رغم المساحات الرحبة التي ملأناها بالتنظير للحداثة، ورغم الكلام المسهب الذي أطلقناه بأحاديثنا عنها، فقد ظلت ملتبسة في أذهان الكثيرين؛ كما ظلت غير مستوية في مجمل نشاطاتهم التعبيرية وغائمة في شأوها الدلالي بين المفهوم والممارسة والمنهج.. فما هي الحداثة؟ وهل ثمة تعريف خالص لها أم أن السمة التعريفية تستدعي الإحاطة الكلية التي لا تركن في إطار نهائي جامع باعتبار أن الحداثة ذاتها تقوم على اللانهائية وعلى الأفق المفتوح والإضافة الإبداعية المستمرة. ويبدو جلياً لمتتبع السجال الدائر باسم هذه الحداثة كم من التباين قد برز في التعبير عنها كما تعدى في مقولاته عن ماهيتها وفحواها العديد من الأطر المطروحة وتجاوزها إلى غير تعريف وإلى غير مسألة وقضية رأى البعض من خلالها أن الحداثة هي النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر، بينما رأى البعض الآخر أن الحداثة هي ممارسة السيادة على الإنسان والطبيعة والمجتمع وأنها بلوغ للجديد وقطع الصلة مع القديم وتراثه باعتبارها الإبداع المناقض للاتباع والعقل المناقض للنقل. وبعيداً عن هذا البعض وذاك خرج مَنْ يُطلق رصاص الرفض على الحداثة جملة وتفصيلاً، إيماناً منه بأنها صناعة غربية غريبة عنّا ولا أصل لها بيننا وما وفودها من بلادها إلينا إلا للمؤامرة على هويتنا وعلى ملامحنا المميزة! كل ذلك عكس مواقف متباينة وغير بصيرة نشأ عنها ركام من الكلام مفعم بالانفعال ومشبع بالاتهام وخال من الفعل القادر على إنجاز ملامحنا التي نبكي عليها ونذرف السؤال عنها تلوَ السؤال منذ سقوط الأندلس وحتى اليوم. والغريب أن أسلافنا ـ من بني قومنا ـ قد مارسوا الحداثة بملامح حاضرة دون الحاجة إلى مساحات اللغو التي أسهبنا في إنشائها ولم نعثر على ما يجعلنا أقوى في دق باب الحداثة بمفهومها الدقيق والشمولي ودون أن نبلغ أعتابها لأننا قرأناها قراءة سطحية وفق راهن منبهر غير متكافئ لم تسعفنا فيه بصيرتنا الخمولة التي لم تتعدَ إحاطتها واستيعابها من المشهد الحداثي ومفاهيمه سوى أجزاء من جوانبه اللغوية المحددة، في حين أن الجوانب العلمية والثقافية الأخرى من المشهد الحداثي ظلت مركونة منذ آماد في النص الآخر الغائب لا يدانيها الاكتشاف والإنجاز كشاهد دائم على فهمنا الضيق والمبتسر للحداثة التي ما زلنا نتعامل معها كظاهرة لغوية مع أنها فعالية شاملة لكل علوم الحياة وفنونها. ومما يدعو للأسف حقاً أن التنظير العربي غير الدقيق للحداثة العربية قد ساهم في تكريس هذه الرؤية الضيقة والمشوهة للحداثة وهو ما يمكن أن نتبينه في قول أحد المنظرين العرب عن الحداثة: (إن الحداثة في كل تجلياتها وعي ضدي حاد للغة في هذا الوعي تبدو اللغة أرضاً خراباً، ساقية جفّت ولم يبقَ في قاعها سوى الرمال المتشققة). هل حقاً الحداثة في كل تجلياتها هي كذلك فقط؟! إذا كان هذا التصوّر قد أحاط بالحداثة حقاً فماذا يمكن أن نسمي ما أنجزه ابن النفيس والخوارزمي والحسن بن الهيثم وابن سينا والإدريسي؟ وماذا سنعتبر ما أنتجه النص الجدالي والفكري الذي قدمه الإمام الغزالي وابن رشد وابن خلدون؟ أليس اكتشاف الدورة الدموية الصغرى نصاً حداثياً في الطب وإيجاد الصفر العددي، أليس نصاً حداثياً في العلوم الرياضية وإنجاز أول مصور جغرافي؟ ماذا سيكون غير نص حداثي في العلوم الجغرافية وكذلك مقدمة ابن خلدون وسواها وسواها؟ هل يمكن حسبانها إلا وجوهاً للحداثة في ملامحها المتعددة التي امتلك عبرها أسلافنا فعل الحضور بينما نصنا الحداثي المعاصر مازال سادراً في الغياب رغم أننا في تاريخنا الحديث كنا نملك أكبر مصنع نسيج في العالم من خلال مصر وقد أرسلت اليابان وفداً لدراسة قواعد النهضة المصرية في عهد محمد علي باشا للتعرف عليها والاستفادة منها وصاغت لا حقاً نصها الحداثي في جانبه العلمي والتكنولوجي واللغوي والثقافي أيضاً رغم ما تعرضت له من تدمير مذهل بالقنابل الذرية الأمريكية ناهيك عن الصين التي نالت استقلالها بعدنا ونهضت بقامتها الحداثية ورسمت ملامحها في نصوصها الصناعية والمعرفية المختلفة وتبعها على المنوال ذاته كوريا وماليزيا وغيرهما. ونحن لسنا كما نحن بل ازددنا تخلفاً وتراجعاً وبقينا مكفنين برماد سكونيتنا نتفنن بإيجاد التبريرات الواهية حيناً ونتراشق اتهامات التخوين والتقليد حيناً آخر دون أن نقوى جميعنا على صياغة فعاليتنا المنشودة. ولعله من الأهمية في هذا السياق التذكير بما نهلته أوروبا من نص أجدادنا الحداثي قبل دخولها عصر التنوير وإنجازها ملامح نصها لندرك أن الحداثة ليست صناعة غربية كما يتوهم البعض وليست قتلاً للماضي بل للاستفادة منه كما يعبر ميشيل فوكو وجاك دريدا. وإذا كانت أوروبا قد استفادت من المنجز العربي الإسلامي واليوناني وجعلته مقدمة لصنع قامتها دون أن يتهمها أحد بالتقليد فلا بأس علينا من الاستفادة من كل الإنجازات الأوروبية وغير الأوروبية شريطة استيعابها لكتابة نص حداثتنا الغائب بكلمتنا وبأفعالنا ولصنع قامتنا الإبداعية بملامحنا كي لا نبقى بلا ملامح فنذوب ويذوب حاضرنا ومستقبلنا في عتمات التلاشي والغياب.