مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

HALF MAN.. ما معنى أن تكون رجلاً؟

بعد النجاح المُدوي الذي حققه مسلسل ريتشارد غاد السابق (Baby Reindeer)، يعود مرة أخرى ليضرب على أوتار العلاقات الإنسانية الممزقة، ولكن هذه المرة بين أخوين متضادين في كل شيء، ومتشابهين في جرح واحد. يختبر غاد من خلال علاقتهما عدداً من الأسئلة، التي تأتي كتنويعات داخل مشروعه الفني، الذي يستكشف الضعف الإنساني في صورته المتطرفة، فمن سيدة تخشى الهجر العاطفي أكثر من الموت، وتلاحق وتحاصر شخصاً أظهر لها أبسط درجات التعاطف، إلى رجل يدمر حياته وحياة جميع من حوله إلى الأبد، لأنه يعاني من أقصى درجات الإنكار. يظل التطرف حاضراً في أعماله لا كخيار فني فقط، ولكن كنتيجة طبيعية لمأساة الشخصيات، التي لا تستطيع النظر إلى جرحها ومعالجته. على السطح تبدو الشخصيتين الرئيستين في أعمال غاد كطرفي نقيض، أحدهما يبدو كوحش مفترس، والآخر هو ضحيته أو رهينته، ولكن مع تطور الأحداث تهتز تلك الانطباعات، ويعيد المتفرج بناء صورة أكثر وضوحاً، صورة تتحدى الأحكام المتسرعة.
اختيار عنوان (نصف رجل) للمسلسل يدخل بنا مباشرة إلى واحد من الموضوعات الرئيسة التي يناقشها، الرجولة. حيث يضعنا العمل أمام نموذجين معاكسين تماماً للرجولة، النموذج الأول هو (روبن)، يمثل في صغره الرجولة من الزاوية الفسيولوجية، حيث القوة البدنية والقدرة على الحماية وإثارة الفتيات وفرض السلطة والمهابة النابعة من خشية غضبه الهادر، كما يمثل في مرحلة الرشد الرجولة من زاوية التحقق المادي، حيث يتقاضى راتباً يضعه ضمن صفوة المجتمع الإنجليزي، ليس فقط اقتصادياً ولكن كمكانة اجتماعية، يسكن في منزل كبير، لديه سيارة فاخرة وزوجة جميلة تعشقه. كما أنه يُعيل من حوله مادياً. باختصار يحتكر روبن كل معاني الرجولة في شكلها الظاهري.
بينما يمثل (نايل) الصورة المناقضة تماماً، ففي صغره وعلى الرغم من كونه صبياً نابهاً، وقارئاً جيداً، وذكياً عاطفياً واجتماعياً، وبوصلته الأخلاقية منضبطة، إلا أنه مثار سخرية زملائه في المدرسة بسبب ضعف شخصيته وضعفه البدني، بينما في مرحلة الرشد يكون قد أخفق في الالتحاق بجامعة مرموقة، وبالتالي يعيش فشلاً مادياً واجتماعياً مزرياً، ويعتمد أن يُعيله الآخرون، فضلاً عن الهشاشة النفسية وبوصلته الأخلاقية التي ضرب بها عرض الحائط.
من هذا التباين بينهما، يطرح العمل عدداً من الأسئلة، مثل: كيف يصنع الرجال تعريفهم للرجولة؟ وماذا يحدث عندما يبنون هويتهم كلها على هذا التعريف؟ وهل يحتاج الرجل دائماً إلى إثبات قيمته؟ وربما السؤال الأهم هو: من الذي يملك حق تعريف الرجولة من الأساس؟ نايل الذي نشأ بلا قدوة رجولية، بسبب وفاة أبيه وهو دون الثامنة، ومع أم لا تتوقف عن إهانته والتقليل من شأنه، يجد في روبن تعريفاً منطقياً للرجولة، فبينما ينسحق هو تحت أقدام زملائه في الفصل الذين يسخرون منه بأسوأ الطرق، يتدخل روبن لحمايته ويلقن كبيرهم درساً يجعله يتجنب نايل، وهكذا يبدأ في اكتساب الاحترام والمهابة المستمدة من قوة روبن.
اللافت أن روبن يحاول مساعدة نايل بتعليمه الملاكمة واكتساب القوة الجسدية، ولكن نايل يكتفي بأن ينزوي تحت ظل روبن، المشكلة تستمر عندما يذهب إلى الجامعة. فبعد يوم واحد من الحرج الاجتماعي الطبيعي بسبب محاولة الاندماج في مجتمع جديد، يقرر أن يلجأ إلى روبن رغم تحذيرات أمه، وطلبها الواضح بأن يخوض الرحلة وحده حتى يتعلم الاستقلالية النفسية، نتيجة لتلك الانهزامية يتورط روبن بسبب سوء تفاهم في قضية اعتداء عنف على أحد زملاء نايل، اعتداء كاد أن يفقده حياته، وبالتبعية يتورط نايل باعتباره الشاهد الوحيد في القضية، ويدخل في معضلة أخلاقية بين قول الحقيقة وبين تبرئة أخيه.
