إن التعريف بتولستوي في زمن الانفجار المعرفي، وفي وقت أضحى فيه الوصول للمعرفة أقرب من ظلِّ المرء إلى خُطاه، وأيسر من ارتشاف الماء من كف ملأى، قد يعد أمراً مخجلاً، علاوة على أن التعريف بشخصية تسنمت ذرى الأدب العالمي، وتربعت على عرشه هو تحدٍ كبير أمام من أراد ذلك؛ إذ إن من تغيّا التعريف بتولستوي كما يجب، كمن وقف في قائلة النهار متحدثاً عن شكل الشمس وصفتها، فهو وإياه كما قال البردوني شاعر اليمن عن المتنبي:
من تلظّي لموعه كادَ يعمى كاد من شُهرةِ اسمهِ لا يُسمى
أذكر أني بعدما قرأت له (آنا كارنينا) أعظمته جداً، وتسامى في عيني حتى خلتُ أن موطنه الشِّعرى لكنه نزل إلى الأرض في نزهة أدبية قدم فيها دروساً مكثفة للبشرية راسماً للأدباء طريقاً واضحاً في صناعة الأدب، وارتسمت في ذهني تلك الصورة التي تكاد تنفي بشريته حتى قرأت في رسائله رسالة إلى صديق له يشكو له خوفه من ملاحقة السلطات عندما نطح ثوره أحد الفلاحين الذي مات من فوره، فرأيت عن كثب شعوره البشري، وهمومه العادية؛ وكأني أراه في (ياسنايا بوليانا) يطل من شرفة منزله يتمثل على جموع التولستويين قول ابن المقفع بعد فراغه من الدرة اليتيمة: (تركت أصحاب الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح من الكلام)، وهنا تأرجحت في زاوية النظر إليه، والحمد لله على الرؤية المتوازنة من عل لشخصية فذة في كل حالاتها.
إن الحديث عن الكونت ليف تولستوي يبدو بسيطاً في لحظة التفكير الأولية بالكتابة عنه وما إن تُعد العدة لذلك تدرك صعوبة في فهم شخصيته، وفحوى أفكاره، على أن معظم أفكاره مباشرة، ولكن قوتها وتعقدها مأتاها من جرأته وشجاعته في طرحها، وإيمانه بعدة أفكار تحدد مواقفه ومنطلقاته. بيد أن روح العبقري في داخله تجعلنا إذا حاولنا فهم أفكاره، وخلنا أن أوشكنا على ذلك نضيع في مهامه الحيرة، ويطالنا الشك في تحديد هويته؛ فتارة ترى في كتاباته يمينياً أخلاقياً، وتارة يسارياً ثورياً، وقد نجد لأنفسنا عذراً في ذلك متى ما قرأنا ما استفتحت به الكونتيسة صوفيا تولستايا يومياتها بقولها: (ليسامح الناس تلك المرأة التي ربما كانت عاجزة منذ أعوام الشباب على أن تحمل فوق كتفيها الضعيفتين تلك المهمة الرفيعة أن تكون زوجة رجل عبقري وإنسان عظيم). مشيرة إلى أن تولستوي يحمل روحاً جامحة يصعب فهمها، وهذا ما جعل تولستايا تعاني بجانب هذا العملاق، الذي حل الاضطراب في داره، وجعل من التفاهم بينهما أمراً مستحيلاً، ما جعل تولستايا تصرخ غاضبة: (يفهم الحياة السيكولوجية ولا يفهم زوجته وأولاده!).
