مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

على بعد خطوة واحدة

فتحت صنبور الماء وأخذت تتأمل الماء المتدفق الذي لا ينقطع، أنارت كل الأضواء في غرفة الفندق، حتى أضواء الحمام، وكأنها تحتال على العتمة داخلها. تحسست نعومة فراشها عدة مرات، ثم رمت بنفسها أخيراً على السرير المرتب المغطى بملاءات بيضاء كما أسرة الأميرات، واستسلمت لهذا الإحساس الغريب بالأمان، ولتلك اللذة التي عبرت جسدها كله، وخرجت كتنهيدة طويلة.
مرت السنوات الثلاث الأخيرة عليها كالجحيم، كانت تشعر بفقدان القدرة على التوازن، ومعالجة الألم والقهر اللذين صارا سمة عامة للحياة في بلادها، شعور بالعجز جعل المسافة التي كان عليها أن تقطعها كل يوم من سريرها إلى الخارج أطول طريق في العالم.
الشيء الوحيد الذي كانت تستطيع فعله، مراقبة الناس، مراقبة وجوههم التي طمست ملامحها الدموع، وحولها القهر والذل إلى نسخ متشابهة بعيون مترقبة. فالجميع هنا يستشعرون خطراً ما قد يظهر فجأة، حتى وهم يقفون على طوابير الخبز وأبواب المؤسسات الاستهلاكية.
كانت تشعر بشيء من الواجب تجاههم، ولم تجد حلاً لإنزال كل تلك الحمولة التي كادت تقسم ظهرها، إلا الكتابة عنهم. فهي لا تكاد تتوقف لحظة عن التفكير بعيون الآباء الدامعة على واجهات المحلات، وقلوب العشاق الذابلة على مقاعد الانتظار، بالآمال المحطمة على أبواب الشركات، بجثث الأحلام التي ملأت شوارع مدينتها، ولحظات الفراق التي تعج بها ذاكرة الأمهات، بالبرد والجوع والعطش والحياة والموت، والأطفال المشردين الذين يقايضون طفولتهم بلقمة العيش.
تلتقي كل يوم وجوهاً كثيرة، تسكن داخل رأسها وتحول لياليها إلى حروب لا تتوقف. كان انتصارها الوحيد أن تنجح بجعل وجه من تلك الوجوه بطلاً من أبطال قصصها. تصنع له حياة كاملة؛ أحلاماً، رغبات، أمانيَ، وحتى ذكريات. لم تعنها النهايات السعيدة أبداً، لأنها لم تقتنع بوجودها يوماً، لذلك كانت في أكثر الأحيان تبحث عن مخرج للحكاية دون نهاية، فتقف دائماً على بعد خطوة منها.
عندما قرأت اسمها من بين أسماء الفائزين بمسابقة عربية للكتابة، لم تستطع أن تحدد مشاعرها، ربما لأنها شعرت أنها سرقت وجوه الناس وصنعت لهم حكايا على مقاس بؤسهم وقلة حيلتها.
لم تكن سعيدة كما يجب، ولم تكن حزينة أيضاً، ربما كانت راضية لأن الحياة أخيراً منحتها التفاتة ما. الحياة نفسها التي لم تتوقف يوماً عن المرور بجانبها وتجاهلها.
رأت في الحلم تلك الليلة أبطال حكاياتها، تحديداً وجوههم، كانت تلك الوجوه ملتصقة ببعضها البعض تصنع جسراً في فراغ شاسع، وكانت هي تمشي فوقهم، لكن الوجوه لم تتأفف من خطواتها الثقيلة بل كانت مبتسمة. وجهها فقط كان حزيناً، وصوتها مكتوم، كانت تحس لسانها كقطعة خشب يابسة داخل فمها، وكلما همت بالصراخ شعرت أنها على وشك الاختناق.
مشت فوق الوجوه مرغمة، خائفة من السقوط. آخر وجه كان وجه طفلة صغيرة، كان مبتسماً أيضاً، لكنها لم تدسه، واختارت القفز نحو الفراغ، فأيقظها ارتطامها بالأرض بعد أن سقطت عن السرير.
