ما يثير في هذا الكتاب بأننا نستطيع أن نصنع نسخة عربية موازية منه من دون أن نتعدى على حقوق المؤلف ديفيد ماركس المشغول في كتابه بالثقافة الواطئة والعالية وفق التصنيف الغربي. لأن الأفكار الواردة في متنه من الجدية والإثارة معاً كي تصلح لنناقش فيها الواقع الثقافي العربي، بينما خصص الكاتب ديفيد ماركس كتابه للثقافة الغربية حصراً.
وديفيد ماركس هو مؤرخ ثقافي أمريكي بارز، اشتهر بتحليلاته العميقة لتطور الذائقة والاتجاهات في الثقافة المعاصرة. يحمل خلفية أكاديمية في الأنثروبولوجيا، ويقيم في طوكيو، حيث كتب عن الموضة اليابانية، والموسيقى، والهوية الثقافية. كتابه الأول Ametora: How Japan Saved American Style تناول التأثير المتبادل بين الثقافة الأمريكية واليابانية في مجال الأزياء. أما كتابه الجديد Blank Space: A Cultural History of the 21st Century، فيقدم أطروحة نقدية حول الركود الثقافي في الغرب، ويحلل كيف أصبحت إعادة التدوير والتكرار سمة العصر، في ظل هيمنة السوق والخوف من المخاطرة.
هكذا في زمن تُعاد فيه الأغاني كما تُعاد تغريدات السياسيين، وتُنتج فيه المسلسلات كما تُنتج الإعلانات، يطرح الكاتب ماركس سؤالاً مزعجاً: هل توقف الإبداع الثقافي؟
سؤال يبدو غربياً في مظهره، لكنه يطرق أبوابنا نحن أيضاً، في عالم عربي يزداد فيه الإنتاج الفني كمّاً، ويقلّ فيه المعنى جرأةً وتجديداً.
في كتابه الجديد يقدّم ماركس أطروحة جريئة: الثقافة الغربية تعيش حالة ركود إبداعي، حيث تهيمن إعادة التدوير على كل شيء، من الموضة إلى الموسيقى، ومن السينما إلى النجومية. لم تعد هناك مفاجآت، بل فقط تحسينات شكلية على نماذج قديمة.
السبب؟ هيمنة السوق، الخوف من المخاطرة، وانهيار البنية التي كانت تنتج المعنى.
لكن هل هذا الركود خاص بالغرب، أم أن الثقافة العربية تعيش فراغها الخاص، بصيغة مختلفة؟
هل يمكن أن نقتبس أطروحة ماركس لا لنكرّرها، بل لنفككها ونختبرها في سياقنا؟
وهل يمكن أن نعيد تعريف (الفراغ الثقافي) عربياً، لا بوصفه غياباً للإنتاج، بل غياباً للجرأة، للسؤال، وللصوت الذي يزعج؟
يرى ماركس أن الثقافة الغربية في القرن الحادي والعشرين دخلت مرحلة (الفراغ الإبداعي)، حيث لم تعد تنتج أفكاراً جديدة، بل تعيد تدوير ما سبق.
الكتاب لا يندب الماضي، بل يحلل كيف ولماذا توقف الإبداع، ويقدم تفسيراً ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً لهذا الركود.
في القرن العشرين، كانت كل عقدة زمنية تحمل توقيعاً ثقافياً خاصاً: من موسيقى الروك إلى البانك، ومن السينما التجريبية إلى الموضة الثورية.
أما اليوم، فـ(الزمن مضغوط): لا فرق بين 2005 و2025، لا في الأزياء ولا في الموسيقى ولا في الأدب. كل شيء يبدو مألوفاً، معاداً، بلا مفاجأة.
يربط ماركس هذا الركود بسيطرة النيو-ليبرالية، حيث أصبح الربح هو المعيار الوحيد للنجاح الفني.
الشركات تفضّل الإنتاج الآمن، والجمهور يُعاد تشكيل ذائقته وفقاً لخوارزميات المنصات، لا وفقاً للمغامرة الجمالية.
يهاجم المؤلف ما يسميه (البوبتيزم)، أي الاحتفاء بالثقافة الشعبية بوصفها معقدة ومهمة. لكنه يرى أن هذا الاحتفاء تحول إلى تمجيد للنجومية، حيث يُكافأ من يكرّر نفسه ويُرضي السوق، لا من يزعج أو يبتكر.
رغم وفرة الإنتاج الثقافي، فإن الجرأة النوعية في تراجع. الأغاني تُنتج بسرعة، الأفلام تُصمم لتناسب المنصات، والموضة يُعاد تدويرها كل موسم.