إن عظمة تولستوي تجلت في روايتيه (الحرب والسلام)، و(آنا كارنينا)؛ فالأولى عالجت مجتمعاً واسعاً يضم السياسي والبسيط في رحلة طويلة وضع فيها المبضع على الجرح، وأما (آنا كارنينا) فتجد فيها يده الخفية لتغيير المجتمع الروسي، وتوجيه بوصلته للأفضل. وقد لمس صدى إعجاب العالم بهما ووافق هذا الإعجاب استعداداً طبيعياً، حيث إنه يرى الدافع للكتابة هو نوع من الإلهام، وأنه يكتب كما يتنفس بتلقائية ملهماً، كما كتب في يومياته: (أنا الآن أكتب شيئاً يأتيني طواعية كما لو كنت أتنفس، وأعترف بكل كبرياء أنه سوف يجعلني أنظر باحتقار إلى ما يصنعه الجميع)، ومع هذا فإن تولستوي لم يكن إظهار إبداعه للناس آمراً سهلاً بالنسبة إليه؛ فالفكرة وبعض الحوارات الفلسفية العميقة كانت كما ذكر، ولكن إخراجها للناس كان أمراً صعباً للغاية بالنسبة لتولستوي؛ بسبب دقته، ومقاييسه العالية، والشح بعبقريته من أن يخدشها النقاد، فأعاد صياغة أجزاء كبيرة من (الحرب والسلام) أكثر من سبع مرات، وفعل بـ(آنا كارنينا) كذلك بصورة أقل؛ وهذا ما جعله يأتي بما لم تستطعه الأوائل؛ فالتقى لديه دقة العمل، وروح الفنان النابضة بين جنبيه. ويتجلى ذلك في (آنا كارنينا) التي يصافح فيها القارئ دقة الإحساس، وعمق الشعور، وبراعة التصوير، وتسلسل الأحداث، والتحكم بشخوص الرواية، وصياغة تفاصيل الشخصية باحترافية؛ فتنقّل بشخصية (آنا كارنينا) من امرأة عادية في منزلها، إلى محظية في بلاط، ثم إلى مشردة كريهة، تحولت بعدها إلى مظلومة، وهذه عبقرية لا يتقنها إلا تولستوي.
وقد كان يرى الدافع إلى الكتابة نوعاً من الإلهام، فقد كتب يوماً: أنا أكتب الآن شيئاً يأتيني طواعية كما لو كنتُ أتنفس، وأعترف بكل كبرياء أن ما أكتب سيجعلني أنظر باحتقار إلى ما يصنعه الجميع! ولكن لم تكن الكتابة سهلة بالنسبة له بسبب ما فرضه على نفسه من دقة وصرامة مع نفسه، عائداً إلى الخوف من تجريح النقاد، حتى أنه سخّر زوجته صوفيا في مسيرته الأدبية، فكان يمزق الملازم والأجزاء كاملة فتنسخها من جديد، حتى قيل إن صوفيا نسخت أجزاء كبيرة من (الحرب والسلام)، سبع مرات وفعل ذلك في (آنا كارنينا) وغيرها.
وفي الحقيقة أن تولستوي بات عظيماً بسبب روح الفنان التي يحملها بين جنبيه؛ فكم سلب العقول بدقة حسه وعمق شعوره، الذي يصلنا عبر سطوره العبقرية لدرجة أن دستويفسكي خبأ عن زوجته (الحرب والسلام) عندما كانت حاملاً بسبب مقطع تجلى فيه تولستوي في وصف امرأة تموت أثناء الوضع، ولا ريب أن هذا الخوف هو اعترافٌ حقيقي بتأثيره العظيم.
