مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

الكتاب الورقي المقاومة في الزمن الرقمي

من الشرفات التأملية الهادئة التي تهيئها أوراق الصفحات الناعمة، ومزيج رائحة الحبر والورق والمطابع، والإغفاءة العميقة على خدّ صفحة خير أنيس وجليس؛ إلى القفزات السريعة، والنقرات المتشعبة، والتداخل بين اللغة والصورة والصوت.
هذا التحول الذي نشهده اليوم مع تطور الفضاء الرقمي، وظهور النصوص اللامادية، وتحولها من الورق إلى الشاشة؛ أصبح واقعاً ملموساً. فالعالم الذي نشأ على الورق والحبر بات محكوماً بالضوء والخوارزميات، وبين هذين العالمين يعيش القارئ والمبدع في بيئة جديدة أعادت تشكيل النص، وتعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة.
لقد كان للنصوص منذ اختراع الطباعة سلطة ثابتة، حيث يقوم الكتاب الورقي بوظيفة الحفظ والتوثيق، فهو الوعاء الأسمى للمعرفة والثقافة، والوسيط الراسخ في وجدان القرّاء والكتّاب والمبدعين، بخصائص مادية دقيقة: كالوزن، والحواف، والرائحة، ونوع الورق، والتناسق الطباعي.. كلها عناصر منحت القراءة طقوساً خاصة، مكاناً وزماناً وإيقاعاً.
فالكتاب عبر تاريخه الطويل يعد الركيزة الأساسية في تشكيل الوعي الإنساني، والتنظيم الثقافي للمعرفة، وقد ارتبطت القراءة بوصفها فعلاً تأملياً بالنص الورقي، غير أن صعود الشاشات منذ نهايات القرن العشرين، وتطور الذكاء الاصطناعي في العقدين الأخيرين؛ قد أديا إلى تغير بنيوي في مفهوم النص وطرق تلقيه، وبات السؤال عن نهاية الكتاب سؤالاً مزدوجاً: هل يتعلق الأمر بنهاية شكلٍ مادي؟ أم نهاية مركزية معرفية وثقافية؟
ومع تحوّل الوسيط من الورق إلى الضوء وسيولة الشاشة، أصبح النص قابلاً للتمدّد، يعيد تشكيل نفسه بحسب المتلقي، وصار القارئ مشاركاً في صناعة المعنى عبر روابط وتعليقات وتفاعلات فورية، ونشأ ما يسمى النص اللامادي، فلا وزن ولا حواف ولا نهايات واضحة، نصٌّ متدفق لا يخضع لاقتصاد الندرة، بل تتحكم المنصات في مساره أكثر من المؤلف، فهو لا يشكل مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة، بل ولادة لنص جديد يُوزع عبر خوادم لا نراها، ويُقرأ عبر واجهات متغيرة، ويخضع لخوارزميات تُبرز بعضه وتخفي بعضه، وهنا تتحول القراءة من فعل تأمليٍّ هادئ إلى نشاطٍ سريع تلتهمه الإشعارات، وتشتّته النوافذ، وتقطعه الروابط.
وفي سياق هذا الحديث أعرض لتجربتي الثقافية بين هذين العالمين: الورقي والضوئي.
حيث نشأت في بيئة متعلمة ومثقّفة، وفي أسرة تملك مكتبة منزلية، وكانت القراءة من الاهتمامات الأولى لدى العائلة، والكتاب رفيقاً حميماً أراه في كل الأوقات، وفي زوايا البيت، فكنت أصافحه، وأعانق رائحته، حتى أصبحت القراءة شغفاً والكتاب مؤنساً في الحلّ والترحال، ورغم ذلك شدّني الضوء وسحر الشاشات، فكنا من أوائل العائلات التي اقتنت جهاز حاسب آلي في البيت قبل اختراع نظام النوافذ 95، وعلى صعيد آخر أُسنِد إلي تدريس مقرر الأدب التفاعلي قبل عدة سنوات، فلم يعد النص مجرد مادة للشرح أو التحليل، بل فضاء حي يتحرك ويتشعّب، وبوابة ولجتُ منها إلى العوالم الرقمية، حيث تتكسّر الحدود التقليدية بين الكاتب والقارئ، ويصبح النص شبكة من الروابط والاحتمالات المتدفّقة المفتوحة، لا سطراً خطياً يقوم من البداية إلى النهاية.
وفي مطلع عام 2024م تشرّفت بالمساهمة في مشروع جمع البيانات الداعمة لنموذج (علّام) التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وهو أول نموذج وطني يجيب عن استفسارات المستخدمين في مجالات معرفية متعددة باللغة العربية، بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد دُرّب النموذج على واحدة من أكبر مجموعات البيانات العربية عالمياً، إضافة إلى محتوى إنجليزي متنوع، ويأتي علّام ثمرة تعاون تقني بين (سدايا) وشركة IBM، بهدف دعم التدريب والبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، وتطوير النماذج اللغوية والمبادرات التقنية على المستويات المحلية والعربية والإقليمية.
