قضية الوضوح والغموض، والتقابل بينهما، من القضايا المركزية في التراث النقدي العربي، لصلتها الوثيقة بطبيعة الفنون القولية، خصوصاً الشعر والنثر، وبالغايات التي يسعى كل منهما إلى تحقيقها. فالوضوح يرتبط بالظهور والبيان الذي تدل عليه المعاني المعجمية، والغموض يرتبط بالخفاء والإغلاق والتعمية، وهي جزء من طبيعة الشعر نفسه، ومن العلاقة بين اللغة والتخييل، وبين النص والقارئ.
وصار نقاد النقد العربي منذ بداياته فريقين: فريق يفضّل الوضوح ويراه شرطاً للفصاحة، وفريق يفضّل الغموض ويراه في اتساع الدلالة واحتمالها وجوهاً متعددة، يحمل عمقاً فنياً وتخييلاً شعرياً، ويتطلب كدّ الذهن في الوصول إلى المعنى. وفريق يرى الغموض في الإيهام أو التخييل. ونمثّل بأربعة منهم:
فأبو إسحاق الصابئ في رسالته الشهيرة في الفرق بين المترسِّل والشاعر التي قارن فيها بين الشعر والنثر وبيّن اختلافهما، يرى أن الشعر يقوم على الغموض: «أفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة وغوص». ولأنه مبني على وحدات قصيرة (أبيات)، فلا يستطيع الشاعر أن يمدّ فيها نفسه، ويلجأ ـ ليمنح البيت قيمة فنية ـ إلى دقة المعنى ولطافته، فيصبح الوصول إلى المعنى فيه كاستخراج كنز خفي. وهو أسهل من النثر لقلة موضوعاته (الوجدان والوصف غالباً)، فكثر الشعراء وتنوّعت طبقاتهم. ويرى أن النثر يقوم على الوضوح لأنه مبني على اتصال الكلام واتساع موضوعاته: شؤون الدولة والسياسة والإدارة، موجّه إلى جمهور واسع مختلف الفهوم. والمترسِّلون المجيدون قلة لصعوبته فندر وجودهم وارتفعت منزلتهم، حتى خرج بقاعدة: أن ما يُستحب في الشعر يُستكره في النثر، وما يُستحب في النثر يُستكره في الشعر.
بينما ابن سنان الخفاجي يفضّل الوضوح على الغموض في الشعر والنثر معاً، وجعل من شروط الفصاحة أن يكون المعنى (واضحاً جلياً لا يحتاج إلى فكر في استخراجه)، ولا يتحقق الغرض من الكلام (الإفهام) إلا بالوضوح. وتحدث عن الغموض فذكر أن أسبابه ستة: اثنان في اللفظ (الغرابة أو الاشتراك)، واثنان في التأليف (الإيجاز المخلّ أو الإغلاق وعسر الفهم)، واثنان في المعنى (دقيق في ذاته أو مبني على مقدمات لا يعرفها المخاطَب). ولشدة تمسكه بالوضوح أنكر الاستعارة البعيدة، ويرى أنها يجب أن تكون أوضح من الحقيقة لأن وظيفتها البيان، فإذا كانت مبهمة فقدت قيمتها، كاستعارة أبي تمام (ماء الملام) البعيدة المفسدة للمعنى.
أما ابن الأثير فقرّر أن الوضوح والغموض مرتبطان بالسياق؛ فقد تكون اللفظة الواضحة في ذاتها غامضة ذات معانٍ جديدة في سياق لغوي ما تحتاج إلى تأويل. والغموض الناتج عن السياق مقبول، بل قد يكون مطلوباً إذا كان ناتجاً عن الإبهام الذي يضفي على الكلام فخامة وتعظيماً. فالإبهام عنده وسيلة بلاغية لا نقصاً في البيان. واستشهد بمثال من القرآن الكريم: قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ)، حيث جاء الإبهام أولاً ثم التفسير لأجل إثارة التشوّق وتعظيم الأثر.
أما حازم القرطاجني فقد انطلق من مبدأ التخييل، ويراه جوهر الشعر، وأن الغموض نتيجة طبيعية للتخييل الذي يهدف إلى التأثير في النفس، وليس مجرد خفاء في المعنى، ويقترن غالباً بالتعجيب، وهو ما يجعل الكلام مؤثراً؛ لأن النفس تستغرب ما يندر الوصول إليه فيقوى انفعالها. ويرى أن المعاني الشعرية تنقسم إلى معان أولى هي صلب الغرض، ومعانٍ ثوانٍ تُستدعى لتوضيح الأولى أو محاكاتها أو الاستدلال عليها، ويجب أن تكون أوضح من الأولى لتؤدي وظيفتها. ويرى أن الغموض المحمود هو الذي ينشأ عن التخييل، لا الغموض الذي يقصد به التعمية. ويميز بين أنواع الغموض: فمنه ما يرجع إلى المعنى نفسه، كدقته أو بنائه على مقدمات خفية، ومنه ما يرجع إلى اللفظ، كالغريب والمشترك، ومنه ما يرجع إلى التأليف، كالتقديم والتأخير. وهذا التحليل الدقيق يجعل الغموض عند حازم ظاهرة مركبة لها أسباب متعددة، وليست مجرد نقص في البيان.
وفي النقد الحديث لا تزال قضية الوضوح والغموض حيّة، لأنها تمسّ جوهر العملية الإبداعية وتكشف عن تنوع الأساليب وتعدد الدلالة. فالوضوح المفرط يسلب الشعر شعريته، والغموض المفرط يحوّله إلى لغز مطلق، والمحمود غموض نسبي يكشفه القارئ بحسب ثقافته وتجربته. وكثير من النقاد يرى أن الغموض عنصر أساسي في الشعر، لأنه يكشف للنص دلالات متعددة يتيح للقارئ المشاركة في إنتاجها.
فالناقد عز الدين إسماعيل يرى أن الأدب الحقيقي يجمع بين الوضوح وعمق الفهم، وأن الكلمة تكتسب معناها من السياق الذي يضعها الأديب فيه.
والناقد محمد غنيمي هلال يرى أن الإيحاء والتصوير هما روح الشعر، وأن غيابهما يحوّل القصيدة إلى نظم خال من الشعرية، وفرّق بين الشاعر الذي يستغرق في تجربته استغراقاً يجعل الشعر أكثر ميلاً إلى الإيحاء والغموض، والناثر الذي يتوجه إلى جمهوره مباشرة.
والناقد عصام قصبجي يرى أن سبب ميل النقاد القدماء والذوق العربي إلى الوضوح والتصوير الحسي الواضح هو وضوح الأشياء في البيئة الصحراوية تحت الشمس التي نشأت فيها الثقافة العربية.
يتبيّن مما تقدّم أن الوضوح والغموض ليسا مجرد طرفين متقابلين، بل عنصران يتفاعلان داخل العملية الإبداعية ليشكّلا جوهر التجربة الأدبية. ولهذا تبقى هذه القضية حاضرة في النقد القديم والحديث، لأنها تمسّ طبيعة الأدب العميقة، وتكشف عن ثراء التعبير وتعدّد إمكانات القراءة في النص الأدبي.