيديهم، وتحت وهج مصابيحهم السّاطعة، خريطة عريضة لأرض اخترعوا لها اسماً، وباعوها قِطَعاً لمتنافسين على مواقعها من العابرين بأحمالهم من وراء الشّطّ.
بيت حديث لم يمرّ على بنائه تامّاً، ثم تأثيثه، وتدشينه؛ إلّا بضعة أشهر، بطراز البيوت العصريّة بواجهاتها المصمّمة بآخر صيحات العمارة المنزليّة التي تسابق معماريون بأمزجة بنائيّة حديثة على عرض نماذجهم لها على صفحات شركاتهم في مواقع التّواصل الاجتماعي.
أراقبُ زوجتي، سليلة المتاعب، وراعية الحياة في بيوتنا القديمة، وهي تنثر كلماتها بهمسٍ رقيق بين أشياء، بدتْ لكليْنا مرتابة، لترسخ في منابتها، وتَقَرّ بوجودنا معها.
أطوف في أجنحة البيت وأبهائه وأعرض نفسي على ما حولي ليتعرّف عليّ، في استقراره اللّطيف في موقعه، وتآخيه مع غيره، كما لو أنّ كلّ شيء اختار موقعه في المكان، واكتشف طاقتَه في حدوده. تتبعني المدام، ولا تكاد تلحقني، جائلاً في الغرف، بين الأثاث، صاعداً سُلّما أو هابطاً، مباركاً ما في المطبخ من أغذية وأجهزة متحفّزة للعمل، وقيد الاستجابة الرّخيّة، مبهوراً بالسّطوع الفيّاض في المصابيح، والثريّات، وبزهو السّجاجيد المفروشة هنا، وهناك، تحت وهج الإنارة في أعشاش السّقوف، منصتاً لنداءات الأفرشة الوثيرة المنسرحة في هناءاتها بالآثار الخفيّة للأجساد التي رقدت، وحلمت طويلاً بين طيّاتها، منبهراً بالحضور الشّبحي المحبّب لروح البيت وهي تشعّ هنا وهناك، وتستجيب، ومعها يتّسع المكان، وكما لو أنّني مسيح هذا البيت رحتُ ألمس ما حولي بحنان وأغبطه على نعيمه.. من أجل أن تبقى روح البيت. مع نفسي قلت لعلّها تشعر بأنّ روح بيتها المستولدة فيه حديثاً ما تزال طفلة غرّة، قد تستوحش البيت في غياب راعيته، وقد يقضي عليها الاستيحاش، ويخسر البيت، بذلك، أهمّ قوى حياته، ووجوده، ومعناه: روحُهُ. أكان هذا شعورها أم شعورنا نحن أمّها وأباها اللّذين ربيا أرواح بيوتهما على مدى عمريهما، ولبثت معهما على الدّوام، واستقويا بها على حوادث الأيام وتقلباتها؟! رائحة الأوقات التي قضتها هنا، وظلال تفكيرها التي تسرّها في أيّامها القادمة تطوف في كلّ فضاء، وتتمدّد في كل ركن.
تقع أحداث ناعمة، يفلت ماعون من بين أصابع مرتجفة، يسقط على الأرض ويتكسرّ وتتبعثر شظاياه، ونخشى من وقوع أصداء تكسّرِهِ في أذن صاحبته المسافرة. أو يخطف ظل عابراً بسرعة، نتعقّبُهُ بالنّظرات، لكنّ لساناً من الضّوء سرعان ما يهبّ إليه، ويجذبه إلى مكمنه.
بين وقت وآخر دأبت -ابنتي- على الاتصال بنا هاتفيّاً. أتخيّلها بعينيْن مبهورتيْن في محيط قلعة قديمة انتصبت بين الأحراش على سفح جبل، أو غاطسة إلى الرّكبتيْن في موجة هادرة على ساحل بحر، أو عالقة في سوق عتيق من أجل إحدى الأنتيكات، أو في شرفة فندق تُطلّ على مياه شلّال تهدر في قاع وادٍ، ترفع هاتفها، وتلتقط صوراً، وتبتهج، ويعنيها جدّاً أن نراها في صورة، ونسمعها في صوت:
- ها! اشلونكم؟ خو ما ضايجين؟
تحرص على رفع صوتها عبر حاكية الهاتف، وكأنّ سؤالها موجّه إلى بيتها:
- ها! اشلونك؟ خو ما ضايج؟!
واستغربنا أنّها سكتت عنّا، لكنّها لم تُغلق هاتفها، ولبثنا معها على وقع أنّفاسها تتلاحق، وكأنّها رغبت في أن تُنصت إلى ما حولنا بإصرار قبل أن تُنهيَ مكالمتها.
في الظّهيرة سمعنا طرقاً على بوابة البيت، كانت هناك امرأة في نحو الأربعين انتصبت بثياب سود. قالت بوجه شاخب، وجبين معرورق، إنّها محصورة، وبحاجة إلى استعمال مرحاضنا. شككنا، كلانا، ثم تلقّت المحصورة من زوجتي شيئاً كهذا: نحن مجرّد حارسيْن هنا. واعتذرت قبل أن نغلق البوابة.