قررت أن أفعلها اليوم، بعد تردد وتفكير طويل.. أخذت المفتاح من مكانه الذي وضعته فيه، منذ ثلاث سنوات. توجهت على الفور لغرفة أبي وفتحت الباب، دلفت قدماي إلى الداخل، وبدأت أخطو ببطء شديد. سرت قشعريرة بجسدي. بقي كل شيء على حاله، إلا من بعض الأتربة على المنضدة والحيطان، احتواني عبق المكان، تداعت إلى أذناي الأصوات، وأخذت المشاهد بذاكرتي تعود من جديد.
يأتي أبي من العمل ويلقي علينا السلام، ثم يدخل مباشرة إلى هذه الغرفة، في إثره أمي، كما هي عادتها، تتلقاه بابتسامة ساحرة خاصة به. وقت أن كنت صغيراً كانت هذه الغرفة مشاعاً لي، واستطعت أن أرى أمي وهي تخلع عنه ملابسه وتضعها في مكانها. ألهو أنا في ألعابي بينما هما يتحدثان عن الحياة ومشاكلها والعائلة وأحداثها الاجتماعية. أحياناً كانت عيناهما تشعان بالفرح والسعادة، فيقبل جبينها، وبعد ذلك ينظران إلي، فأبتسم في خجل، ولكن في الحقيقة كنت سعيداً بداخلي، لسعادة أبي وأمي، وجو الاطمئنان الذي نعيشه، وتميزنا به، دون صراخ، ودون عنف، والذي كنا نسمعه من جيراننا في السكن.
لم يكن أبي غنياً، لكنه موظف مستور الحال، وكان ذكياً يدير بيته بأقل القليل، ولم يحتج إلى أي أحد، وكان اجتماعياً لا يفوت مناسبة فرح أو حزن للأقارب أو الجيران حتى يحضرها. لكن سعادته الوحيدة هي أمي، نعم، بلسم جراحه وحبه الوحيد والأخير، هكذا كنت ألاحظ، وما عرفته من ذلك الدفتر القديم، لقد أضاء لي جوانب من نفس أبي الداخلية، التي خمد بريقها منذ أصيبت أمي بما أصيبت به.. لم أكن أعرف أن الحياة، عندما تفجعنا بمن نحب، تترك جرحاً عميقاً كبئر ليس له قرار.
رحت أفتح دولاب ملابسهما، موجودة كما تركوها، فقط راح خيالي وذاكرتي يسترجعانهما وهي عليهما. أمي كانت جميلة في هذا اللباس الشيك المحتشم، كانت تفضله في الخروج، وكان أبي يثني عليها عندما ترتديه لمناسبة ما. أما هو، فكان كل ما يرتديه جميلاً وأنيقاً، كنا أسرة سعيدة بمعنى الكلمة.
لكن الزائر الغامض لم يكن يريد السعادة لنا، بل جاء ليأخذها ويحرمني منهما. عثرت على الدفتر بمحض الصدفة في الدولاب، لقد تحول إلى اللون الأصفر. أخذته بعناية، فهنا سيتحدث أبي إلي، كم اشتقت إلى حديثه الممتع. آه.. لو يعرف الأبناء قيمة الآباء الغالية، آه.. لو يعرفون حلاوة صوتهم في دنياهم، لقبل كل ابن قدم أبيه كل يوم. ولكن أبناء هذه الأيام في غفلة حتى يفجعوا مثلي بغيابهم.
راح ضوء المغيب يتسلل بحذر خلال النافذة. جلست على حافة السرير الذي احتواهما معاً، أقلب الصفحات. عاش أبي معنا حياة سعيدة، لذا لم يفكر أن يكتب شيئاً، لكن حين زارنا من بدد سعادته، راح يبث شكواه بواسطة القلم والدفتر حتى لا يشكو لي ويصيبني بالحزن مبكراً، أصبح الآن قديماً. يا لهذه الدفاتر! كم خففت عن بني البشر الألم، تماماً مثلما فعلت مع أبي. رحت أقرأ الكلمات وأتمثلها بصوته الحنون الهادئ:
(.. يغزوني قلق هذه الأيام من هول ما يترك هذا الشيء من ألم، وما يتركه العلاج من أثر، لكني أشجعها على تجاوز المحنة. قلت لها: من أجل ابننا يجب أن نقاوم، لا تستسلمي له..)
انحدرت دمعتان مني هنا، ورحت أنهج...
(تقدم بسيط يحدث لحالتها، لكن أذكرها بالإيمان بالله وبقدره.. يخفف عني أن ابتسامتها لي لم تتغير رغم كل شيء، وأنها لم تفقد الأمل في الشفاء طوال تلك الفترة).
رغم أن أمي في هذه الحالة، لكن أبي فقط هو من حمل العبء، ولم يشركني في شيء لصغر سني. لكني قلبت الأوراق وتابعت القراءة:
(أسر لي الطبيب أن المرض الخبيث انتشر بجسدها، وكثف الجلسات...)
هذه الأيام رأيت الحزن متجسداً على وجه أبي.
(... أخذت ابني اليوم لرؤيتها بعد طلب الطبيب. قبلتها على جبينها، واحتضنت طفلنا.. ابتسمت لها وابتسمت لي قائلة... لا تحزن، فهناك.. الفرح الدائم).
قرأت كثيراً في دفتر أبي تفاصيل لم أكن على دراية بها، لكنه في آخر صفحة كتب:
(أشعر أني قريباً سألتقيها).
منذ ثلاث سنين كنت بجوار أبي في المشفى، عانى كما كانت تعاني تماماً من الزائر الغامض، لكني عانيت من ألم الفقد لحبيبين غاليين. كان أبي في غيبوبته الأخيرة، راح يبتسم لأمي كما كان يفعل، ورأيته يطبع قبلة في الفراغ، وسمعته يقول: ألم أقل إني سألقاك قريباً؟ ها أنا ذا عدت إليك..
أغلقت دفتر أبي، واحتويته إلى قلبي، وفي رفق أغلقت باب الحجرة.