يُعدّ عبدالمنعم عبدالحي واحداً من أعظم روّاد الشعر الغنائي في السودان، ولقد أسهم في تشكيل الأغنية السودانية الحديثة، لقد كان صاحب مشروع فني متكامل، سعى من خلاله إلى بناء هوية غنائية تعبّر عن ملامح السودان من جميع النواحي، امتاز بقدرته على المزج بين روح البيئة السودانية الأصيلة وتيارات الحداثة الموسيقية، فخرجت أعماله معطرة بنسيم الأرض، مرتوية بمياه نيلها العذب.
وُلد عبدالمنعم عبدالحي في الخرطوم عام (1922م) وتوفى بالقاهرة عام (1975م) ، نشأ في بيئة متعددة الثقافات تنتمي إلى أصول قبيلة (الدينكا) في الجنوب، كانت هذه الخلفية وتنقله بين المدن وسفره إلى مصر مصدر ثراء روحي وثقافي انعكس في نصوصه الشعرية التي جمعت بين الحس الأفريقي والذائقة العربية.
نشأ في أسرة محبة للفن، فتأثر بوالدته التي كانت تنشد القصائد، مما زرع في داخله مبكراً حسّ الإيقاع واللغة، كما تأثر بشقيقه (أحمد) الذي كان عازفاً بارعاً لآلة كمان، شارك في مصاحبة رواد (فن الحقيبة) مثل الفنان محمد أحمد سرور وعبدالكريم كرومة.
و(فن الحقيبة) هو أقدم شكل من أشكال الغناء السوداني الحديث، وقد ظهر في بدايات القرن العشرين، ويعدّ هذا الفن المرحلة التي انتقلت فيها الأغنية السودانية من الطابع التقليدي البسيط إلى شكل أكثر تنظيماً وتأثيراً، وسُمّي بـ(الحقيبة) نسبة إلى برنامج إذاعي قديم كان يُبث من الإذاعة، تُحفظ فيه تسجيلات الأغاني ويُقدّمها للمستمعين، فأصبح الاسم لاحقاً عنواناً لهذا اللون الغنائي كله.
يعتمد (فن الحقيبة) بشكل أساسي على الصوت البشري والكلمة الشعرية، دون استخدام واسع للآلات الموسيقية كما هو الحال اليوم، فكان المغني يؤدي الأغنية بمصاحبة إيقاعات بسيطة، مثل التصفيق أو (الدلوكة) أداة عزف سودانية، وأحياناً بمشاركة مجموعة من المنشدين يرددون خلفه، وتتميّز كلمات أغاني الحقيبة بجمالها اللغوي، حيث تمزج بين العربية الفصحى والعامية السودانية بأسلوب جميل، وتدور موضوعاتها في أغراض مختلفة للشعر.
تلقى عبدالمنعم تعليمه في مدارس أم درمان، حيث درس في مدارس الخرطوم المرحلة الابتدائية والمتوسطة، وخلال هذه المرحلة، بدأت ملامح موهبته الشعرية في التشكّل، حيث كتب أولى محاولاته، وفي عام (1943م)، انتقل عبدالمنعم عبدالحي إلى مصر، حيث أقام في القاهرة، وهناك أكمل دراسته، والتحق بالكلية الحربية، ثم انخرط في الخدمة العسكرية داخل القوات المسلحة المصرية، وبلغ مراتب متقدمة حيث أصبح ضابطاً في الجيش المصري، ولقد أوضح في لقاءته الإذاعية أنه طوال فترة الدراسة بدأ يفقد الحِسّ الشاعري لديه، بسبب الانشغال الدراسي، وفي إحدى الإجازات ذهب إلى بيت شقيقه في القاهرة وتفاجأ بوجود فنانين من (فن الحقيبة) أصدقاء وزملاء يتغنون أغاني أصيلة وشقيقه يعزف الكمان كنوع من الاحتفال، هذا المشهد والصوت أعاد ذاكرته وكأنه أنقذه من غرق، فهذا الفن في داخله لا يحتاج سوى قطرة صغيرة وتعود فيضانات الشعر والأغنية إليه، ومن بين الفنانين تواجد الفنان الكبير سيد خليفة وإسماعيل عبدالمعين، وكتب قصيدة عن مصر بعنوان (أرض الكنانة).
