مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

قراءة في التحديات والفرص

أولاً دعونا نتحدث عن مفهوم النشر، فهو عملية طويلة تشمل عدة عناصر لإنتاج وتوزيع المعلومات والأعمال الفكرية مثل الكتب، والمجلات، والأبحاث، والمحتوى الرقمي على نطاق واسع، بهدف إيصالها إلى المتلقي لتحقيق الفائدة المرجوة، سواء كانت علمية أو ثقافية أو تجارية. وللنشر أساليب مختلفة تبدأ من الطباعة التقليدية إلى الوسائط الرقمية عبر الإنترنت. أما الناشر فهو الشخص أو المؤسسة التي تدير هذه العملية، وقد تكون شركة أو مؤسسة نشر، أو فرداً يقود شركة نشر، أو دورية، أو صحيفة، ويمكن أن يشمل ذلك التقارير السنوية، وتقارير البحث، وأبحاث السوق، وموجزات السياسات، والتقارير الفنية.
أحد أهم ما يميز الكتب الورقية أنها تعزز التركيز والاستيعاب السريع. أما عن معرض الكتاب الورقي أو الكلاسيكي وصلاحيته اليوم، فحسب تجربتي من خلال المعارض الدولية في معظم البلدان العربية، فإن الكتاب الورقي ما زال سيد الموقف، إذ إن الإقبال على معارض الكتاب الورقية ما زال جيداً. وهنا ليست المسألة مسألة تفضيل بين الورقي أو الإلكتروني، فلكل منهما مزاياه. الكتاب الورقي يتميز بالنسبة للقارئ بالاستيعاب وجودة التركيز، فهو ليس مجرد مصدر للمعلومات، بل كنز ثقافي وتاريخي يعكس تطور الفكر عبر العصور. كما أن الكتب الورقية القديمة والمخطوطات النادرة لها قيمة لا تُقدر بثمن، ومن تعود على قراءة الكتاب الورقي لا يستطيع التخلي عنه، فهو يستمتع مع القراءة برائحة الورق وملمسه، ويتيح له تسجيل ملاحظاته في هوامش الكتاب. المكتبة في البيت جزء من التراث الذي لا يمكن تعويضه بالكتب الإلكترونية، لأن القراءة هي تربية قبل كل شيء؛ فالطفل الذي يجد في منزله مكتبة ينشأ على حب الكتاب. ومن تجربتي الشخصية وممارسة مهنة بيع الكتاب ضمن دار مدارات، أجد أن الشباب ما زال متمسكاً بالكتاب الورقي.
أما الكتاب الإلكتروني فهو عملية تتيح نشر الكتب رقمياً عبر منصات مثل أمازون، أو أبجد، أو حتى النشر الذاتي عبر منصات متخصصة. وبالرغم من الفوائد الكثيرة للنشر الورقي، فإن للنشر الإلكتروني أيضاً مزاياه، فهو يتيح تحميل أكبر كمية من الكتب في وقت وجيز، وتوفّر المادة المطلوبة بمجرد تحريك سهم الكمبيوتر أو الهاتف الذكي الذي أصبح في متناول اليد، كما أن سعره مناسب. إلا أن هناك مساوئ، مثل إجهاد العين عند القراءة الطويلة على الشاشات. الناشر الناجح هو الذي يدمج بين الشكلين، موفراً الكتاب بالورقي والإلكتروني مع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التحليل والتوزيع. ومن الفروق الجوهرية أيضاً أن الكتب الورقية لا تحتاج إلى بطارية أو اتصال بالإنترنت، مما يجعلها متاحة في أي وقت وأي مكان دون القلق من تعطل الأجهزة أو انقطاع الطاقة. وفي بيئات العمل القانونية، خصوصاً أثناء جلسات المحاكم أو البحث في القضايا، تُعدّ الكتب الورقية خياراً أكثر موثوقية من الملفات الإلكترونية.
أما فيما يتعلق بالقارئ الجديد وتغيير الذائقة القرائية، فالأجيال الشابة تمثل تحدياً، وموضوع جذب القارئ غير التقليدي سؤال مهم وذكي. دائماً ما أحرص على التواجد في معارض الكتاب بنفسي كناشرة، لأني قرأت الكتاب عدة مرات، وأعتمد في البيع على النقاش حول المادة (الونسة). بالنسبة للشباب أو القارئ الجديد، أنصح دائماً بقراءة المذكرات أو السيرة، خصوصاً الغيرية منها، لأنها توفر معلومات موثقة عن شخصيات مؤثرة، وتغني المعرفة، وتستخلص الدروس من النجاح والفشل والتغلب على الصعوبات، وقد تلهم الشباب في التوثيق والكتابة. وقد نجحت هذه الطريقة مع القراء من الشباب، وكنت أحرص على التواصل معهم، وكثير منهم تواصلوا معي وشكروني على الاختيار.
أما الناشر العربي بين الكلفة والتوزيع والرقابة وفرص الشراكات الإقليمية والدولية، فمن خلال تجربتي كناشرة سودانية في المعارض الدولية، طالما كنت في مجال النشر تصبح الحياة مليئة بالتحديات. هناك كثير من الصعوبات في المشاركة في المعارض الدولية، فبعد تجاوز كلفة إيجار الجناح العالية، توجد صعوبات لوجستية في الشحن ووصول الكتب في الموعد المحدد، وكذلك الرقابة على الكتب في الرفوف وأثناء العمل، وبعض المشاكل السياسية، مثل توقف كثير من الدول عن معارض الكتاب الدولية، ورفض بعض الدول منح تأشيرات لبعض الجنسيات.

ذو صلة