مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

موقع العالم العربي في خرائط التوازنات الدولية الجديدة

يشهد العالم تحولات عميقة ومتسارعة، ورغم أنها ما زالت في حالة من السيولة، ولم تتضح بشكل كامل مآلاتها، إلا أن من بين أبرز عناوينها: تراجع الهيمنة الغربية عموماً، وظهور قوى صاعدة عالمياً في آسيا وأمريكا اللاتينية، والتحولات العميقة في الطاقة، وظهور مصادر جديدة على حساب مصادر الطاقة الأحفورية، وما يُعرف بمصادر الطاقة الجديدة، التي تعتمد على معادن تُعرف بـ(الثمينة)، يُضاف إلى ذلك تحولاتٌ كبرى في الثورات التكنولوجية، والحروب التقليدية وتحولها من حروب تعتمد العنصر البشري إلى حروب تستخدم، وبتوسع غير مسبوق، التكنولوجيات الحديثة، بالإضافة إلى حروب تجارية أفرزت تغييرات في خرائط النفوذ العالمي.
ولا شك أن العالم العربي يقع في صلب هذه التحولات، وهو ما يطرح تساؤلات حول سيناريوهات موقعه منها ودوره فيها، وفيما إذا كانت لديه القدرات والممكنات ليكون فاعلاً ومؤثراً فيها لا مفعولاً به، وبعيداً عن التهويل والتهوين، فإن موقع العالم العربي في العالم الجديد يستبطن جملة من السيناريوهات المتوقعة، تتفاوت أوزانها النسبية، وتتراوح بين صعود مشروط، واستقطاب بين القوى الدولية الكبرى، أو الانكفاء للداخل، أو التحول إلى مركز للتكنولوجيا والطاقة العالمية، بالإضافة إلى سيناريو وقوع انفجار إقليمي.
تستفيد الدول العربية من التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، ومن موقعها الجغرافي والطاقي، وتدخل مرحلةَ تأثير أكبر على السياسات الدولية، حيث يتعاظم دور الطاقة: الغاز في شرق المتوسط، والنفط، والطاقة الشمسية، ويمكن أن تشكل الاستثمارات السيادية الخليجية، التي توسع النفوذ المالي، رافعة لهذا الدخول، وتملك نفوذاً في محور إقليمي يضم الصين والهند وأوروبا، كما يُعد الاستقرار النسبي داخل بعض الدول الكبرى (السعودية، الإمارات، مصر) دافعاً لذلك، ولا يُستبعد أن يوفر للدول العربية مساحات لانخراط عربي بقيادة المملكة العربية السعودية في الاقتصاد الرقمي والدفاع، ومن المؤكد أن الدول العربية ستحصل، وفقاً لهذا السيناريو، على الدخول كفاعل تفاوضي مستقل بين الغرب والصين، بالاستناد إلى تعاظم دور العواصم الخليجية كمراكز نفوذ مالي ودبلوماسي، وتراجع قدرة القوى الكبرى على فرض إملاءات مباشرة.
بالتزامن، فإن سيناريو تعمق الانقسام العربي بين محاور مرتبطة بواشنطن، وأخرى منفتحة على الصين وروسيا، مع غياب رؤية عربية موحدة، يبقى أحد السيناريوهات المتوقعة، تعززه مؤشراتٌ من بينها: زيادة التنافس الأمريكي-الصيني، وتوسع المشاريع الأمنية (أوكوس، الناتو العربي المقترح، التحالفات البحرية)، والخلافات العربية حول ملفات: إيران، تركيا، التطبيع، ليبيا، السودان، ومن المؤكد أن مثل هذا السيناريو سيتم توظيفه من قبل الدول الكبرى لتحقيق مكاسب في الطاقة والجغرافيا.
