كان الطهي في بداياته مهارة ضرورية من أجل البقاء، ومع نشوء المجتمعات الزراعية، بدأ يكتسب طابعاً ثقافياً، فظهرت الوصفات والطقوس والتمييز بين طعام العامة وطعام النخبة. ففي الحضارات القديمة من مصر وبلاد الرافدين إلى الصين وروما؛ أصبح الطهي تعبيراً عن الهوية الاجتماعية والثقافية والدينية، ومع العصور الوسطى ثم عصر النهضة، تحول الطهي في بلاط الملوك إلى لغة فنية غير معلنة، تُقاس فيها الهيبة بالتعقيد والجمال والندرة؛ لكن التحول الحاسم جاء في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين خرج الطهي من القصور إلى الفضاء العام، وبدأ يتحول إلى حرفة قائمة على المعرفة والتنظيم والذوق، أما اليوم، يُعتبر الطهي فناً تطبيقياً معاصراً، يجمع بين العلم والحس الجمالي والسرد الثقافي، وهنا يظهر طاهٍ مثل الفرنسي (ماري أنطوان كاريم)، ليس بوصفه طاهياً يُعدّ الطعام، بل أحد أهم الذين أعادوا تعريفه، من ضرورة بيولوجية إلى عمل فني وتجربة جمالية وحسية مكتملة، ولكن هل اكتفى صناع الفيلم بتلك الزاوية من حياة كاريم؟ أم أنهم صنعوا منها حكاية أكثر خيالاً؟ في مقابلة على بودكاست (The Joe Rogan Experience)، تحدث (مات ديمون) بصراحة عن تأثير نتفليكس -التي عرضت فيلمه الأخير (The Rip) والذي يتقاسم بطولته مع صديقه وشريك مشواره (بن أفليك)- على عملية السرد السينمائي في الأفلام، حيث تجعل المؤلفين يعيدون تلخيص وشرح الأحداث والحبكة أكثر من مرة أثناء عرض الفيلم؛ لأنها تريد تلبية سلوك المتفرج داخل المنزل، وهو متفرج مشتت بطبيعة الحال بسبب هاتفه المحمول من ناحية، وبسبب طبيعة المنزل الذي لا يوفر نفس الجو الهادئ والمظلم لدور العرض السينمائي التي تهيئ المتفرج لأقصى درجة ممكنة من التركيز والانخراط أمام الفيلم على الشاشة الكبيرة، وهو ما لا يمكن محاكاته في تجربة المشاهدة المنزلية مهما كبر حجم الشاشة؛ لأنها ليست العامل الوحيد في المعادلة.
حديث ديمون لا يدين نتفليكس، بقدر ما يرصد نمط سلوك المشاهد الذي تستهدفه نتفليكس وبقية المنصات الرقمية. ففي الوقت الذي ينحصر فيه الإقبال على دور العرض السينمائي على مستوى العالم من بعد جائحة كورونا؛ تأتي المقاطع القصيرة مثل الشورت والريلز التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي لتكون منافساً رئيساً لشد انتباه المتفرج وترفيهه، لما توفره من جرعة دوبامين عالية تجعل من نسبة تركيزه لمواصلة فيلم كامل أو حلقة تليفزيونية كاملة أمراً صعباً، ولذلك اتجهت المنصات التي لا تريد خسارة مشتركيها إلى تعديل قواعد الحكي والدراما، لكي تتواءم مع عادات المتفرج التي لا يمكن إصلاحها، بل فقط مواكبتها وخدمتها من وجهة نظر نتفليكس.
***
في الوقت نفسه لا تزال هناك منصات أخرى تراهن على المشاهد المنتبه، محب الدراما، من بينها منصة (Apple TV+)، فهي لا تنتج بغزارة، وتتمتع أغلب أعمالها بجودة إنتاجية وبصرية مذهلة، لأن لديها ميزانيات ضخمة ولا تحتاج للربح السريع من الاشتراكات، بقدر حاجتها لبناء سمعة لعلامتها التجارية، والسبب في ذلك يعود إلى أنها ليست شركة بث في المقام الأول، هي شركة تكنولوجيا وتبلغ قيمتها السوقية ما يتجاوز 3 تريليونات دولار، ومبيعاتها الأساسية هي أجهزتها التكنولوجية مثل المحمول وأجهزة اللاب توب وغيرها، ولديها سيولة نقدية عملاقة تسمح لها بتحمل الخسارة في مقابل بناء مكتبة فنية متميزة.