إن الجرأة التي يتحلى بها تولستوي لم تكن بسبب التراكم المعرفي الهائل والإنجازات العظيمة، وإنما كانت سبباً وجد له محلاً في نفس تشبعت بيقين من عظمتها، فقد كان منذ شبابه يرى أنه منذورٌ لأمر جلل، ولإصلاح كبير في البشرية، وكان يمارس منذ شبابه سلطة أخلاقية في نفسه وعلى البشر؛ فبعد أن كان عابثاً مقامراً لديه جموح نحو العبث والطيش، وممارسة الرذائل، استطاع السيطرة على نفسه، وتقويمها، وتهذيبها، وحين نجح في ذلك تعاظمت في نفسه قدرته على إصلاح المجتمع، مستنداً على اعتداد فطري، وقوة كامنة متزامنة مع رحلته الفكرية الروحانية التي تكبر كلما تقدم في السن، مع تجلي جنون العظمة في رسائله، وكتبه، وإيمانه بأنه امتداد للمصلحين الكبار كآرثر؛ بل امتداد للأنبياء بتقديمه مذهباً مسيحياً جديداً منقلباً به على الكنيسة، التي يرى أن غالب تعاليمها قشور، وأنها تتجاهل لب الدين؛ بل تجاوز لذلك وقدم فلسفة صوفية عقلانية مدارها العقل والروح، وأن السعي للكمال في الأخلاقيات سعي للألوهية في ذات الإنسان مؤمناً بالحلول. ولعله تشابه في تلك الفكرة مع الحلاج الذي يقول: (ليس في الجبة إلا الله)، فقد كتب في يومياته في جنوح بادٍ: أن الإله يسكنني حقاً إنه أنا!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
كان تولستوي جريئاً مؤمناً بمقدرته العقلية، الممزوجة مع القوة الروحية، وهذا المزيج يرى من خلاله أن بإمكانه تغيير المجتمع، وكان مستقراً في ذهنه أنه امتداد للأنبياء، وكبار المصلحين الذين فهموا الدين على حقيقته، وأن ذلك الفهم الثاقب -حسب زعمه- هو محرك أساسي في النهوض بحركة إصلاحية دينية اجتماعية؛ وتبنى هذه الأفكار الإصلاحية الكبرى ورأى أن كتابة رواية أمر تافه بعد كل هذا الإبداع! فقد كتب في يومياته: (إنه لأمر مخجل أن يكتب المرء قصة).
حشد تولستوى أفكاره الإصلاحية الجريئة في كتبه ورسائله، ونال شهرة طبقت الآفاق وأصبح له أتباع ومريدون في أنحاء العالم؛ ما جعل دارته (ياسنايا بوليانا) يحج إليها الناس من كل حدب وصوب، ولم تكن هذه الثقة نتاج تراكم معرفي جعله يؤمن بقدراته؛ ولكنه كان مؤمناً منذ شبابه أن لديه قوى خاصة، وأنه مهيأ لحركة إصلاحية مهمة، وكان يشعر في شبابه بعظمة لا حد لها، ولذلك كان يمارس في شبابه سلطة على أخلاقيات الناس، كما يتجلى ذلك في يومياته، فقد كتب يوماً: (لابد من تعويد النفس على فكرة أنني استثناء، وسابق لزمني، وصاحب طبيعة متنافرة لا تكل ولا تهدأ). وقد زاد تعاظم تولستوي في نفسه بعد أن لاقت رواياته قبولاً ورواجاً عظيماً؛ فمارس العزلة الروحية والفكرية، والتعالي على من حوله، للفوارق العقلية والفكرية التي يشعر بها؛ بل وصل به الأمر أن قال في يومياته أنه باستطاعته ممارسة سلطة شبه إلهية؛ وهذا القول ليس تحليلاً لشخصيته يقبل الصواب والخطأ؛ بل قد صرّح بذلك في رسائله ويومياته بعدما أعلن حركته الإصلاحية، ومارس الروحانيات، ورأى أنه فهم مقصود الحياة، وفهم الدين، وأسباب السعادة، متكئاً على شوفينية روسية عظيمة، وإيمانٍ بأنه مختلف منذ الصغر.
وبعد أن علا صيته، وانتشر ذكره، وتجلت مقدرته الأدبية والفكرية مارس دوراً غير بشري بالوصاية على مريديه، حتى إن ابنه إيليا قال: (إن البشر على قسمين: القسم الأول نحن، والقسم الثاني سائر البشر، وهذه الغطرسة غير المبررة مرجعها ما زرعه والدي فينا من تقدير مبالغ فيه للنفس جعلنا لا نرى أنفسنا إلا نوعاً مقدساً، ومن الصعب تحرير أنفسنا منه).
