لا يختلف اثنان داخل الوسط الفني المغربي، بأن عميد النقد المسرحي هو الراحل حسن المنيعي بدون منازع، نظراً لما قدمه طيلة مسيرته من خدمات جليلة للفن المسرحي، عبر تدريس تقنياته ومستجداته بالجامعة المغربية، والتي لعب فيها تحصيله العلمي والأكاديمي المتين دوراً بارزاً في ذلك، إذ ساهم هذا الرجل في تكوين أجيال من الطلبة والفنانين المسرحيين، عبر محاضراته الرصينة التي كانت تنم عن تمكنه من قواعد فن التدريس الحديث.
ولد حسن المنيعي يوم (17 أغسطس 1941م) بمدينة مكناس، التي تلقى بها تعليمه الابتدائي المزدوج، حيث حصل على الشهادة الابتدائية باللغة العربية من المدرسة الإسماعيلية الحرة، ثم على الشهادة الابتدائية باللغة الفرنسية من إحدى المدارس الفرنسية، وأتمم دراسته بمدينته إلى أن حصل على شهادة البكالوريا، ليلتحق بعدها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، التي حصل بها على شهادة الإجازة في الأدب العربي سنة (1961م)، ثم على شهادة الدروس المعمقة في الأدب المقارن سنة (1963م)، وهي السنة نفسها التي سيعين فيها كأستاذ للغة العربية بثانوية المولى إسماعيل بمدينة مكناس.
غير أن طموح الأستاذ حسن المنيعي لم تقف عند هذا الحد، حيث كان حلمه أن يصبح أستاذاً جامعياً للمسرح، وهو ما قاده لتحضير دكتوراه السلك الثالث بجامعة السوربون بباريس، التي حصل عليها سنة (1970م) في موضوع: (أبحاث في المسرح المغربي) تحت إشراف الدكتور: شارل بيلا (Charles Pellat)، كما حصل من الجامعة نفسها على دكتوراه الدولة سنة (1983م) ببحث تحت عنوان: (مشكل الهوية في المسرح العربي المعاصر) تحت إشراف الدكتور: ميشيل باربو (Michel Barbot)، وتحقق حلمه بتعيينه أستاذاً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية -ظْهَرْ المَهْرَازْ- بمدينة فاس، مدشناً بذلك انطلاق الدرس المسرحي بالجامعة المغربية.
تجمع بين حسن المنيعي والمسرح علاقة حب متبادلة، إذ انخرط منذ صغره في العديد من الجمعيات المسرحية بمكناس، ورغم أنه لم يبصم على حضور متميز ساعتها في التشخيص المسرحي، إلا أنه كان حاضراً في كواليس العديد من المسرحيات ومنها مسرحية (خَرُّوبْ بْلاَدْنَا)، التي عُرضت سنة (1960م)، بالمهرجان الرابع للمسرح المغربي في الرباط، وحازت آنذاك على الجائزة الأولى.
غير أن المنيعي اقتنع بأن علاقته بالمسرح تبرز في الكتابة والتدريس أكثر من التشخيص، خصوصاً عند التحاقه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس التي كانت لحظتها تعيش فراغاً في الأطر المغربية، فانتمى بذلك إلى الجيل المؤسس لهذه الكلية الفتية، رفقة أساتذة الأدب العربي، من قبيل: (محمد بَرَّادَة)، (أحمد المَجَّاطي)، (إبراهيم السُّولامي)...، الذين قاموا بتطعيم الدراسات الأدبية التقليدية بالمناهج النقدية الحديثة والمفاهيم النظرية الغربية، مساهمين في فتح أفق الجامعة المغربية على العالم.
وقد تميز الأستاذ حسن المنيعي عن غيره من الأساتذة المغاربة طيلة مسيرته الأكاديمية، بإلقاء الدرس المسرحي بطريقة جديدة، إذ كان يركز دائماً على تزويد طلبته بأبرز النظريات المسرحية التي كانت تغزو المجلات والملاحق الثقافية الباريسية، مثل: المسرح الملحمي، مسرح القسوة...، إلى جانب مزاوجته في محاضراته بين ما تشهده الساحة الجامعية الفرنسية بآخر صيحاتها وتطوراتها النظرية والإبداعية، وبين مسرح الهواة المغربي وروائع الرائدين (الطَّيِّب الصَّدِّيقي) و(أحمد الطيب العَلَجْ)، وهو ما أعطى لمحاضراته قيمة علمية كبيرة، التي جعلت الطلبة من مختلف مناطق المغرب وخارجه يتشوقون إليها، حيث اعتاد الجميع أن يكون المدرج داخل الكلية مملوءاً عن آخره.
ولم يكن المنيعي ناقداً مسرحياً فقط، بل اجتمع فيه مفهوم الناقد العاشق للأدب والفن، فكتب عن (محمود أمين العالم) و(يمنى العيد) و(طه حسين)، كما كتب عن الفن التشكيلي، وترجم نصوصاً من مرجعيات جمالية متعددة، فربط علاقات مع مجموعة من الفنانين التشكيليين، فهو من الأوائل الذين كتبوا عن الفنان (محمد القاسمي) وآمنوا بموهبته المتفردة.
وبعد مسيرة دامت زهاء عشرين سنة في تدريس المسرح بالجامعة المغربية، سيحصل حسن المنيعي في سنة (2004م) على تقاعده، لكنه بقي وفياً للمسرح، فواصل إصدار كتاباته وأبحاثه حول هذا الفن الخالد، مستمراً في مواكبة تجارب المسرح العربي وعروضه، إلى أن وافته المنية بمسقط رأسه يوم (13 نوفمبر 2020م).
لقد بصم المنيعي على إصدارات غزيرة وقيمة في النقد المسرحي نذكر منها: (أبحاث في المسرح المغربي 1974م)، وهو أول بحث أكاديمي حول المسرح المغربي، (التراجيديا كنموذج 1975م)، (نفحات عن الأدب والفن 1981م)، (هنا المسرح العربي... هنا بعض تجلياته 1990م)، (المسرح والارتجال 1992م)، (المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة 1994م)، (المسرح والسيمولوجيا 1995م)، (دراسات في النقد الحديث 1995م)، (الجسد في المسرح 1996م)، (المسرح فن خالد 2003م)، (قراءات في مسار المسرح المغربي 2003م)، (النقد المسرحي العربي.. إطلالة على بدايته وتطوره 2012م)، (عن المسرح المغربي.. المسار والهوية 2015م)، (مقاربات مسرحية 2019م).
هذا التوهج الفكري والإبداعي سيقود حسن المنيعي إلى الحصول على العديد من الجوائز المحلية والأجنبية، منها جائزة المغرب للكتاب سنة (1996م) عن مؤلَّفِه (الجسد في المسرح)، كما حظي بتكريم من مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي والمعاصر سنة (2017م)، وأيضاً من مهرجان قرطاج المسرحي سنة (2018م).
وختاماً يمكن القول بأن تجربة الدكتور حسن المنيعي في مجال النقد المسرحي تعد علامة فارقة في تاريخ الأدب والفن المغربيين بصفة خاصة والعربيين بصفة عامة، إذ شكلت أبحاثه مرجعية أساسية للباحثين في الميدان المسرحي، وحلقة من حلقات الدرس النقدي، ما يجعل هذا الرجل المعطاء عميداً للنقد المسرحي المغربي بامتياز، وستظل أعماله مرجعاً لا محيد عنها لكل من أراد النبش في عوالم الفن المسرحي.