مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

زنخ!

تتدلّى كسنبلةٍ أرهقها الحصاد، وتمزّق خيطَ الفجر بشعرها المتجعّد المنسدل على كتفيها. تبتلع النهار بثرثرتها، وتسهر ليلها توزّع شتائمها على شيوخ الحي الذين أفسدوه -كما ترى- وحوّلوه إلى بؤر خراب.
يتجنّبون الردّ عليها؛ يهابون لسانها الزنِخ، ويطأطئون رؤوسهم كلما مرّت أمامهم، كأنّ غيمة من الصمت تحلّق فوق المكان طلباً للنجاة من وقع كلماتها. وما إن تتجاوزهم حتى يتشدّقوا بأقذع الصفات في وصفها، ولا يتورّعون عن هتك شرفها بألسنتهم القذرة.
وذات فجر، حين دوّى صياحها في الأزقة، قال أحدهم وهو ينتعل حذاءه خارجاً من المسجد بعد صلاة الفجر: (لو ماتت هذه القبيحة، لأجزم أنّ أحداً لن يدفن جثتها، وستبقى متعفّنة حتى تنتفخ وتملأ الحيَّ عفناً، وستهرب من رائحتها حتى الكلاب).
تُوقد ضغينة الكِبَر، والحقد، والرغبة في الانتقام؛ حطبها تحت نار هذه المرأة التي يكرهها كبار الحي. يتوضّأ أحدهم للصلاة وهو يتمتم بلعنها، ويصبّ عليها دعواته بالموت والخلاص منها.
أما هي، فلا تعبأ بكل ما يدور حولها، ولا بما يُقال عنها، ولا بما تضمره لها القلوب من كراهية. لقد غدت جزءاً من أزقّة الحي، تتوكأ على عصاها، وتسير في مسالكه الضيقة، تنفث سخطها يميناً ويساراً كلما مرّت بأحد أولئك الشيوخ.
ولا تفتأ تتوجّه إلى مدخل الحي وتمكث هناك طويلاً، كأنها تنتظر قدوم أحد. علّق أحد المتهكّمين ذات مرة: (إنها تنتظر عقلها، لعلّه يعود إليها)، ثم أتبع عبارته بضحكة ساخرة.
يقال إن من يعرفها حقّ المعرفة يؤكد أنها تؤدي طقوسها الدينية خفية، ولا تخالط النساء إلا في سرادقات العزاء. وعلى الرغم من كل تلك البشاعة التي تُروى عنها، ومحاولات تشويه صورتها؛ فإن أطفال الحي يحبّونها حباً خالصاً، لما يجدونه فيها من حنان، ولما توزّعه عليهم من الحلوى.
وقد باءت بالفشل كل محاولات آبائهم حين طلبوا منهم أن يرموها بالحجارة. فلا يستقبلونها إلا بالترحاب، أو يعرضون مساعدتها إن كانت تحمل شيئاً.
وبعضهم يحتضنها بوداعة لا تشبه هذا العالم الزنخ.

ذو صلة