تجرد تولستوي من كل ما يعيق خطته الإصلاحية، ودوره السلطوي على أخلاقيات البشر، فنذر نفسه متجرداً من مباهج الحياة، وترفع عن الأطماع، خالقاً دوراً أعلى من أدوار المصلحين ذوي التأثير المحدود؛ فتنازل عن حقوقه من رواياته وكتبه، وقسم الفدانات التي ورثها بين الفلاحين ليزرعوها لأنفسهم، ودرس أبناءهم، كل هذا علاوة على شخصيته العنيفة وعينيه المملوءتين بالرعب، والثقة المفرطة، والإرادة التي لا تنثني، وهدوئه وشجاعته في طرح أفكاره وإيمانه بها إيماناً لا يتزعزع جعلت له مكانة سلبت عقول الناس، وجعلتهم يؤمنون أن هذا الرجل ينهض حقاً بدور عظيم وجاد، وينطلق من منطلقات صائبة؛ لاسيما وأنه يدعو إلى نبذ الطبقية، والاتجار بالبشر، ويرفع راية حقوق الفلاحين رغم أنه من طبقة الإقطاعيين النبلاء.
فرض تولستوي على أهل بيته أفكاره في التجرد من مباهج الحياة مع أنه كان كونتاً ورث الفدانات والأموال من أجداده، ونزل من برجه ليكون فلاحاً بسيطاً، يحمل محراثه وفأسه حتى بين الفلاحين الذين لم يتقبلوا فكرة أن يكون فلاحاً بينهم؛ ما جعل من نزوله نكتة شعبية ابتذلت من كثرة تردادها: (يا صاحب السعادة تم نقل المحراث إلى الجهة المقابلة.. يا صاحب السعادة هل تنوي الحراثة)، وأصبح خبر تغير تولستوي وتنازله عن أملاكه، ونزوله للفلاحة خبراً وصل إلى أطراف الدنيا، وقد صور ذلك الرسام الشهير الروسي (ريبيين) في لوحة أصبحت أشهر لوحاته أسماها (تولستوي خلف المحراث)، وعند تبني تولستوي لأفكاره الصوفية، ونبذ الطبقية ومباشرة العمل البسيط، والتخلي عن النبالة والغنى والمكانة حدث الشرخ في منزله، وحصل الصِّدام العنيف مع زوجته وبعض أبنائه المنقسمين بين مؤيد ومعارض؛ حتى إنه كان يخبئ يومياته التي يعرض فيها أفكاره بشفافية في جواربه؛ لئلا تطلع عليها زوجته، ومع كثرة الخلافات ووقوف زوجته في طريقه قرر بعد سنوات الهروب من عائلته كردة فعل على البذخ والطبقية وعدم الإيمان بأفكاره الجديدة.
وبعد أن قرر تولستوي ذلك، وضع خطته السرية جداً التي لا يعلم عنها إلا ابنته الصغرى (إلكساندرا)، ومدير أعماله والتولستوي العنيد (تشيرتكوف)، وخلال التمهيد للهروب، شكَّت زوجته صوفيا في استعداده للهروب؛ فحاولت السيطرة على تحركاته حتى في نومها لا تترك باب غرفتها مقفلاً حتى تسمع خطواته عند الهرب؛ ولكن ذلك لم يحل بينه وبين الهرب؛ فقد هرب ليلاً بصحبة خادمه، وعندما علمت زوجته في الصباح رمت نفسها في بركة الماء محاولة الانتحار حتى يصل خبر محاولة انتحارها؛ فتثنيه عن هربه؛ لكن هذا لم يثنه فقد كانت ابنته (إلكساندرا) تتواصل معه بالرسائل، وتعرف خط سيره، وكانت تحفزه على المضي في هربه حتى إنها سألته قبل هربه هل سيندم على هروبه؟ وعلى تصرفه مع أمها؟ فقال لها: وهل يندم الإنسان على تصرف ما إذا كان غير قادر على التصرف بطريقة أخرى. صرحت إلكساندرا عند هروبه بأن أسطورة تولستوي الآن منفصلة عن تولستوي الإنسان؛ فالآن تكمن أهمية والدي كونه إنساناً بسيطاً، وداعية سلام، وليس كما كان سابقاً صانع معجزات، ومفكراً عبقرياً.
