على الرغم من إجادته أجناساً أدبية عدة، وكتابته للسينما والإذاعة والتلفزيون، وسرده القصصي والروائي إلا أنه تميز في تأليفه المسرحي بالنهل من حكايات التراث وتوظيفه بطريقة تلامس مجريات العصر وكل عصر. فكان حكاءً مسرحياً بارعاً.
ضمن إرهاصاته الأولى.. اعتمد المسرح القومي على ترجمة وتعريب وتمصير نصوص عالمية. ومع ستينات القرن الفائت اتجه إلى نصوص الأدب والتراث العربي والمحلي، وبرع في هذا المجال كتاب أفذاذ منهم: محمود تيمور، وتوفيق الحكيم، ويعقوب الشاروني، وألفريد فرج، ومحمود دياب، ونعمان عاشور، ومحفوظ عبدالرحمن الذي واكبت مقدرته الدرامية المسرحية ذلك التوقيت من النهوض المسرحي المصري والعربي. ونشأ محفوظ عبدالرحمن (1933-2017) وسط أسرة اعتادت الترحال بسبب وظيفة والده في ربوع مصر. كما أنه تخرج في كلية الآداب، قسم التاريخ، جامعة القاهرة عام 1960. فاقترب كثيراُ من حكايات التاريخ والتراث، وجالسهما، وأصبح مولعاً بخباياهما، وبالسير الذاتية لكثير من شخصياتهما. كما أظهر شغفاً بمفاصل التاريخ المصري ونقاط تحوله الحاسمة. وأبرز حكايات الشطار (الأبطال الشعبيون) لما تتمتع به من قدر كبير من الجاذبية الجماهيرية. ولا شك أن سفر التاريخ زاخر بالشخصيات والأحداث والعظات المؤهلة لتكون مادة غنية لنص مسرحي جيد، بقراءة عصرية رصينة تلامس هموم وقضايا الإنسان العربي.
وكتب (عبدالرحمن) أولى مسرحياته (اللبلاب) (عام 1963) لكن الرقابة اعترضت عليها قبل رفع الستار بثلاثة أيام. فتوقف عن الكتابة للمسرح 12 عاماً مٌعتبراً تلك الفترة مرحلة مراجعة لأسلوب الكتابة المسرحية. ثم كتب ما بين منتصف السبعينات حتى نهاية الثمانينات مسرحيات (طويلة وقصيرة). وقد تتباين تواريخها كونها عرضت على خشبة المسرح قبل إصدارها في كتب، وهي: السندباد البحري، وعريس لبنت السلطان، وما أجملنا، وكوكب الفئران، ومحاكمة السيد ميم، والسلطان يلهو، والفخ، وحفلة على الخازوق، واحذروا، والمحامي والحرامي، وبلقيس، ورحلة التيه. وعرضت مسرحياته على خشبات المسرح المصري والليبي والقطري والكويتي، ويعده الكويتيون رمزاً من رموزهم المسرحية. حيث قام بتدريس كتابة السيناريو منذ منتصف السبعينات في كل من معهد الفنون المسرحية بالكويت، ومعهد التدريب الإذاعي بالقاهرة. وكتب محفوظ جميع مسرحياته بالفصحى إلا كوكب الفئران، فكانت بالعامية. ومفادها سيطرة الفئران المفترسة على إحدى القرى المصرية فأهلكت أراضيها الزراعية. وكتبها في إطار فانتازي ومضمون واقعي يحمل رموزاً ودلالات.