ولا يغيب سيناريو الانكفاء الداخلي، بحيث تنشغل الدول العربية بتحديات داخلية: اقتصادية، وسكانية، ومناخية، ومالية، مما يقلل تأثيرها الخارجي، لا سيما الدول (غير الخليجية)، في ظل أزمات مالية لدى دول ذات ثقل بشري مثل مصر وتونس والعراق، وتهديدات المناخ بما في ذلك: التصحر، والمياه، وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى البطالة وضعف النمو الاقتصادي، واضطرابات عرقية ومذهبية، ولا شك أن تحقق هذا السيناريو سينتج عنه تقلصُ الدور العربي في ملفات مثل الطاقة والملاحة، وتصاعد التدخلات الإقليمية من إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا، وهو ما سيفضي إلى زيادة اعتماد الدول العربية على الدعم الخارجي.
ورغم بعض السيناريوهات التي تنتج صوراً سلبية لمستقبل العالم العربي، إلا أن هناك سيناريوهات تعززها مؤشراتٌ قويةٌ على احتمال تحول دول الخليج العربي، وبخاصة المملكة العربية السعودية، إلى مركز تكنولوجي (الذكاء الاصطناعي) وطاقوي عالمي، بالإضافة إلى مركزية فاعلة في سلاسل التوريد، ويؤيد ذلك الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا (مثل مبادرات السعودية والإمارات)، ومشاريع الهيدروجين الأخضر في السعودية والإمارات ومصر والمغرب، والتحالفات مع شركات التكنولوجيا العالمية، التي تعمل على استثمارات فيما يُعرف بالطاقة النظيفة، وهو ما يُؤمل معه بناء اقتصاد عربي عالي القيمة، وانتقال العالم إلى الاعتماد على العرب كمركز تكنولوجي، وليس فقط مصدراً للنفط، وهو ما سيفضي إلى دور تفاوضي أقوى في الغرب والشرق.
ورغم التحولات التي شهدها الإقليم منذ السابع من أكتوبر 2023، وتراجع مستويات التهديد الذي مثلته إيران وأذرعها في المنطقة، إلا أن سيناريو الانفجار الإقليمي في بعض مناطق الشرق الأوسط، المؤدي إلى تراجع كبير في الدور العربي؛ يبقى قائماً، وهو ما يعني استمرار التوتر في الخليج وإمكانية عودة التصعيد مع إيران، ويُضاف إلى ذلك احتمالات استمرار النزاعات حول سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، وانهيار دول هشة كالسودان واليمن، وظهور سباق تسلح في المنطقة بين الدول ومنظمات (أشباه الدول)، ولا شك أن هذا السيناريو سيفتح أبواباً واسعة لتدخلات دولية، وبالتزامن يتراجع الاقتصاد وتتوقف خطط التنمية، وبالتالي ستُعرض النظام والقرار العربي إلى تهميش وإضعاف.
وفي الخلاصة، فالمؤكد أن هذه المتغيرات ستكون حاسمة خلال 2025-2030، في ظل متغيرات مرتبطة بالتحول في هيكل الطاقة العالمي، وفيما إذا سيبقى النفط العربي مركزياً رغم الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى مسار العلاقة الأمريكية-الصينية، إذ كلما تصاعد التنافس، زاد الضغط على العرب، واستقرار الدول العربية المحورية (السعودية - مصر - العراق - الجزائر - الإمارات).
ويبدو أن السيناريو الأكثر واقعية خلال العقد القادم هو الاستقطاب العربي بين القوى الكبرى مع صعود مشروط لبعض الدول، أي إنه لا يُتوقع أن يكون هناك صعود عربي شامل، بل بروز دول عربية محددة كلاعبين عالميين (السعودية، الإمارات، قطر، وربما مصر إذا عالجت أزماتها)، مع استمرار انقسام جيوسياسي عربي، واحتفاظ الخليج بنفوذ دولي متصاعد، لا سيما المملكة العربية السعودية، مع تحول المنطقة إلى ساحة تنافس بين واشنطن وبكين ونيودلهي وأوروبا، ومن الواضح أن المملكة العربية السعودية هي الأقدر على صياغة سياسات متوازنة قائمة على شراكات مع الأقطاب العالمية، أكدتها العلاقات المتوازنة مع أمريكا والصين والهند وروسيا.

ذو صلة