صرحت الصحافة بعد هروب تولستوي بأنه هو سوبرمان، وإنسان غير عادي، ولا يمكن الحكم على تصرفاته بالقواعد العادية، وأن زوجته أرضية دنيوية بسيطة، وقدمت كل ما تستطيع ولكن تولستوي بعيد المنال لها بسبب عبقريته، وهنا تكمن مأساتها، وقالت الصحافة أيضاً إن هروبه نزول للعامة والاندماج معهم، حتى استغل ذلك من كان ينادي بالشيوعية؛ فجعلوه بطلاً دون أن يكون شيوعياً أو مؤمناً بأفكار الشيوعية، ويريدون كسب اسمه لصالحهم.
توجه إلى دير لأخت صاحب له في قرية بعيدة؛ ليستقر هناك، وأبرق لها بأن تبحث له عن كوخ صغير؛ فابتهجت المرأة أيما ابتهاج، وابتهج هو أيضاً، وصرح حين وصل إلى القرية: (كم أنا سعيد! بساطة، وحرية)، ولكن لم يطب له المقام بسبب رفض الدير له، بسبب صك الكفر الذي أصدره البابا بحقه؛ ليركب بعدها في قطار في مقطورته الخلفية، التي قد تكسرت نوافذها رغبة منه في أن يكون بجانب الفلاحين وعمال المناجم، ووقف فيهم خطيباً مما أضر به، وأصابته لفحة باردة، وهو الثمانيني المتعب؛ فازداد تعبه وإنهاكه، ودخل في حالة إغماء بسبب البرد والضعف فمات في محطة (إستابوفا) بعد أن عالج الموت عدة أيام في المحطة، التي استقر فيها تابوته عدة أيام أيضاً يؤمه يومياً آلاف الباكين حوله.
حين علمت الكنيسة بدخوله الدير أرسلت له عشرات الرسائل والبرقيات، ظناً منها أنه قد رق، وتنازل عن أفكاره كلها، تدعوه إلى التوبة عن أخطائه قبل أن يمثل أمام المحكمة الربانية، وحين علم الناس بمرضه ومكانه تقدم العديد من القساوسة في اللحظات الأخيرة من حياته للدخول عليه بتكليف من القيصر؛ ليدونوا اعترافه قبل وفاته، ولكن تولستوي قد أوصى ابنته قبل مرضه بوصية كتبها في كراسة كانت تحتفظ بها بجانب والدها في أيامه الأخيرة كتب فيها: (حين يحوم الموت حول رأسي فلا أريد أن يقتحم لقائي بربي أحد من رجال الدين، أريد أن أقترب من خالقي في فيض من نور المحبة وليس مع ثرثرتهم)، وقد قرأتها بغضب على جموع الناس والصحفيين وخصت بذلك القساوسة، ورجال الكنيسة. مما حدا بصوفيا أن تمنع الصحافة والقساوسة من لقاء زوجها، ووقفت أمام ناظر المحطة قائلة: (لن أسمح لأحد أن يدخل على زوجي؛ ليزور عليه فيما بعد ما لم يقل). كانت صوفيا أكثر حدة في المنع خوفاً من أن يسجل الناس عنها كلاماً لتولستوي يذكر فيه ما يسيء لها شخصياً؛ فهي لا تثق فيما سيقوله تولستوي لو سُئل عن سبب موته في محطة بعيدة وهو ابن الثمانين عاماً.
مات تولستوي في محطة (إستابوفا) دون أن يقول شيئاً، وخلف وراءه شخصية ملأت الدنيا، وشغلت الناس، واسماً خالداً، وإرثاً عظيماً، تُرجم إلى لغات الدنيا، وتلقفه المترجمون والباحثون والقارئون، تاركاً الكنيسة في صمت لا يبدده إلا صوت طي صك كفره، وقرار منعه من الدفن في مدافنها؛ ليدفن في دارته تحت أشجار البتولا التي غرسها بيديه.