بلقيس، ورحلة التيه
لم ينفصل عبدالرحمن عن الحاضر عندما انشغل بالماضي، بل حاول الدمج بين الاثنين لتقديم نظرة نقدية لواقع معاصر. ويظهر ذلك جلياً عبر مسرحيته (بلقيس، ورحلة التيه) التي تطرح أسئلة على ذهن متلقيها. بعض هذه الأسئلة يتعلق بالإطار الفني المقدم داخله العرض المسرحي، بينما يتعلق البعض الآخر بالحبكة الدرامية التي يطرحها النص الذي يدور حول شخصية حقيقية. ونشاهد (بلقيس)، وهي ما تزال أميرة تعيش في قصر أبيها (الهدهاد بن شرحبيل). حيث يتهافت على خطبتها أمراء وملوك لجمالها وذكائها وباعتبارها الابنة الوحيدة لحاكم إحدى أهم ممالك الأرض حينئذ. ويكتفي النص بإلقاء الضوء على رحلتها إلى مملكة أحد الغزاة الذي استلب أرض مملكة سبأ عبر رغبته الزواج من بلقيس. فأرسل يخطبها، بجيش قوامه مئة ألف جندي، الأمر الذي اعتبرته بلقيس اغتصاباً أكثر منه خطبة زواج. لكنها رضخت لهذا الأمر حفاظاً على ملك أبيها المُهدد من جيش لا طاقة لهم على مواجهته. وتم تجسيد رحلتها، وحاشيتها إلى بلاد الزوج بصحبة جيشه وقائديه آصف وفاتك.
وهي رحلة المسرحية ذاتها، التي أرادها محفوظ رحلة اكتشاف وتنامى وعي أبطالها وعلى رأسهم بلقيس. وكان هدف بلقيس المُحدد، بالاتفاق مع حاشيتها وأبيها، وهو افتداء قومها بنفسها. وأنها ستنتهز أول فرصة للانفراد بزوجها وستطعنه انتقاماً منه على شرفها، وشرف قومها المهدور!. إنها دراما الإنسان وهو يسعى لتحقيق طموحاته ربما يصطدم بواقع مؤلم. مما يجعله يخوض تجربة نحو مجهول، معتقداً أن هذا المجهول هو الغاية التي يطمح في الوصول إليها. وكان لـ(محفوظ) تجربة مسرحية سابقة مع التراث اليمني الغني بالحكايا عن سد مأرب بعنوان (احذروا). وقد قدمت عبر المسرح التجريبي. قد يكون دافع الاستلهام التاريخي التراثي تيقن محفوظ بكون هذا المصدر مرآة الأمم العاكس لماضيها والمُترجم لحاضرها ونبع الإلهام لمستقبلها قادراً على أن يمنح نصه الإبداعي طاقات ودلالات تعبيرية لا حصر لها، لأن معطيات التراث لها كثير من التبجيل. ويوظف الكاتب المسرحي هذا التراث لمخاطبة عقله وجدان المجتمع، لما للتراث من حضور حي ودائم في الوعي الجمعي.
حفلة على الخازوق
مستوحاة من حكايات (ألف ليلة وليلة) التي تسرد حياة امرأة تحمي شرفها بإيقاع من يحاول إغواءها في شر أعماله. وتنقذ المرأة حبيبها المسجون بالتظاهر بأنها أخته، وترشو حارس السجن ومديره إلى أن يجيء الوالي، فيعاقب الأشرار ويعيد الأمور إلى نصابها. واستوحى عبدالرحمن هذه القصة فجعلها في قالب مسرحي من ثلاثة فصول، كل منها يضم عدداً من المشاهد. وشخصياته: ضابط السجن، ومساعده، وجندي، وحسن وهند، وقاض، ووزير، وجوارٍ، وتاجر رقيق (نخاس)، ووالٍ. وتتشابه شخصية (هند) في مسرحية (حفلة على خازوق) في حيلها وأساليبها في سبيل الإفراج عن محبوبها (حسن)، وبين تلك المرأة من بنات التجار ذكرها المؤلف المجهول لحكايات (ألف ليلة وليلة)، خاصة حكاية (الوزير السادس في كيد النساء). ولقد استفاد المؤلف من أسلوب تكنيك القصة القصيرة في خاتمة المسرحية التي جاءت مركزة سريعة، بأسلوب الومضة المفاجئة التي ما تكاد تضيق حتى تختفي، وأيضاً وُفق في حواره الذكي المرح المختصر، وبخاصة في الفصل الثالث بعد لقاء هند بالوزير.