ورغم انخراطي مبكراً في تدريس الأدب التفاعلي، وتعاملي عن قرب مع النصوص الرقمية وشبكاتها التشعبية، بل مشاركتي في مشروع الحصول على البيانات الداعمة لمشروع علّام؛ فإن هذا الاندماج في الفضاء الرقمي لم يلغِ شغفي العاطفي والمعرفي بالكتاب الورقي، لقد أبهرتني الشاشات الضوئية بمرونتها وسهولة حمل الكتب الإلكترونية إلى كل مكان، وخفّة وزنها، وسرعة الوصول إلى محتواها؛ غير أن هذا كله لم يزحزح مكانة الكتاب الورقي في تجربتي القرائية، فالكتاب المطبوع يظلّ وسيطاً لا يُختزل، ومادة تشكّل حضوراً حسياً، وطقسياً، وحواراً هادئاً لا تمنحه الشاشة، ومن ثم فإن الإقبال على الصيغ الرقمية لا يعني موت الكتاب الورقي، بل يثبت -في تجربتي الشخصية على الأقل- أن وسائط القراءة يمكن أن تتعايش في منظومة واحدة يتقدم فيها كل وسيط بحسب حاجته ووظيفته دون أن يُقصي الآخر.
وتكشف ظاهرة ازدهار معارض الكتب العربية والعالمية، وما تشهده من تزاحمٍ لافت لشرائح عمرية وثقافية متباينة؛ عن حقيقة مهمة مفادها: أن الكتاب الورقي لم يفقد مكانته الرمزية ولا وظيفته المعرفية في الوعي الجمعي، فالإقبال على شراء الكتب واقتنائها في سياقات احتفائية كمعارض الكتب يشير إلى أن التجربة الورقية ما زالت تمتلك سحرها الخاص، ذلك السحر المتصل بعلاقة حسية وطقسية بين القارئ والكتاب، لا تعوضها كلياً الشاشات أو المنصات الرقمية.
ويتجلى هذا الحضور الحيّ بوضوح في التجربة القريبة لمعرض الرياض الدولي للكتاب الذي شهدناه في شهر أكتوبر، حيث تحولت أجنحته إلى فضاء نابض بالحياة والبهجة، يلتقي فيه القرّاء ودور النشر في مشهد يشي بأن الورق مايزال يحتفظ بقدرته على استدعاء الناس نحو المعرفة، وأن التحوّل الرقمي لم يلغِ الوسيط التقليدي، بل أعاد تشكيل وظيفته ضمن بيئة قرائية تتعايش فيها الصيغ المختلفة للنص.
وختاماً، فالكتاب لن يموت ولن يختفي، فالوسائط لا تلغي بعضها بل تتجاور، وقد مرّت البشرية من قبل بتحولات مشابهة، فظهور الطباعة لم يلغِ المخطوط، كما لم تلغِ الشاشة الكتاب الورقي. ورغم قوة الوسيط الرقمي لايزال الكتاب الورقي يحتفظ بقيمته، فهو رمز الثبات في عالم سريع الزوال، ورمز المقاومة الثقافية أمام طوفان السرعة، كما يظل الملاذ الأنيق لخلق تجربة تأملية لا تتوافر بسهولة في الفضاء الرقمي.
ويبقى العنصر البشري هو مركز المعنى، فالآلة لا تستبدل القارئ، لكنها تمنحه أدوات جديدة، وطرقاً مختلفة للفهم، ووسائط أكثر ثراء، ولغات أكثر حيوية، كما أن الكاتب لم ينتهِ دوره فهو مايزال يملك رؤيةً وإحساساً ووعياً لا تستطيع الخوارزميات محاكاته بالكامل.
إن الحديث عن نهاية الكتاب هي محاولة لفهم ولادة نص جديد يتجاوز المادة ويعيش في الضوء، ويخضع لسلطة الذكاء الاصطناعي، هذا التحول العميق يدخلنا في عصر لم تعد فيه القراءة مجرد فعل ثقافي، بل أصبحت ممارسة معقدة عبر وسائط متعددة، تعيد تشكيل وعينا وطريقة معرفتنا بأنفسنا وبعلاقتنا بالنص والمعنى واللغة.
في هذا الزمن لا ينتهي النص، بل يتحوّل ويتعدّد ويتشظّى، حيث لم يعد الكاتب في البيئة الرقمية منتجاً وحيداً، بل يدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكاً جديداً في عملية التأليف، وهنا يجد الإنسان نفسه مطالباً بأن يطور أدوات جديدة للقراءة والكتابة، وأن يعيد اكتشاف دوره في صناعة المعنى في عالم تتكاثر فيه النصوص بوتيرة غير مسبوقة، ويتقاطع فيها الإنساني مع الخوارزمي في إنتاج معنى جديد للعالم.

ذو صلة