وبينما يرتبط مفهوم الرجولة في الصغر بمفاهيم أبسط، مثل القدرة على الدفاع عن النفس أمام مشاغبي المدرسة، أو القدرة على الاندماج مع الجنس الآخر في الجامعة، فإن الرجولة تتخذ في حياة البالغين أبعاداً أشد تعقيداً وحساسية، لأن الرجل في هذه المرحلة أصبح عارياً اجتماعياً، بمعنى أنه لم يعد من المقبول الاختباء خلف الحجج والتبريرات مهما بلغت صحتها، مثل معاملة الوالدين، أو الظروف الدراسية، أو الأزمات النفسية، المجتمع يعامل الرجل بقسوة عندما لا يكون قادراً على تأمين حياة كريمة، وتزداد القسوة في المجتمعات الرأسمالية، خصوصاً في العصر الحديث مع تزايد خطاب أن الفقر هو مسؤولية الفقراء.
نايل في هذه المرحلة يتحرك من مرحلة الغيرة، إلى مرحلة الانتقام الأعمى! فبينما تفشل روايته الأولى في تحقيق أي نجاح يُذكر، وبينما يحاول أن يستدين من أمه ومن أصدقائه، يفاجأ أن روبن قد خرج من السجن قبل عامين، ليس هذا فحسب، بل أنه وعلى الرغم من سجله الإجرامي وافتقاره إلى أي تعليم محترم، فقد حصل على وظيفة براتب خيالي ويعيش حياة مترفة وفي مكانة مرموقة، ذهول نايل يقوده إلى التحقق من تلك المعلومات والشعور بالحسرة والغضب، لأنه يجعل فشله فشلاً مضاعفاً، لأن روبن بالتأكيد قد عاش حياة أسوأ وأصعب، ولا يتمتع بأي قدر من ذكاء أو موهبة نايل، ورغم ذلك فقد تحقق مادياً واجتماعياً بهدوء وفي عامين فقط، ولكن الأمر يأخذ أبعاداً أشد تعقيداً، عندما تعترف له أمه، أن كل الأموال التي استدانها منها، هي في الحقيقة أموال روبن، مما يعني أن روبن لم ينجح وحسب، بل إنه هو المعيل الرئيس له.
من هنا ندخل إلى طبقة أعمق من الصراع، فالصراع الحقيقي ليس بين الأخوين، رغم أن المسلسل على مستوى الحبكة يبدأ وينتهي به، بل حتى أنه يستعير ملمحاً من ملامح الصراع بين قابيل وهابيل ويُعيد معالجته هنا بأبعاد مختلفة فكرياً ونفسياً، لكن الحقيقة هي أن كراهية الذات هي المحرك الخفي للأحداث. من الممكن قراءة ذلك البُعد بسهولة عند شخصية نايل منذ البداية، فهو صبي يعاني من الاغتراب، يكره نفسه ويكره أمه، لا يحاول أن يفهم طبيعته الشخصية أو يتصالح معها، يكتفي بالإنكار والرفض، ذلك الإنكار هو ما يقوده إلى سلسلة من التصرفات الحمقاء، التي تُسبب الأذى النفسي والجسدي لجميع من حوله، وللمفارقة، يكون على رأس المتضررين هو روبن نفسه!
بينما في الجهة الأخرى، يعيش روبن طفولة قاسية، تُترجم إلى سجنه لعامين في إصلاحية الأطفال، قبل أن يعود إلى المنزل ليشارك نايل غرفته، ومن هناك نفهم تدريجياً من خلال تتابع المعلومات التي يكشفها السيناريو بصنعة احترافية، أن كل ذلك العنف يُخبئ خلفه طفلاً مذعوراً لا يجد سوى القوة البدنية كلغة للشعور بالأمان، بينما هو في الحقيقة يبحث عمن يحتويه ويجعله يتصالح مع نفسه، فإذا كانت أزمة نايل هي أزمة وجودية في الأساس، فإن روبن ضحية حقيقية بشكل مباشر لطفولة مُسيئة، نتج عنها مشاعر عميقة بالخزي، وهو الخزي الذي سيتضاعف وهو بالغ، عندما يكتشف عجزه عن الإنجاب، ما سيجعله يتشكك في شريكته وتزداد وتيرة العنف، رغم كل النجاح المادي والاجتماعي الذي يعيشه.