وفي هذه المسرحية.. يعود المؤلف إلى حكايا التراث فيجد الأحداث مهيأة، فيحسن اختيارها، والشخصيات جاهزة، ومعروف خصائصها، وما عُرف عنها فيعرضها بحبكة وافرة، وصراع درامي بالغ ذروته، وحل شائع ميسور. ويبقى أن الكاتب يعبر بذلك (الحدث المُنتخب) عن رؤيته الفكرية، والنفاذ من خلالها للتعبير.. تشكيلاً لغوياً، إيحاءً ومماثلة، عن رؤاه لقضايا ومشكلات عصرية. وعنها قال محفوظ: (في عام 1974 ركبت طائرة وحدث بها عطل، فهبطت في أحد المطارات، وألقوا بنا في المطار نهاراً كاملاً، ولم أجد ما أفعله سوى البدء في كتابة مسرحية: حفلة على الخازوق، وتغلبت على الإحساس بالبرودة وتخطيت حاجز الخوف الذي حطم تجربتي الأولى، وأنجزت تجربتي الثانية بعد أحد عشر عاماً من الصدمة الأولى، وكنت سعيداً بما فعلت).
ما أجملنا
مسرحية من فصل واحد، شخصياتها: والٍ في العصر العباسي، وحاجبه (كافي)، ووزيره (تنوير)، وأميرة، ووصيفتها (سفر). وتروي قصة عجوز ستلعب دور راوية القصص (شهر زاد)، وإنها خبرت كل شيء من أقدم الأزمنة... إلخ. وعنوان المسرحية أشبه بالمفارقة والتورية الساخرة، إذ إنه يضاد قبح الأحداث المروية، والفجوة بين المظهر والواقع، والشر المركوز في كثير من الشخصيات. وفي خطوة نحو تقديم أدبنا المسرحي العربي المعاصر إلى الساحة العالمية، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة إنجليزية لمسرحيتين للكاتب محفوظ عبدالرحمن هما: (حفلة على الخازوق- 1978) ترجمة: رادا الجوهري، و(ما أجملنا- 1984) ترجمة: سلوى حزين. وقد راجع ترجمة المسرحيتين د.مصطفى رياض أستاذ الأدب الإنجليزي بكلية الآداب، جامعة عين شمس. كما قدم لهما د.محمد عناني أستاذ الأدب الإنجليزي بكلية الآداب، جامعة القاهرة.
عن مسرحه وعنه
- وصفه الكاتب رجاء نقاش في كتابه (لغز أم كلثوم): (أحب أن أسمي محفوظ عبدالرحمن، باسم: نجيب محفوظ عبدالرحمن الرافعي، ذلك لأنه جمع في عمله بين كل من المبدعين الأديب العالمي نجيب محفوظ، والمؤرخ الرصين عبدالرحمن الرافعي معاً، لأنه صاحب قدرة فنية وفكرية عالية على فهم التاريخ والإحساس به).
- يؤكد الناقد سامي خشبة: (في مسرحيات محفوظ عبدالرحمن همّ فلسفي مستمد من التراث العربي، ولديه موهبة فريدة في إعادة خلق الحكاية التراثية خلقاً درامياً خاصاً وصياغة الجملة المسرحية بنجاح، مع المزج بين الحكاية والبناء المسرحي).
- قال د.سامي سليمان أحمد في (قاموس الأدب العربي الحديث): (إن محفوظ عبدالرحمن يكتب مسرحيات ذات إطار فانتازي ومضمون واقعي يحمل رموزاً ودلالات تدق ناقوس الخطر... إنه يستوحي -ضمن ما يستوحي- التراث العربي، رسمياً وفلكلورياً، ويسقط ما فيه على الواقع الراهن. وقد مست مسرحياته هموم الإنسان العربي في كل البلدان العربية التي قدمت فيها، ومنها -إلى جانب مصر- أبو ظبي والكويت وسوريا والعراق وتونس).