لم يكن سريرها ذاك يشبه هذا السرير الذي تستلقي عليه في هذه اللحظة، في هذه الغرفة الأنيقة. والحقيقة أن لا شيء هنا يشبه شيئاً من حياتها في مدينتها البائسة.
لم تستطع التوقف لحظة عن المقارنة منذ أن وصلت، ولا عن الشعور بالحسرة، والخوف أيضاً، الخوف من لحظة العودة إلى الظلام، والشوارع المقفرة، والوجوه الحزينة. حاولت جاهدة أن ترمي بكل تلك الهواجس، أن تقتلع القلق الذي لا يكف عن تنغيص حياتها، وأن تستسلم للفرح، ولكن هناك أشياء وأشياء مازالت عالقة في حلقها، مازالت تسحبها جهة الفراغ الشاسع الذي رمت نفسها به في الحلم.
وقفت على شباك غرفتها في الطابق العاشر، في هذا البلد الجديد، تتأمل كل ما تقع عينها عليه ملياً، تراقب الشوارع المزدحمة رغم الوقت المتأخر، نوافذ البيوت المضاءة، ربما كانت تحاول حفظ شكل الحياة في البلاد التي لا حرب فيها.
وكآخر طريقة لإخماد نار القلق داخلها، أخذت تفكر بالصباح الذي ينتظرها، بالوجوه الجديدة التي ستلتقيها، الوجوه المشرقة التي لا تخشى الضوء، ولا تمشي محدقة بالأرض، غداً تلتقي قلوباً لم تتعفن من البؤس، وتسمع أصواتاً قوية لم يرهقها الصراخ في الطوابير.
كانت الرابعة فجراً عندما عادت إلى فراشها بعد أن بدأ النعاس يسيطر عليها، وضعت رأسها على الوسادة، وأخذت تتخيل نفسها على منصة التتويج.
تخيلت كيف سيكون لاسمها أخيراً معنى، عندما يقال بصوت عال على الملأ، فهناك في بلادها العالقة بين فكي الحرب سقطت المعاني من كل الأسماء، صارت كل الأسماء اسماً واحداً بمعنى واحد. غداً، ربما، تسترجع حقها بأن يكون لها اسم، ستكون نفسها، وتُسقط أخيراً شبهة الأرقام عنها.
أعادت تلك اللحظة في خيالها مرات ومرات، أرهقها تخيل شعور السعادة، كل شيء في الواقع، أرهقها، مذ لحظة قطعت الحدود، وبدأت ترى عالماً جديداً ومختلفاً، عالماً خارج حدود غرفتها الضيقة والرطبة. ثم غفت أخيراً، وعيونها في الحلم مازالت مشدوهة، وقلبها مازال يقفز وهي تسمع اسمها يعاد، ويعاد، ويعاد والحضور يصفق.
رن المنبه في الساعة الثامنة، أطفأته دون أن تشعر، فجسدها كان حتى تلك اللحظة تحت خدر لحظات السعادة التي تخيلتها، حضنت وسادتها المريحة، ابتسمت وهي نائمة وكأن الملائكة تداعب وجهها، كان كل شيء مثالياً للنوم والأحلام، سرير دافئ لم تحظ بمثله من سنين، فراش مريح، وسادة بين ذراعيها وأخرى تحت رأسها. يمر الوقت، وهي مازالت مستغرقة في النوم، وكأنها تعوض عن كل تلك الليالي التي قضتها تحدق في سقف غرفتها الباردة، تتخيل حبال مشانق مدلاة ومعلق عليها كل الوجوه التي لم تفلح بإنقاذها، كانت تنام وكأنها تحقق رغبتها القديمة بأن تغفو إلى الأبد.
يحدق مقدم الحفل بالمقعد الفارغ أمامه، في مبنى المركز الثقافي، يكرر اسمها للمرة الرابعة. أماهي فقد كانت على نومتها ذاتها، تحتضن وسادتها في غرفة الفندق، تحلم باسمها كيف يذاع، وبالجمهور كيف يصفق، وتقف على بعد خطوة واحدة من النهاية السعيدة.

ذو صلة