مفهوم الرجولة الذي يناقشه المسلسل إذن، يقترب من مفهوم (الرجولة المهيمنة) الذي طرحته عالمة الاجتماع الأسترالية رايون كونيل في كتابها (Masculinities). تقول كونيل إنه لا يوجد نموذج واحد صحيح للرجولة، وإنما ترى أن كل مجتمع يصنع نموذجاً مثالياً للرجل، يمنحه المكانة الأعلى، ويصبح المعيار الذي يقيس الرجال أنفسهم عليه، سواء نجحوا في بلوغه أم أخفقوا. يرتبط هذا النموذج غالباً بالقوة والاستقلال والقدرة على الإعالة والنجاح الاجتماعي، حتى يصبح فقدان أيٍ من هذه العناصر تهديداً لقيمة الرجل في نظر نفسه قبل أن يكون في نظر الآخرين. يمكن قراءة علاقة روبن ونايل من خلال هذا التصور.
وبعد كل ذلك، من هو الوحش؟ ومن هو الضحية؟ وهل الشخصيات ثنائية الأبعاد بهذا الشكل؟ يتميز سيناريو ريتشارد غاد ببناء مُحكم، يجعلك تتورط عاطفياً وإدراكياً في تحديد هوية الوحش والضحية طوال النصف الأول من المسلسل، حيث يمثل نايل شخصية المستضعف بكل سماتها النفسية والجسدية، هو الصبي الهزيل الذي يجسد نكتة المدرسة الذي يدوسه الجميع بالأقدام، بينما يمثل روبن الوحش الهائج الذي لا يستطيع أحد الوقوف أمامه، هو المجرم العنيف القادم من السجن والعائد إليه. وبعد أن ترتاح وتطمئن كمتفرج إلى هذا التصنيف، يعود السيناريو ليقلب الآية رأساً على عقب في النصف الثاني من أحداث المسلسل، فروبن يعيش حياة سعيدة ومسالمة بعيداً عن صراعات الماضي، بينما يسعى نايل إلى تخريب حياته بكل الطرق الممكنة، في البداية يثير غضبه بطريقة صبيانية بإتلاف سيارته، وعلى الرغم من المواجهة والتصالح، يستمر نايل في تخريب علاقته بزوجته، ولا يهدأ إلا عندما يعود روبن إلى السجن للمرة الثالثة.
من ناحية أخرى، فاختيار مدينة غلاسكو كموقع للأحداث، كان قراراً درامياً وفكرياً، فقد أشار ريتشارد غاد في أكثر من لقاء إلى أن المسلسل ما كان ليخرج بالصورة نفسها لو جرت أحداثه في مدينة أخرى، لأن غلاسكو جزء من تكوين شخصياتها. عُرفت المدينة تاريخياً بطابعها الصناعي وبثقافة تقوم على الصلابة والاعتماد على النفس، كما ارتبطت في المخيلة البريطانية بصورة الرجل الخشن الذي لا يُفصح بسهولة عما يشعر به، وهي البيئة التي تجعل العنف، وكبت المشاعر، والخوف من إظهار الضعف، جزءاً من اللغة اليومية أكثر من كونها استثناءً. ومن هنا لا تبدو تصرفات روبن ونايل منفصلة عن المكان الذي نشآ فيه، فالمسلسل لا يروي فقط مأساة أخوين، بل يلمح أيضاً إلى الكيفية التي تستطيع بها البيئة الاجتماعية أن تصوغ تعريف الإنسان للقوة، وللكرامة، وللرجولة، ثم تجعله أسيراً لهذا التعريف طوال حياته.
في الختام لا تملك كمتفرج أمام النهاية المأساوية، إلا أن تتعاطف مع الأخوين، بعدما أيقنت أن كلاهما ضحية لظروفه الأسرية والاجتماعية والنفسية، وأن ليس من بينهما من هو على صواب مطلق أو خطأ مطلق، كلاهما ارتكب أخطاء حمقاء ومتطرفة ومُدمرة، وهو نفس ما فعله ريتشارد غاد في مسلسله السابق، ولكن هذه المرة بشكل أكثر إحكاماً على مستوى الصنعة وعلى المستوى الفكري والفلسفي.
نقطة أخيرة تستحق الإشادة لريتشارد غاد كممثل بعيداً عن كتابة السيناريو، فهو يظهر هنا بصورة جديدة كلياً ومناقضة تماماً لمظهره وأدائه في (Baby Reindeer)، فمن شخص نحيل وهزيل، منساق وانقيادي، يحاول أن يعمل كوميديان ولكن يلاحقه الفشل، أما في (Half Man) فيتحول إلى شخص ذي بنية جسدية ضخمة وعضلات مفتولة، وشخصية قيادية ومهيبة، وقادر على إثارة القلق وحبس الأنفاس من أبسط ظهور على الشاشة، هذا التحول في الشخصية لا يمكن بناؤه فقط من خلال ممارسة الرياضة وتكوين العضلات، هناك أداء مدروس للصمت والحديث والغضب ولغة العينين والجسد، أداء يؤكد أن غاد ليس مجرد كاتب موهوب، ولكنه فنان شامل بكل معنى الكلمة.

ذو صلة