أحدث إصدارات تلك المكتبة هو مسلسل (Carême)، الذي يستند على كتاب (الطبخ للملوك: حياة أنطوان كاريم، أول طاهٍ مشهور) للمؤلف ومقدم الوثائقيات البريطاني (إيان كيلي). يأتي المسلسل ضمن عدد من الأعمال الناطقة بلغات أخرى غير الإنجليزية، وهو جزء من إستراتيجية تنوع المحتوى لجذب جمهور عالمي، فقد سبقه عدد من المسلسلات الناطقة بالفرنسية مثل: (La Maison) الذي يدور في عالم الأزياء والموضة، و(Drops of God) الذي يدور حول مزارع الكروم وصناعة النبيذ، مما يعني أن المنصة تختار مواضيعها بعناية لتلائم توجهات وذائقة كل بلد، حيث الخصوصية الثقافية تمثل عاملاً محورياً في تلك الأعمال، وليست مجرد دراما محايدة ناطقة بلغة البلد لا أكثر، وهي بذلك استفادت من تجربة (نتفليكس) السابقة، عندما نجحت في جذب الجمهور البريطاني إليها، وهو جمهور ذو ذائقة خاصة ولا يميل للأعمال الخفيفة، وقدمت له مسلسل (The Crown) الذي سرد قصة الملكة (إليزابيث الثانية) منذ توليها مقاليد الحكم وحتى أيامها الأخيرة.
تدور أحداث مسلسل (Carême) حول الطاهي الأسطوري أنطوان كاريم، وهو مشهور بكونه طاهي الملوك وملك الطهاة، وهو ليس مجرد تعبير مجازي أو تفخيمي فارغ من المعنى، بل توصيف دقيق للغاية لمكانة كاريم، وتلخيص ذكي لمشواره المهني، خصوصاً أنه بدأ من الصفر وبنى اسمه وسمعته بنفسه، فقد ولد لعائلة فقيرة جداً، فقيرة لدرجة أنها لم تتحمل نفقات معيشته، واضطرت إلى التخلي عنه وإلقائه في الشارع حرفياً، وهو دون العاشرة، ولكي ينجو بحياته عمل في أحد المطاعم الصغيرة، ومن هناك انتقل من مطعم إلى آخر، حتى اكتشفه طاهي الحلويات المرموق (سيلفان بايي)، وجعله مساعده الخاص في العمل، منحه بايي الدفء والحنان الأبوي الذي كان يفتقده، وهو ما أطلق لموهبة كاريم العنان، وأصبح يصنع حلويات رائعة المذاق ومعقدة الشكل حتى أصبحت هي الحلويات الرئيسة للمحل التي تجذب العشرات لهم.
***
في نفس الوقت وقع كاريم في غرام فن المعمار، وأمضى الساعات الطويلة في دراسة الرسوم الهندسية والمعمارية، واستوحى منها حلويات ضخمة مصممة على أشكال معابد وأهرامات ونوافير، جعلت شهرته تزداد بمرور الوقت، حتى طلب منه (شارل موريس تاليران) وزير خارجية نابليون، أن يصنع له حلويات كبيرة مميزة من أجل مناسبة رسمية مع أحد سفراء الدول، تاليران أعجب بموهبة كاريم وقدراته، فعرض عليه أن يكون الطاهي الرئيس للقصر وليس طاهي الحلويات فقط، مقابل ميزانية غير محدودة مع الأجر الذي يرضيه، وقد وجد كاريم في العرض فرصة لتطوير مهاراته وتجريب كل أصناف الطهي بدلاً من الاقتصار على الحلويات، وخلال فترة عمله تلك أعد كاريم ولائم رسمية لكبار البلاط والدبلوماسيين وحتى نابليون وملك بريطانيا وقيصر روسيا.. وغيرهم من الأمراء والنبلاء، حتى أصبح طاهي الملوك حرفياً.
من ناحية أخرى، لم يكتفِ كاريم بكونه الطاهي الأشهر في ذلك الزمن، فقرر توثيق كل شيء طوره في المطبخ الفرنسي الراقي ليكون مرجع لجميع الطهاة عبر سلسلة من الكتب الاحترافية، كما قدم عدداً من المحاضرات وأشرف على العديد من الطهاة الجدد. غيّر كاريم نظرة المجتمع إلى الأبد تجاه مهنة الطاهي، فقد أصبح الطاهي فناناً ومثقفاً وصاحب أسلوب وفلسفة جمالية، وليس مجرد صاحب حرفة أو عامل منزلي، كما أنه رسخ الزي الرسمي للطهي بالمعطف الأبيض والقبعة البيضاء الطويلة، حتى تكتسب المهنة مزيداً من التفرد والشكل الجمالي، وهو ما انعكس على المجتمع الأوروبي بأكمله، حتى أن المؤرخ الأمريكي (باول فريدمان) صاحب كتاب (الطعام: تاريخ من المذاق)، وهو أستاذ التاريخ في جامعة ييل؛ صرح أن الطاهي الفرنسي أصبح دلالة على الذوق الرفيع الملازم للمكانة الاجتماعية المرموقة لدى الأثرياء والسياسيين الأوروبيين، من بعد ظهور كاريم.