اتسمت قصائده بلغة سلسة قريبة وسهلة، لكنها في الوقت ذاته عميقة ومشبعة بالدلالات الإنسانية، كتب بالعامية السودانية، كما كتب بالفصحى، رغم بعده عن السودان كانت جميع قصائده وطنية بحتة، بمواضيع متنوعة منها الغربة، والهوية مثل قصيدته (نار البعد والغربة) التي عبّرت بصدق عن وجع الاغتراب وشوق العودة، وكذلك الحب والحنين مثل قصيدته (يا جمال دنيانا) التي تغنّى بها الفنان (إبراهيم عوض) وغيرها من الأغراض الشعرية.
من أبرز إنجازاته الفنية إدخاله إيقاع (المامبو) إلى الأغنية السودانية، بالتعاون مع الفنان سيد خليفة وقد شكّل هذا المزج بين الإيقاع اللاتيني والسلم الخماسي السوداني ثورة موسيقية حقيقية، وألّف أغنية بعنوان (المامبو السوداني) ولها قصة طريفة حيث كان عبدالحي يتجول مع سيد خليفة في القاهرة، دخلا إحدى دور السينما لمشاهدة فيلم عنوانه (Anna) حيث أبهرتهم رقصة الممثلة (سيلفانا مانجانو) على إيقاع المامبو، عندها التفت سيد خليفة إلى عبدالحي قائلاً بلهجة محلية: (أنا عايز أغني إيقاع زي ده!)، فاستجاب الشاعر وبدأ كتابة كلمات أغنية شعبية جديدة بروح سودانية وفن غربي، من الأغنية:
(المَامْبُو دا سُودَانِي
المَامْبُو في كِيَانِي
في عُودِي وكَمَانِي
ما أجمل ألحَانِي
يا حبيبة ما أحْلاكِي
المَامْبُو في غُنَاكِي
اللَحْنُو خَلاّكِي
تِتْمَايَلِي في خُطَاكِي)
نجح عبدالحي في تطويع الإيقاع العالمي ليتناغم مع الخصوصية السودانية، وعندما قُدمت الأغنية على مسرح (أوبرا كازينو) حققت نجاحاً مذهلاً، وأصبحت رمزاً للبهجة في السودان، وسفيرة للأغنية السودانية في العالم العربي.
كتب عبدالمنعم عبدالحي لعدد كبير من كبار الفنانين، وأسهم بوضوح في تشكيل مسيرتهم الفنية وصناعة نجاحاتهم، إذ تغنّى بكلماته نخبة من رموز الغناء السوداني، في مقدمتهم سيد خليفة الذي قدّم من كلماته أعمالاً خالدة مثل (المامبو السوداني) و(إزيّكم) و(نانا)، كما تعاون مع عثمان حسين في أغنية (يا ليالي المصير)، ومع إبراهيم الكاشف في (أسمر جميل)، وكتب لأحمد المصطفى أغنية (أنا أم درمان)، وكذلك لعبدالعزيز محمد داؤود (أحلام العذارى)، كما ترك بصمته مع الفنان الكبير حمد الريح في أغنيتي (يا ماريا) و(نار البعد والغربة)، وغيرهم الكثير من الفنانين، لتشكّل هذه الأعمال مجتمعة جزءاً أصيلاً من إرث الغناء السوداني الحديث، وقد تميزت هذه الشراكات بقدرتها على إبراز خصوصية كل فنان، مع الحفاظ على بصمة الشاعر الواضحة.
رحل عبدالمنعم عبدالحي، لكنه ترك خلفه إرثاً فنياً خالداً، لا يزال يتداول حتى الآن في المحافل الشعبية السودانية، لقد استطاع أن يحوّل الغربة إلى قصيدة، والحنين إلى لحن، وأن يجعل من الكلمة السودانية رسولاً للجمال عبر الحدود العربية، سيظل اسمه مرتبطاً بكل محاولة جادة لتأصيل الأغنية السودانية وتحديثها، وسيبقى نموذجاً للشاعر الذي ينبت من تراب أرضه، ويتجذر خارجه، حاملاً ثمار وطنه إلى العالم.