في وقت متأخِّر من ذلك اليوم وبعد جهود حثيثة لتسيير الرحلات إثر إغلاق طارئ لبعض المطارات، أقلعت طائرة خاصة بالبعثة الألمانية للتنقيب عن الآثار في رحلة قد تكون الأخيرة بعد أن أمضى أفرادها في شمال السعودية ست سنوات وثلاثة أشهر. الباحث (غونتر سيمون) تردد في الصعود وهو يطرق فكره طويلاً مستغرقاً في النظر إلى الخلف. لم يعد يرغب في العودة إلى المنزل، ولا إلى ولعه بصيد الإيل الأحمر في ريف بافاريا، بعد أن تعلَّق بسر رُقمٍ عجيب عثر عليه بدوي صدفة وهو يحفر طوال أيام باحثاً عن كنز اعتقد بوجوده. هناك، تحت طبقات بحيرة تدعى كفَّ الحناء لكثافة شجر السدر الذي يحيطها من كل جهة، غير أنها جفت إثر حادثة غريبة حصلت لأحد الحجاج وهو عائد إلى الشام، الحاج الذي بُهر بعمقها وجمالها وتزاحم الطيور حولها، لم تشفع له السباحة فيها لتطهير نفسه من ذنوبه بعد أن بكى ليلة بأكملها، فوجد في الأثناء جثة علقت ثيابها بأحد الأغصان. من يدري! لعله سفك دماً أو أكل مال أيتام أخيه. فمنذ تلك الحادثة والبحيرة أخذت تتناقص شيئاً فشيئاً، طارحة أسماكها وأعشابها الخضراء على أطرافها حتى جفت تماماً.
قبل أن يستلقي غونتر على سريره علّق على الجدار الذي يقابله صوراً التقطها أثناء عمله في التنقيب. حتى تلك التي تحمل حروفاً عربية شبه ممسوحة. أو تظهر رعاة التقاهم تحت سقف خيمة وهو يشرب اللبن بلذة. واحدة منها أثارت إعجابه، فصوب تجاهها جهاز هاتفه ليترجمها، فإذ بها اعتراف أو توقيع على صداقة قد تكون هي أول صداقة نشأت في العالم بعد الطوفان، هكذا ظن غونتر الذي قرأ ما في الرُّقم بصعوبة وقد محيت بعض كلماته (شهد أبو حامد الرفاعي، وإسحاق العجلي وثلاثة بدو كانوا على راحلة في طريقهم للحج، بأنها أول صداقة نشأت بهذا الوفاء بين إنسان وحيوان) غرة شهر ذي الحجة 158هجري. رقم طيني مسجل في متحف الإنسان الأول. أعاد النظر في الكلمات ورسمها حتى وقع بصره أسفل الصورة، فإذ بقطة سوداء بهتت ملامحها، بدت بلا ذيل واضح، وتغط في نوم عميق وسكينة عجيبة. نزع قميصه الذي تعرَّق فيه، ثم ألقى بثقل جسده على أريكة جلدية أثرت شقوقها على ظهره وهو يفكر في مواجهة ذلك الصديق! هل يستقل ظهر حوت أزرق يسبح في لوحة تتوسط غرفة المعيشة فيعبر البحار مخترقاً قنوات ومضايق ليصل إلى البصرة ثم يتدبر شأنه هناك؟ لن يقصِّر الرفاعي والعجلي عن مساعدته في الوصول إلى المقصود، فهما يؤسسان لفكر ديني جديد يدعو للتخلي تماماً، لهما كرامات ومريدون وأتباع يزدادون كل يوم، ولا بد من حث السير قبل أن يتوجهوا للحج هذا العام -نحن الآن في شهر رجب ولا بد أن تجلياتهم بدت تشرق- هكذا كان يدور في خلد الألماني الشغوف بكل ما هو عربي. لقد تغيَّرتْ حياتُه منذ اللحظة الأولى التي وطئت قدمه مواقع التنقيب في العلا، فأصبح مولعاً بجذور الأشياء وأصلها. فالصحراء ليست كالحقول، الجفاف ليس كالمطر، والأثل ليس كالزهور. كل شيء مختلف هناك. جاذبية عجيبة تجعلك تتعلق برائحة القهوة على النار، وبريق النجوم في سكون الليل، وثرثرة لا تعرف معناها لكنك تضحك بمجرد انفجارهم بالضحك على نكتة جريئة. الحوت الذي ابتسم له