***
كل ما سبق هو حياة كاريم الحقيقية كما دونتها السجلات التاريخية، فكيف حولها صناع المسلسل إلى دراما حية؟ (إيان كيلي) و(دافيد سيرينو) العقلان الإبداعيان وراء المسلسل، وهما أيضاً كاتبا السيناريو، وجدا أن الاكتفاء بسرد القصة الحقيقية كما هي، دون الاشتباك مع الصراعات السياسية الحادة التي دارت في أروقة القصور التي دخلها كاريم وعمل فيها لصالح تاليران، بمثابة إهدار فرصة ضخمة لصنع دراما مليئة بالإثارة والتشويق، حتى لو تطلب الأمر تحويل كاريم إلى جاسوس سري يعمل لصالح تاليران، وينفذ مخططاته ومؤامراته التي لا تنتهي، حتى وإن كان ذلك غير ثابت أو لا توجد عليه أي أدلة تاريخية من أي نوع، ويبدو أن كيلي تأثر بمواطنه السيناريست الكبير (بيتر مورجان)، الذي يعتبر عراب دراما الفراغات السياسية عبر سلسلة من الأعمال مثل (The Crown) و(The Queen) و(Frost/Nixon) وغيرها، باستثناء أن مورجان لا يكتب تاريخاً بديلاً أو خيالاً بالكامل، ولكنه يتخيل الكواليس الحقيقية للأحداث السياسية والتاريخية ويكتبها بمنطق يجعلك تقتنع تماماً أن ذلك هو ما حدث بالفعل.
من زاوية الإخراج والتناول البصري، فالمسلسل لم يخضع للإيقاع المتوقع لدراما من العصر النابليوني، أولاً لأن السرد الدرامي نفسه ليس كلاسيكياً رغم كونه خطياً، بمعنى أننا نتابع الأحداث بترتيب زمني طبيعي، ولكن بإيقاع سريع ونفس لاهث، وليس بشكل متباطئ، ثانياً لأن المنصة تراهن على المتفرج المنتبه كما أسلفنا، ولذلك كان من الضروري أن يشعر بمخاطبة المسلسل له ولفئته العمرية، حيث يظهر كاريم بشكل عصري جداً مع موسيقى تصويرية حداثية ملائمة لنغمة وشكل المسلسل ككل.
يعيد المسلسل كتابة تاريخ ماضي كاريم، حيث لا يعرف لنفسه أهلاً حقيقيين، وتنطلق الأحداث من علاقة كاريم بأبيه بالتبني سيلفان بايي، ثم يعرض تاليران على كاريم العمل معه في القصر، إلا أن الأخير يرفض، حتى يفاجأ لاحقاً بالقبض على بايي لسبب غير مفهوم، فينصحه بايي بالذهاب إلى تاليران، وهناك يعده تاليران أنه سوف يحل المشكلة ويتوسط لإخراجه من السجن، ولكن في مقابل خدمة تجسسية، وتحت الضغط الإنساني يقبل كاريم ويتحول مع سير الأحداث إلى أداة في يد تاليران يحقق بها التآمرات والخطط التي يسعى إليها، إلا أن رئيس جهاز الشرطة (جوزيف فوش) يتتبع خيوط المؤامرة التي ينسجها تاليران بمعاونة كاريم. وشخصية فوش، خصوصاً بأداء ومظهر الممثل (ميشا ليسكون)؛ تعتبر أحد أكبر مكاسب المسلسل، فهو محقق شديد الدهاء والعبقرية، تخيل أن يكون خصمك في ذكاء ومهارة (شيرلوك هولمز)، وهو ما رفع مستوى الإثارة والمتعة إلى الحدود القصوى.
لكن ما لا يقوله صناع العمل صراحة، ويمر تحت السطح بعيداً عن ضجيج السياسة والتجسس، هو أن المسلسل في جوهره حكاية عن الأبوة بوصفها فراغاً لا يُملأ، لا بوصفها رابطة دم. كاريم يبحث طوال الوقت عن اعتراف يمنحه شرعية الوجود قبل شرعية النجاح، بعدما تُرك وهو طفل، لذلك لا يظهر الأب في حياته ظهور شخص، بل هو نموذج سلطة، فتاليران من ناحية يمنحه الحماية ويفتح له الأبواب، لكنه يفعل ذلك بمنطق النفعي البارد، بينما يقف فوش في الناحية المقابلة كأنه أب عقابي، لا يمنح حباً ولا ثقة، فقط رقابة دائمة وتذكير قاسٍ بأن السقوط ممكن في أي لحظة، وبين هذين النموذجين يتشكل الصراع الحقيقي لكاريم، لا أنه طاهٍ أو جاسوس، بل إنسان ممزق بين أن يكون ابناً مطيعاً للنظام، أو ذاتاً حرة ترفض أن تتحول إلى أداة.
ويُعمق المسلسل هذا الجرح الأبوي من خلال ثيمة الحب، التي لا تُقدم هنا على أنها ملاذ رومانسي، بل مأزق أخلاقي دائم، فكلما اقترب كاريم من علاقة إنسانية حقيقية، يُستدعى للواجب، لا بوصفه واجباً وطنياً فقط، بل واجب الطموح والامتنان ورد الجميل، لذلك لا نرى حباً مكتملاً، بل علاقات ناقصة واختيارات مبتورة وتضحية مستمرة.