مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

المضحكخانة الكبرى من سيرة الفكاهة المصرية

(السلام عليكم.. عليكم السلام كاتبه بخطه الذي لا يعرف بري القلم من قطعه، كناس عموم البنادر والمراكز حسن أفندي علي الآلاتي).
لطالما كانت روح الفكاهة، وخفة الظل، والسخرية، سمات أصيلة متجذرة في طبيعة وتركيب شخصية المصري، ولا عجب أن ينعت هذا الشعب بـ(شعب ابن نكتة)، وليست هذه بشيفونية بغيضة، فالفكاهة في مصر ليست وليدة اليوم أو العصر الحديث، وإنما هي قديمة قدم الحضارة الإنسانية نفسها، ويقال إن المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن العالم خلق من الضحك، فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق العالم أطلق ضحكة قوية، فكانت أرجاء العالم السبعة، ثم أطلق ضحكة أخرى، فكان النور، ثم ضحكة ثالثة، فكان الماء.. وهكذا تم خلق الكون من الضحكة السابعة. سجل أجدادنا المصريون الأوائل ضحكاتهم وفكاهتهم على أوراق البردي، وعلى جدران معابدهم، وحتى على قبورهم، فكأن الضحك قداساً من أقداس الحياة في أرض مصر، بل لا عجب أيضاً أن صنع المصري القديم لنفسه إلها للضحك والمرح نلتقيه جنوب الوادي، سمي هذا الإله بـ(بس)، وجسده الفنان المصري القديم على هيئة قزم، وجمع في ملامحه بين شكل الإنسان وهيئة القرد، فهو منتفخ الوجنتين والعضلات، ومترهل الثديين، وواسع العينين، مبتسماً مخرجاً لنا لسانه من فمه، مؤكداً على خفة ظله.
لقد تأصلت روح الفكاهة، وخفة الظل والمرح في نفس الشعب المصري منذ التاريخ القديم وربما منذ الأزل، فالضحك والسخرية تجري في دم المصري كجريان النيل في قلب أرضه، لهذا درس الفكاهة والسخرية المصرية الكثير من الفلاسفة والمؤرخين، بل انبروا في تدوين قصص وحكايات الضحك والمضحكين، خصوصاً هذا النوع من الفكاهة الذي يتماس مع نقد الحياة الاجتماعية اليومية، كذا الأحوال الشخصية، فبأريحية تامة تجد المصري يقلب ثقل وقع وعبء الأحداث الجسام، ويحيلها إلى أحداث ضاحكة، وسخرية ربما لا تنتهي حتى يومنا الحالي، ولهذا فما طرق للفكاهة باحث باباً واكتفى، ومع ذلك فلا ينفك الباحثون يطرقون هذا الباب فيجدون جديداً يقدمونه للقراء، وهو ما دفعني لتقديم أحد كتبي (المضحكخانة.. سياحة في تاريخ الفكاهة المصري) الصادر عن دار الرواق للنشر والتوزيع 2025م
ينقل لنا المحقق اللغوي أحمد أمين، في قاموسه (قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية) ما دونه رائد علم الاجتماع، عبد الرحمن بن خلدون في طبائع أهل مصر، فقد أكد أن روح البشاشة والفكاهة والنكتة سمة من سمات الشعب المصري. حتى أنه يقول (أهل مصر كأنهم فرغوا من الحساب)، أي لا يبالون بالعواقب، ثم يأتي تلميذه المصري، تقي الدين المقريزي يدعمه فيدون: (وعدم الإمعان في حساب العواقب يستتبع الفرح والمرح). ثم جاء ابن إياس الحنفي مدوناً عن السخرية المصرية فيقول: (وأهل مصر ما يطاقون من ألسنتهم إذا أطلقوها في حق الناس).
