مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

لوحة الأحمق

ذلك المستهتر المتباهي، كان يعجز عن إتقان الكذب أمام عينيها وإن ظنَّ خلاف ذلك!
أراد أن يصنع لعنقها الجميل سلاسل من الكذب الرخيص ليقيّدها، فشخصيته المتلاعبة توهمه بأنه بطل الصراعات والانتصارات، بل ملك اختيار الكلمات التي ستوقع النساء في شباكه!
تلك الشباك التي أخذت تحيط به دون أن يشعر لينتهي به الأمر غارقاً بين الحقيقة والوهم، فلن ينال غاياته ولن يرى حقيقته المرّة.
هو أضعف من أن يجذب له أحداً ناضجاً، فكيف إذن بفتاة مثلها! رأت المكر حتّى تكحلت به، وحاكت الخداع حتى ارتدته! لم يتمكن من ذلك رغم محاولاته الركيكة ولن يتمكن.
وضعت ريشتها ورجعت بخطواتها للوراء قليلاً لتتمعن أكثر بلوحتها، صاح صوته بجانبها قائلاً:
- أتصفين لوحتك هذه أم من تقصدين؟
- لوحتي هذه تقصدهما!
- من هما؟ من تقصدين؟
- المستهتر والماكرة!
ضحكت بصوت عالٍ وأردفت:
- تلك العلاقات التي ربما ستجدها كثيراً من حولك، رجلٌ ضعيف أعمته رغباته الشرهة، وفتاة تتقن لعب دور البريئة!
- ومن سيغلب الآخر؟
- في لوحتي أم خارجها؟
ضحك قائلاً:
- كلاهما، أعني من سينتصر في مثل هذه الحالات برأيك؟
سكتت لثوانٍ ثم قالت:
- الفتاة!
صاح معترضاً:
- ألأنك فتاة؟ هذا حكم غير عادل!
- وهل سيكون عادلاً في حال اخترت فوز الرجل!
- لنكن منطقيين، لقد غرقتِ في وصف الرجل بينما اكتفيتِ بالقليل في وصفها! ما يعني أنه الأكثر تأثيراً هنا!
- لم يكن وصفي له مديحاً! ولكن، فليكن كما تريد يا سيدي!
ابتسمت له بلطف وعادت لتكمل لوحتها بهدوء، بينما اجتاحت نظرة الانتصار ملامح وجهه السعيد.
تنحنح قليلاً وقال:
- ألديك مُشترٍ لهذه اللوحة؟
- أترغب بشرائها؟!
- لا، أبداً! ولكن أردت معرفة كم ستربحين بها.
- أمازلت تنظر لأموالي؟ كفاك حسداً يا رجل!
تقلّب وجهه بسرعة من ملامح السعادة إلى الغضب الممزوج بالصدمة، ربما لم يعتد سماع مثل هذه الكلمات منها! رد بصوت حازم غاضب:
- وعلى ماذا سأحسدك! لست أقلّ ثراء منك!
كان سؤالي نابع من خوف عليكِ فقط، ولأكون أكثر صراحة معك، لا أظن أحداً سيشتري عملك هذا! لذا أخشى أن يذهب تعبك هباءً!
نظرت نحوه بتحدٍ قائلة:
- ولمَ لا؟ هل يوجد ما يعيبها؟ أعني باستثناء فكرة فوز الرجل؛ لا أظن هناك شيئاً آخر قد يعيبها!
قال بسخرية المتلاعب الذي يسعى لتقليل شأن الآخرين لعله بذلك يحاصرهم ويتملّكهم:
- من حسن حظك أنني أنا من سمعك! لو كان أحد آخر لحكى للآخرين عن افتقارك الكبير للاحترافية التي تُمكّنك من اكتشاف العيوب وتصحيحها! يجب أن تكوني ممتنة لوجودي في حياتك!
قالت بصوت منخفض صارم:
- ولأنني أفتقر للامتنان أيضاً، سأرحل عنك! وسأترك لك هذه اللوحة لكي لا يذهب تعبي هباءً! لعلك تتأمل انتصارك الوهمي الذي تزعمه في كل مرة تنظر بها نحو تلك السلاسل المكسرة وهي ملقاة على الأرض بينك وبين ظهرها الذي لن تراه بعد اليوم!
أنهت حديثها وخرجت تاركةً خلفها أعمق لوحاتها لأرخص مُقتنٍ!

ذو صلة