سبق وأن قابله في ورشة فنِّ الطباعة الحديثة في صيف 2004 وبسببه أحب حيوات أخرى تعيشها الحيوانات. حينها قرَّرَ ألا يتجاهل دقَّاتِ قلبه. أن يلتقي بالشيخين البصريين حتى لو غَرِقَت الجزيرة التي يحملها ظهر حوت سندباد. مرت الليلة الأولى وهو مستغرق في نوم عميق دون أن يتأثر ببلل الموج، ولا بعطش اعتاد أن يوقظه. مر شعاع خفيف على جفنيه دون أن يتحرك. ترى هل قرَّرَتْ شجرةُ القدر مرافقته في تلك الرحلة؟ عبر نحو الماورائيَّات التي جعلته يفتتن إلى هذا الحد بذلك التوقيع، وما يمكن أن يكون خلف حقيقته. وكأنه بصدد إثبات علمي كما كان يفعل أثناء التنقيب، فيعزو تماثيل وأواني وحلياً لحقبة زمنية سبقتنا بآلاف السنين. ليست الفكرة في الجماد، بل كيف تعامل معها الإنسان وبماذا كان يحلم ويحس ويشعر وهو يصنعها ويشرب فيها ويقتل ربما بها! سَلَكا قطعاً كلّ هذه المسافة وهما غريبان لا يتحدثان كثيراً، فقد كان صوت الحوت مزعجاً بالنسبة إليه، كيف لا وهو يستحضر في مخيلته صوت العود الصافي حين يحضنه صديقه جابر في ليلة قمرية من ليالي العُلا. ما إن هدأ الحوت عن السباحة حتى وصل إلى مكانٍ لا يشبه أيَّ مكانٍ. في بادئ الأمر اختلطت عليه المشاعر حتى تذكر وصايا الشيخين وابتسم، فسكنت روحه في ثانية واحدة، وظن أنه وصل مباشرة بعد أن انزلق من ظهر الحوت على يابسة تُكوِّم فيها أكياس الملح نساء كاشفات نصف رؤوسهن. أعجبته سمرتهن المشربة بالحمرة وغناؤهن العذب فازداد غبطة. إلى جانبه انزلقت الشجرةُ ثم توقفت، ثم سقطت على أنفه ورقة كُتِبَ عليها (هنا بدايةُ الرحلة) اختفى الحوت وأخذ معه البحر. أي اختبار سيمتحن فيه الألماني وهو يقف في ملاحات على مشارف مدينة الفاو. ظن أن حلمه قد تبخر مع الماء، فهو لم يجد أحداً في انتظاره ولا تُركت إشارة لهدايته على الأقل. ارتجفت شفتُهُ السُّفلى وهو يسأل: لقد كان البحر هنا قبل قليل، لاحظ أنَّ السمراوات اختفين أيضاً. الميناء القديم والسفن الكبيرة والبحارة وعربات الخيول التي تجر الملح اختفت جميعاً. تحول المكان إلى خواء صامت يزيد من الخوف والوحشة. لن يبعث الرجلان من قبرهما ليدلاك على الصديق الأول يا سيمون، زمن المعجزات انتهى. اختفَتِ الأشياءُ الأخرى، النورُ والظلُّ، إحساس الطيور بقدوم الطوفان، ورائحة البخور في الخلاء، جميعها اختفت. شعر بعطسة مفاجئة وذيل القطة يمر بالقرب من أنفه. لقد نسي كتاب الشيخين مفتوحاً على صدره، وقد كُتب فيه عن ولع المنصور بقطته السوداء. ولعه الذي دفعه لافتتاح أول حديقة حيوان في العالم سماها (حير الوحوش)، وقد أثار إعجاب موفدي ملك الروم قسطنطين السابع في عهد الخليفة المقتدر بالله. شاهدوا في جملة ما شاهدوه من عظمة بغداد، بهجة القصر الحسني عندما نزلوا فيه، إضافته لميدان واسع للكرة والصولجان، وقد مُد إلى حير الوحوش فرع من نهر المعلَّى. ومما خلب ألبابهم أربعة أفيال، وخمسون أسداً يميناً، ومثلها شمالاً، وزرافة، وفهود وضعت في أقفاص وأنواع شتى من الوحوش. غير أن مواء قطة المنصور كان هو السِّرَ الذي حمل سيمون والحوت على عبور هذه المسافات كلها. والشاهد على الصداقة الأولى.