المضحكخانة
ومن بين قصص وحكايات الفكاهيين في مصر؛ حكاية (المضحكخانة)، حيث تبدأ مع (الشيخ حسن الآلاتي) أحد أهم الفكاهيين في نهايات القرن التاسع عشر، وبسببه ظهرت هذه الكلمة، وبتفكيك معنى (المضحكخانة)، نبدأ من كلمة (خانة) بالتاء المنقوطة، فأصلها يأتي من اللغة الفارسية، واستخدمت بكثرة في العصر العثماني بمعنى، (محل) أو (بيت) أو (دار)، إذن (فالمضحك خانة) عبارة عن كلمتين متراصتين هكذا، تعني دار الضحك أو محل الضحك، أو (قهوة الضحك).
يترجم لنا الدكتور شوقي ضيف في كتابه (الفكاهة في مصر)، عن حياة الشيخ الآلاتي قائلاً: بدأ حياته طالباً أزهرياً، فلقب بالشيخ، ثم تاقت نفسه للغناء فشغل واشتغل به لفترة ليست بالقصيرة، ومن هنا سمي بالآلاتي، ثم أصابه العمى في فترة متأخرة من حياته، ومن كتبه (ترويح النفوس.. ومضحك العبوس).
تأتي قصة تدشين المضحكخانة في مقدمة الكتاب (ترويح النفوس.. ومضحك العبوس): أنه -حسن الآلاتي- جمع أصدقائه الظرفاء والفكاهيين، واستقروا على مقهى بشارع الخليفة بالقاهرة، ليكون مقراً لهم لمزاولة فنون الضحك والتنكيت، والتندر بأحوال الناس، وسموا هذا المقهى بـ(المضحكخانة الكبرى)، ثم انتخبوا الشيخ حسن الآلاتي ليكون رئيساً لهذه الجماعة، فكتب الآلاتي:
(ولما زاد عددنا، وكثر مددنا، وضاقت علينا البيوت، وكدنا من كثرتنا نموت؛ اتخذنا مركزاً أميناً، وحصناً حصيناً، وهي قهوة في شارع الخليفة. ولما تم الانتظام، ورضينا بهذا المقام؛ سمينا هذه الجلسة الغرا بالمضحكخانة الكبرى...
...وتداولوا في أمر من يولونه الرياسة ليسوسهم أحسن سياسة، فما رؤوا غيري أهلاً، ولا يصلح سواي بعلاً، فقالوا لي يا أيها الشيخ العنيد، يا ذا الفهم البليد والرأي السديد، قد اخترناك لهذه الإمرة ورضيناك رئيساً على هذه الزمرة).
سن مجلس (المضحكخانة الكبرى) قانوناً خاصاً لدخول المقهى، هو أن يضع الداخل للقهوة رسالة في التنكيت والظرف (نكتة)، فإذا حازت إعجاب المجلس كانت جواز عبوره لهذا العالم الضاحك. واشتهر المقهى، وذاع صيت هذه الجماعة بأوسع النطاقات ببر مصر، وطلب مجلسهم الكثير من العوام والساسة، حتى أن بعض الساسة والأمراء كانوا يجيئون له متخفين لسماع آخر النكات والقفشات والسخرية، حتى وإن كانت عليهم أو على من يعرفونه، فهؤلاء المضحكخانية سخروا من كل شيء، وعلى كل شيء.
القهاوي
كانت (القهاوي) المصرية -ولا أقول المقاهي- تجسيداً ثرياً لأحوال مصر الثقافية، الفنية، والأديبة في القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين، حيث كانت ملجأ لكل طوائف الفنون من الغناء والمسرح وحتى فنون الطائفة الظريفة (الأدباتية)، ففيها ظهر التنكيت والظرف في أبهى حلة وأفضل شكل، وعلى واحدة منها ظهر كتابنا الرائع (ترويح النفوس ومضحك العبوس)، فطبع الكتاب في أواخر القرن التاسع عشر، وغرضه الرئيس كان واضحاً هو الإضحاك -ولا شيء آخر- فالكتاب ما جاء إلا لعرض ما كان يدور في قهوة (المضحكخانة الكبرى) التي أسسها حسن الآلاتي مع رفاقه الظرفاء بشارع الخليفة بالقاهرة.