- الكاتب حلمي النمنم، وزير الثقافة المصري الأسبق: (إنه حالة إبداعية نادرة وخاصة في المسرح والدراما والتليفزيون والقصة، وأيضاً حالة إنسانية وطنية متسامحة ومحب لكل الناس فهو لا يعرف إلا الحب، وقادر على أن يلتقط ببراعة الجوهر في الشخصية).
- (محفوظ عبارة عن كتلة من المشاعر والعقل والرقة، مشاعره فياضة وكلماته غاية في الرقة)، كلمات عبرت بها الفنانة سميرة عبدالعزيز، عن مدى التفاهم الذي جمع بينها وزوجها محفوظ عبدالرحمن.
- عمل محفوظ عبدالرحمن في الصحافة، فكتب في العديد من الصحف والمجلات، منها: (الآداب، الثقافة الوطنية، الهدف، الشهر، المساء، الكاتب، الرسالة الجديدة، الجمهورية، الأهرام، البيان الإماراتية، الهلال، كاريكاتير، العربي، الأهالي). ونشر عام 1955 أولى مجموعاته القصصية (البحث عن المجهول) وتلتها رواية (اليوم الثامن) ومجموعة (أربعة فصول شتاء).
- انتبه عبدالرحمن مبكراً إلى دور الدراما، فكتب عام 1965 سيناريو أول تمثيلية تلفزيونية وهي سهرة عنوانها (ليس غداً). وكتب عام 1971 المسلسل التلفزيوني (العودة إلى المنفى) عن رواية بالعنوان نفسه للكاتب المصري (أبو المعاطي أبو النجا). كما كتب مسلسلات يغلب عليها الطابع التاريخي من أبرزها: سليمان الحلبى، وعنترة، والكتابة على لحم يحترق، والسندباد، وليلة سقوط غرناطة، ومصرع المتنبي، وأم كلثوم، وثلاثية بوابة الحلواني وهو مسلسل من أجزاء عدة يؤرخ لحفر قناة السويس الذي بدأ عام 1859 وصولاً لنهاية عصر الخديوي إسماعيل عام 1879. كما كتب للسينما أفلاماً منها: القادسية، وناصر 56، وكوكب الشرق، وحليم.
- في أواخر الستينات تولى سكرتارية مجلة السينما، ثم مجلة السينما والمسرح، ومجلة الفنون.
-عمل في المملكة العربية السعودية والكويت عدة سنوات منذ سبعينات القرن الماضي. ثم عاد إلى القاهرة، ليركز معظم نشاطه الفني في كتابة مسلسلات تليفزيونية، وأفلام سينمائية، وأعمال مسرحية.
- حصد محفوظ عبدالرحمن عدداً من الجوائز، منها: جائزة الدولة التشجيعية (1972)، وأحسن مؤلف مسرحي من الثقافة الجماهيرية (1983)، والجائزة الذهبية من مهرجان الإذاعة والتليفزيون عن مسلسل (أم كلثوم)، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون (2002)، وجائزة العقد لأفضل مبدع خلال 10 سنوات من مهرجان الإذاعة والتليفزيون.
وفي الختام: يقول المسرحي محفوظ عبدالرحمن: (لا يمكن لأي كاتب مهما كانت سطوته امتلاك ناصية أشكال الإبداع كلها حتى لو أنجز عبرها ما أنجز... لقد كتبت في أغلب مجالات الإبداع لذلك أعتبر هذا سلاحاً ذا حدين لأنك لا يمكنك أن تكون مبدعاً شاملاً.. وهنا أقول إن المسرح هو الأحب إلى قلبي... وأجد في التاريخ عالمي الذي فيه مكاناً لأحاسيسي وأفكاري والشخصيات تنبض دائماً بالحياة، وإن كتابة التاريخ وإسقاط رموزه على الواقع متعة...). وقد تبدو أعمال محفوظ عبدالرحمن المسرحية قليلة نسبياً مقارنة بغيره من المسرحيين إلا أن لها من التأثير الكثير، كونها حملت فكر كاتب ارتبط بتراثه وكان وفياً لتاريخه. لذا لُقب بـ(حارس بوابة التراث العربي)، و(حكاء سيرة أهل الفن).