مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

معارض الكتب.. صعوبات وتحديات

إن الحديث عن معارض الكتب في وقتنا الحالي يشكل تحدياً في حد ذاته، ففي ظل عالم الفضاء الإلكتروني وعصر الرقمنة، ومع متطلبات الجيل الجديد أو ما يطلق عليه اليوم (Gen Z) الجيل الذي نشأ خلال أواخر العقد الأول والعقد الثاني من الألفية الثالثة، وجب علينا أن نسأل أنفسنا بداية عن مدى جدوى هذه المعارض بالنسبة لهم؟ بغض النظر عن الأجيال السابقة، والتي لا تزال تحكم عقولها الأمور التقليدية في الطباعة والنشر وصناعة الكتاب، وهي بالقطع لها إسهام كبير في معارض الكتب كصناعة أو كمستهلك إن جاز التعبير، يجب علينا أن ننظر نظرة مستقبلية للجيل الأكثر تفاعلاً الآن، وما يقوم به من رسم ملامح المستقبل أو ربما بدأ في رسمه بالفعل، هذا إن أردنا التحدث عن الاستدامة لمعارض الكتاب.
التحدي الأول لمعارض الكتب، كيف نضمن لها الاستدامة في ظل التطورات المتسارعة والطفرات العلمية التكنولوجية المخيفة؟ ثم تناول هذا الجيل لها بصفته أحد أعمدة بنيان معارض الكتب، فالمؤلف والناشر والموزع والقارئ هم الأعمدة الأساسية لإقامة المعارض. ربما حان الوقت الآن لخلق حلول جديدة ومبتكرة لمواكبة أذواق هذا الجيل بما لا يتعارض مع القيم والأخلاقيات الإنسانية، ومن ثم إيجاد طرق ووسائل للوصول إليهم.
يجب التعامل مع معارض الكتب على أنها مهرجانات ثقافية وفكرية ليس الهدف منها فقط تحقيق الربحية وحصرها في كونها سوقاً لبيع الكتب، فما يفتقده هذا الجيل هو الشعور بالتواصل الحقيقي لا التخيلي، ومن هنا تأتي البرامج والفعاليات الثقافية والفنية المصاحبة لمعارض الكتب، وقدرتها على حشد أكبر عدد من الشخصيات المثقفة والمؤثرة، هذا أيضاً بجانب الاهتمام بصانعي المحتوى الرقمي الجيد، والحرص على إدماجهم في الأنشطة الثقافية كأحد عوامل الجذب القوي لهذا الجيل بالمعارض.
تحد آخر خاص بدور النشر والتوزيع، باعتبارهم الرافد الأساسي والرئيس للمعارض، وهذا التحدي أزمة مشهورة أو ربما نقول الأزمة التقليدية المطروحة على مر السنين، وتتمثل في التحديات الاقتصادية التي تواجهها دور النشر من ارتفاع تكاليف الإنتاج كأسعار الورق والأحبار وماكينات الطباعة وبخاصة مع اتجاه العالم الآن إلى تخفيض المنتجات التي تضر بالبيئة والتقليل من استهلاك الورق والاتجاه إلى العصر الرقمي وبقوة، تليها أزمة أخرى تواجهها دار النشر والتوزيع، ضعف الإقبال على شراء الكتب، فلا يزال الكتاب المطبوع يعاني من ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما جعل الكتاب الورقي سلعة رفاهية لبعض الفئات، وعليه، فقد اعتمدت دور النشر على الروايات باعتبارها الأكثر مبيعاً دون غيرها، وقلت الأعمال والإصدارات ذات الفكر والعمق الفلسفي أو العلمي أو الكتب ذات الأجزاء المتعددة إلا إذا كانت مدعومة من مؤسسة تتحمل تكلفتها الباهظة، وبالتالي ارتفاع أسعار ومن ثم قلة قراءتها، ومع قلة القراءة اتجه القارئ نفسه لاستهلاك ثقافة العصر الرقمي الرخيصة والسريعة في آن، فانتشر ما يسمى بالمقاطع القصيرة المرئية والفيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تهدف إلى اكتساب المعلومة في دقائق، ومن خلال صور مرئية لا تعتمد على التركز والقراءة المتأنية، والتي ساهمت إلى حد بعيد في العزوف عن القراءة. ناهيك أيضاً عن انتهاك حقوق الملكية الفكرية وما يسمى اليوم بالقرصنة الإلكترونية التي أصبحت في وقتنا الحالي أحد الأسباب الأساسية في تراجع بعض دور النشر مادياً وعملية إنتاج الكتب نفسها، حتى مع محاولات دور النشر الاتجاه إلى الفضاء الإلكتروني وإنشاء منصات إلكترونية لبيع الكتب.
ومن المشكلات التي تواجه دور النشر والتوزيع أيضاً ارتفاع أسعار اللوجيستيات للمعارض الدولية مثل الشحن وتأجير المساحات المخصصة للناشرين وإقامات البائعين، مما يضيق الخناق على دور النشر الناشئة، هذا بالإضافة إلى التحالفات القوية بين دور النشر الكبيرة وبخاصة في مجال النشر الإلكتروني والتي لا تجد الصغيرة منها والناشئة فرصة لخلق سوق لها وسط هذه التحالفات القوية.
ومن هنا نتحدث على ضرورة وجود رعاة داعمين لمثل هذه المعارض يقومون بدور مجتمعي مهم في أن تظل هذه المعارض قائمة مع مناشدة لدور النشر في التقليل من الربحية، ونتعرض هنا لإشكالية أخرى هل الناشر والموزع مجرد تاجر يهدف إلى الربح فقط؟ أم له دور مجتمعي مهم تجاه مجتمعه؟ بداية من اختيار النصوص المنشورة إلى بيعها، وعلى كل الأحوال فمعارض الكتب بفعالياتها الثقافية من أهم المؤشرات على التقدم والتحضر والرقي، فهي تقدم خلاصة الفكر الإنساني، وهي ليست مجرد سوق لبيع الكتب، وإنما هي حدث ثقافي واجتماعي واقتصادي مهم لما تقدمه من نشر المعرفة وتعزيز مفهوم القراءة وأيضاً مركز لتبادل الآراء والحوار والتفاهم بين الشعوب والثقافات المختلفة والتعرف على التيارات الفكرية والأدبية الجديدة، ولا تقل أهميتها الثقافية والمعرفية عن أهميتها المجتمعية والاقتصادية، فهي تساهم بشكل كبير في تنشيط الاقتصاد المحلي للمدينة المضيفة، وخلق حراك اقتصادي ومجتمعي وعلمي على كافة المستويات بداية من الطفل والمواطن العادي إلى العلماء.
وللمسؤولين عن إدارة معارض الكتب دور أساسي وأصيل في إنجاحها، بداية من التخطيط الإستراتيجي للمعارض وتحديد أهدافها واختيار التوقيت المناسب، والتسويق الجيد، والعمل على تحقيق أكبر استفادة ممكنة للمستهدفين من الزائرين وكذلك بالطبع الناشرين.

ذو صلة