ضمن حسن الآلاتي في ترويح النفوس أشعارهم وخطبهم وأزجالهم ونوادرهم وألغازهم، وبالطبع نكتاهم، ثم إلى غيرها من فنون الإضحاك والمؤانسة، فيستعرض الآلاتي ما يرد إلى قهوته من إنتاج فكاهي لطالب الدخول في زمرتهم ويصحبهم في معيتهم، وكان على رأسهم (الشيخ رمضان حلاوة) من الإسكندرية. لم يكتفِ الآلاتي بعرض الرسائل الواردة للمضحكخانة، بل كان يشرحها ويرد على بعض المراسلات منها.
عرضنا أعلاه كيف اختير الآلاتي ليعين رئيساً (للمضحكاخاتية) لكنه قبل أن يقبل بهذا المنصب الرفيع، تمنع بعض الشي، وفي هذا يقول: (فامتنعت كل الامتناع، وصهلت صهيل الضباع، وزأرت زئير الخيل، وسألتهم أن يمهلوني إلى الليل، وكان قصدي بهذا الإمهال التنصل عن طلبهم والإهمال، فلما أقبل الليل الحالك واجتمعنا ثانية هنالك سألوني السؤال الأول، وقالوا لسنا عنك نتحول، فقلت أيها الإخوان اعلموا أنني لست من فرسان هذا الميدان، ومالي في هذه الإمارة وما عندي فهم ولا تجارة ولا إدراك أسوس به حمارة، فكيف أسوس الرجال الفحول الذين لا يعرفون العرض من الطول، فقاموا علي بالعصي وتوعدني المعتد والخصي، وقالوا إن لم تقبلها قبلناك، وإن لم ترضها رضيناك، فقلدت تلك الوظيفة بالجبر، وأنا لا أحسن المقابلة من الجبر).
وبعد أن تمت البيعة لحسن الآلاتي وفوض عليهم بالإمارة، كان واجباً عليه إكمال هيكلهم التنظيمي، أو اختيار وظيفة ودرجة نفوذ لكل عضو من أعضاء المجلس، فطلب منهم أن يكتب كل عضو له برسالة في الظرف والتفكه، لكي يقرأها ويقيم صياغتها وأسلوبها ومن ثم يعطي لكل عضو وظيفته ودرجته بالمضحكخانة الكبرى.
(يا أبا اللطائف، لا بد أن تقلدنا بالوظائف، حتى يقف كل منا عند حده، ويعرف أباه من جده، فقلت لهم نِعم ما طلبتم ولقد أصبتم، غير أني لا أنعم بهذا الإنعام إلا أن يقدم لي أنموذجاً من الكلام).
وبعد أن تفحص حسن الآلاتي الرسائل التي جاءته من الأعضاء أعطى لكل واحد منهم وظيفة لطيفة تليق به من وزن الكلام، فيقول الآلاتي:
(فمنهم الشيخ العارف وظيفته بوظيفة ناظر مقاطف، والآخر تمرجي قلايط، والآخر مخرنجي تراب شايط، آخر وظفناه سهريج الغزاب، وآخر ناظر وقيد آخر بلطجي وخشاب وآخر ناظر مغيبات وآخر باش مفتري وآخر مخزنجي موبقات، وهكذا من تلك الوظائف اللطيفة والمناصب الشريفة).
افتتح الآلاتي مجلس المضحكخانة بصفة الرئيس، فاجتهد بشكل غير مسبوق في جعل اللغة مثيرة للضحك والهزار، فعمد إلى نحت لغة، وكأنها لغة استدعاء الجن في حكايات ألف ليلة وليلة، لإضفاء روح المرح، وجعل هدف الكتابة لغرض الضحك، ويتضح فيما بعد، أن سار على نهجه الكثير من المضحكين في كتابة الفكاهة الحديثة، فيقول في مطلع خطبة الافتتاح: (فلقد باضت على رؤوسكم أفراخ أفراح يميش درويش الانبساط وفاضت على نفوسكم بمغناطيس كابيس بردعسيس أشد أهد ما يكون البقسماط...).
