بخوت المرية، واسمها الحقيقي بخيتة بنت عايض آل عذبة المري، أيقونة تمثل صوت البادية المنسي، وقوة الكلمة البدوية، ومرونتها المذهلة في مواجهة تحولات القرن العشرين.
لُقبت بـ(بخوت المرية) انتساباً لقبيلتها المعروفة، آل مُرة، التي كانت مشهورة بالفروسية والدهاء وصدق العزيمة، فقدت بخوت والدتها وهي صغيرة، وعاشت في كنف والدها، مُخالطة الحياة الصحراوية بكل تفاصيلها القاسية والجميلة، ما منحها تجربة حياتية مُستقلة وثرية انعكست على صدق شعرها وعمق رؤيتها للعالم.
قيل إنها تزوجت ثلاث مرات ولم تُرزق بذريّة، إلا أن إرثها الحقيقي كان القصائد التي خلدت سيرتها وسيرة قومها.
كتبتْ عن قبيلتها بفخر بالغ، مؤكدة على أصالة وعزة آل مُرة في ساعة الشدائد، مستخدمة مفردات الفروسية التي تميزت بها البادية:
(يا اللي يفكّون الطلب عقب الأدماس
رَبعي مصخّرة العدو بالغصيبة
إليا منهم ركبوا على سرج الأفراس
وتحيزموا من فوق قبّ عريبة
وإليا اعتزوا بمعرّب عالي الساس
خلوا على جمع المعادي عطيبة)
تعد بخوت المرية من أبرز شاعرات الجزيرة العربية، حيث لمع نجمها، صوتاً شعرياً نسائياً نادراً في سماء الشعر النبطي.
ما يميز تجربتها الشعرية هو قدرتها الفائقة على دمج الحياة البدوية الكلاسيكية بظواهر الحداثة الميكانيكية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الصحراء تشهد تحولاً هائلاً بدخول الآلات الثقيلة والسيارات والطائرات، لم تقف بخوت موقف المتفرج أو الرافض، بل استلهمت هذا التغيير، مجسدة في قصائدها مزيجاً نادراً بين الحُب والتأمل ووصف حركة المحركات المعقدة.
هذا الدمج كان لافتاً لكونه صادراً عن امرأة بدوية في تلك الفترة الزمنية، مما يعكس ذكاءها الحاد ومواكبتها لبيئتها المتغيرة، حيث كانت قادرة على التقاط أدق تفاصيل حركة الماكينات ووظيفتها.
في وصفها لحركة محرك السيارة (الماك)، وهي تشق طريقها الصعب في الرمال، تكتب معبرة عن انسيابية وقوة هذه الآلة بكلمات عامية بليغة تصلح أن تكون تشبيهاً لحال القلب المضطرب:
(حنّ قلبي حن ماكٍ على سمر العجل
حافه السواق والدرب ممسوكٍ وراه
إن تسنّد عشّق اثنين ولحّقه بالدبل
وان تحدّر ريّحه لين ياصل منتهاه)
إن استخدام مصطلحات تقنية، مثل: (عشّق اثنين): تعشيق التروس، و(الدبل): الدفع الرباعي، في الشعر النبطي التقليدي؛ يُعدّ سبقاً فريداً.
ولم يقتصر وصفها على مركبات البرّ فحسب، بل تجاوزته إلى السماء، فنجدها تصف طائرة تمر بسرعة فائقة، وكيف أن صوتها يبقى خلفها بسبب سرعتها الهائلة، مقارنة إياها بسخرية خفيفة بسيارات الدوج المغروزة في الرمال:
(راكب اللي في سما العرش تمشي بحركات
صوتها من سرعها وراها تنثله
الحقتْ ركّابة الدوج من غير أدموات
ومرّت الدّوج المغرز يدفنونه هله)
يتميّز شعر بخوت المرية بكلمات شعبية عاميّة فيّاضة بالمعنى وقوية الوصف، ونابعة من صدق التجربة الإنسانية.