رسائل
ومن الرسائل التي عرضها للأعضاء قصيدة (الشيخ رمضان حلاوة) الذي قال عنه إنه بلغ من العلم أقصى غاية، إنه من الإسكندرية، ولما سمع بالمضحكاخانة أرسل لهم رسالة عبارة عن قصيدة ومن خلالها نعته بالزكاء وغزارة العلم، ومنها:
إني أحبك من صدري إلى وركي
حبا كحب القروش الصاغ والشرك
حتى على البعد يا معروف بالدعك
أهدي سلامي يجاري البحر في السمك
وينطوي كانطواء الرجل للحنك
ومن النماذج السردية النثرية التي عرضها الكتاب، دعوة إلى المضحكخانة بالزيارة عنونت (صورة علم طلب أخرى):
(الجبان الصنديد والحصان الحديد أجعص من ضرب وتد في البيد وأشيع بموته في الصعيد رئيسنا العنيد عاجز أفندي. قد انتظمت رجال المضحكخانة انتظاماً كانتظام السلخانة برجال يسبقون الوابور لا سيما لو أبصرت زعيمهم فلله درهم من رجال عتاة، يأكلون البلح بنواه، فلهذا قد عمنا السرور ما لا مزيد عليه، فعند ذلك قلنا دةْ دةْ لا ليهْ. ولا يتم انتعاش النفوس إذا كانت من بني عبس إلا بحضور من تسعى إليه المجامع وانقلوا على ظهره البرادع صاحب الدكانة والبلاغة من له في حارته كل يوم غاغة العنيد البلاماني عدو اللسان فنروم منك التشريف لأجل أخذكم في الرديف وبصحبتكم مقاطف الغش ويكون الحضور في ليلة السبت الساعة ستة بعد العصر من سبعة وأربعين نيسان الموافق غرة رجب لغاية شعبان أفندم).
والمدقق في ترجمة الدكتور شوقي ضيف يجد أن حسن الآلاتي توفي عام 1889 وهو عام طباعة الكتاب، لذا نجد على غلاف الكتاب أنه طبع على نفقة خليل كنعان، ويروي الدكتور شوقي ضيف في كتابه الفكاهة عما روي عن حسن الآلاتي من خفة ظل وظرف، منها أن أحد الوزراء أهدى إلى حسن الآلاتي مركوباً- حذاء- جديداً في يوم من أيام الأعياد، فبعث حسن الآلاتي إلى الوزير يشكره رسالة مفادها: (أن كل إنسان يوم القيامة يحشر تحت ظل صدقته).
جاء كتاب ترويح النفوس، في فترة انتشرت فيها الدعوة إلى استخدام العامية المصرية الدارجة في الكتابة والتأليف، كان هدفه كسابقه (هز القحوف) هو الإضحاك، ولكنه اختلف عنه في البعد عن الألفاظ البذيئة التي عج بها كتاب الشربيني، كما أن الآلاتي أدخل بعض المفردات والألفاظ الأجنبية بحروف عربية- على عكس كتابة الفرانكو الآن- منها (سنيوريا وبراوة أو برافو) وهو ما كان مساراً جديداً في الكتابة الساخرة فيما بعد. كما أن العامية التي يصدرها الشربيني عامية أهل القرى أما حسن الآلاتي فعامية أهل البندر أو المدن.
في نهاية الجزء الثالث يطل علينا محمود عوني ليكتب عن الكتاب بأجزائه الثلاثة: (أما بعد فيقول الذي ما قالشي اللي عرف يعني ولا يعرفشي، لقد اطلعت على كتاب ترويح النفوس ومضحك العبوس فوجدته كتاباً أشهى من الرحيق وأطيب من نفحات الشقيق).

ذو صلة