فهي لم تتكلف في القول أو تحاول التجميل اللغوي، بل كتبت كما تتحدث وكما تشعر، ما جعلها منافسة قوية في ميدان الشعر النبطي الذي كان يغلب عليه الصوت الذكوري. إذ تجسد لديها مفهوم (التحدي والفخر الأنثوي) المقترن بالفخر القبلي والاجتماعي.
لقد تجرأت بخوت على إعلان صوتها والاحتفاء بمهارتها الشعرية التي نافست بها كبار الشعراء، معبرة عن عدم اكتراثها بنقد من يحاولون التقليل من شأنها بوصفها امرأة شاعرة:
(ألعب المنكوس وارفع بصوتي ما عليّ
من هل المنقود وأهل العلوم الهيّنة
ذا نهار من أبرك أيام ربي يا علي
يوم عيّنا هملنا وشفنا بيّنة)
كما كان الحب العفيف والحنين الموجع من الأغراض الأساسية التي احتلت مساحة واسعة من ديوانها الوجداني، حيث أبدعت في تصوير المعاناة العاطفية ولوعة الفراق بعمق مؤثر، مستخدمة لغة بسيطة ولكنها تخترق القلب:
(عليه قلبي يابسات عروايه
أقفا بقلبي من ضلوعي يجرّه
ذا لي ليال قاعدة في حراويه
لين انها زادت عليّ المضرّة)
وتُصور بخوت قوة الهواجيس التي لا تفارقها، مبالغة في وصف تعلقها المؤلم بطريقة تعكس عمق الشجن لديها:
(انا دمع عيني بالدقايق وبالساعات
وماهي على فرق المحبين مسترة
هواجيس قلبي كل ما قلت راحت جات
تعوّد علي في اليوم خمسة عشر مرة)
ويظهر في شعرها بوضوح الحنين الطاغي إلى حياة البدو وحرية (بيت الشعر)، مقارنة بواقع الاستقرار الجديد في (بيت الطين) أو المدينة.
تعبّر عن ألم الانتقال من حياة البداوة إلى حياة المدن في مقارنة مليئة بالشجن والوفاء للماضي ورفاق الدرب الذين غادروا:
(وجودي على بيت الشعر عقب بيت الطين
وجودي على شوف المغاتير منثره
وجودي على خوة هل الموتر المقفين
وجودي على شوف السهل من ورا الحرّه)
وتُعد قصتها الشهيرة قبيل العيد دليلاً على شخصيتها القوية وقدرتها على التعبير عن الرفض والغضب.
فحينما قرر والدها البقاء لرعاية الإبل بدلاً من اصطحابها مع القبيلة للاحتفال بالعيد في القرى، عبّرت بخوت عن استيائها وغضبها بحدة غير معهودة على والدها، متمنية ذهاب إبله نوعاً من العقاب، وهو ما يوضح مدى تعلقها بأجواء المجتمع وأهمية العيد لدى فتاة تتوق للمرح:
(ياجماعة وإن عزمتم على أنكم راحلين
غمغموني عن مظاهيركم لاشوفها
ول عودٍ لاش رحمه ولا قلبٍ يلين
جعل ذودك في نحر قومٍ وانت تشوفها
عيدوا بي في الخلا والفريق معيدين
كل عذرا نقشت بالخضاب كفوفها)
رحلت بخوت المرية عن عالمنا في عام (1995م)، تاركة خلفها إرثاً شعرياً لا يُمحى.
ورغم أنها لم تنل حظها الكافي من الأضواء الإعلامية في حياتها، إلا أنها خلدت تجربة أنثوية فريدة، وموقفاً إنسانياً أصيلاً ومُتحدياً.
بخوت المرية يمكن تلقيبها بـ(ناي البادية) الشاعرة التي جعلت من رمال الصحراء كلمات، ومن أزيز المحركات لحناً، وظل صوتها نابضاً بالكرامة والحنين والحب والفخر.