(Blank Space) عنوان الكتاب الذي يقتبس عنوان أغنية لمطربة البوب الشهيرة تايلور سويفت ترى فيها أن الحب لعبة وتقترح أن تلعبها مع خليلها. حيث اقتبسه ماركس بوصفه استعارة ثقافية، لا مرجعية موسيقية ويمكن أن أسميه الفراغ الثقافي دون تردد وأنا أقتبسه كمعادل للثقافة العربية وفق المعادل الموضوعي الذي اقترحه علينا ت. اس إليوت الذي كان يقيس فيه الزمن بملاعق القهوة والشاي، المساحة الفارغة ليس مجرد عنوان، بل توصيف لحالة: فراغ في المعنى، فراغ في الزمن، فراغ في الجرأة، فراغ في القدرة على المفاجأة.
حسناً. سأمنح نفسي هذا التخويل لأطلق السؤال الحرج وإن كان مزعجاً: هل تعاني الثقافة العربية الجادة من (الفراغ)؟
إذا كانت الثقافة الغربية تعاني من فراغ بسبب السوق، فإن الثقافة العربية تعاني من فراغ بسبب الخوف، التكرار، والامتثال، المصلحة الأنانية، الخنوع للخطاب السائد، عدم إغضاب السلطة.
لكن السؤال الأهم عربياً ليس عن البوب وحده، بل عن الأدب والنقد والدراسات والصحافة والموسيقى والتلفزيون واللغة العربية نفسها التي أهدر دمها علانية تحت وطأة خطاب المنصات السائد.
هل ما زالت الرواية العربية تطرح أسئلة جديدة؟ هل ما زال النقد الأدبي يزعج ويكشف؟ هل ما زالت الكتابة الفكرية تجرؤ على الخروج من النسق؟ في العقود الماضية، شهدت الرواية العربية انفجاراً كمياً، لكن هل شهدت تحولات نوعية؟
كثير من الروايات اليوم تُكتب وفق قالب جاهز: سرد ذاتي، خلفية سياسية، لغة شاعرية، نهاية مفتوحة.
الجوائز الكبرى (البوكر، كتارا) أصبحت معياراً للنجاح، لكنها أحياناً تُعيد إنتاج الذائقة، لا تجددها. أين النقاد الذين يكتبون ليكشفوا، لا ليُجمّلوا؟ كثير من النقد اليوم يُكتب بوصفه مرافقة للرواية، لا بوصفه سلطة مستقلة.
غابت المدارس النقدية، وغابت المعارك الفكرية، وحلّ محلها الاحتفاء والترويج.
هل ما زالت الكتابة الفكرية العربية تطرح أسئلة مزعجة؟
كثير من الدراسات تُعاد صياغتها وفق منطق التوافق: لا تزعج السلطة، لا تزعج الجمهور، لا تزعج المؤسسة.
غابت الجرأة في تفكيك الدين، الجنس، السلطة، والهوية، وحلّ محلها التحليل الآمن.
الفراغ العربي ليس غياب إنتاج، بل غياب القلق المعرفي. الثقافة الجادة أصبحت تُنتج لتُدرّس، لا لتُزعج. الكاتب يُكتب ليُقرأ، لا ليُقلق.
الناقد يُنشر ليُعتمد، لا ليُعارض. خذ الثورة الموسيقية المتصاعدة في العالم العربي التي يدعمها الإنتاج الرقمي وعصر التلفزيون الذهبي، هل هناك ما يوازيها في النقد الموسيقي المتعلم، وليس الكتابة الصحافية الانطباعية، كم كاتب درس الموسيقى أو على الأقل تعلم المقامات وتحسسها كي يكتب عن الأغنية؟ هل لديه ما يكفي من المعرفة في علم الأصوات وهو يقيم مطربي اليوم؟ الإجابة ستكون صادمة بلا شك!
يمكن أن نعيد هذه الأسئلة على أصناف الإبداع الأخرى ونقول كم ممثلاً عربياً قرأ كتاب (إعداد الممثل) لكونستانتين ستانيسلافسكي؟ سنصدم مرة أخرى!
كيف نخرج من الفراغ الثقافي إذن؟ أسئلة لا أجوبة.
إذا كانت الثقافة العربية الجادة تعاني من فراغ لا في الكم بل في القلق، فإن الخروج من هذا الفراغ لا يكون بإنتاج المزيد، بل بطرح الأسئلة التي نخشى طرحها.
ليس المطلوب أن نكتب أكثر، بل أن نكتب بشكل مختلف.
ليس أن ننتقد، بل أن نُقلق. ليس أن نُرضي المؤسسة، بل أن نُربكها. سنواجه بالسؤال المكرر هنا، وأصحابه على (حق) عندما يتعلق الأمر بالسوق وليس بالإبداع (لا تتحدث عن الإنتاج من دون أموال الحكومات المشروط)!
كثير من الروايات تُكتب لتُدرّس في الجامعات، لا لتُقرأ في الشارع. كثير من النقد يُكتب بلغة لا تُفهم، لا ليُفهم.
هل يمكن أن نعيد الاعتبار للكتابة بوصفها فعلاً مزعجاً، لا منتجاً أكاديمياً؟ غابت المدارس النقدية، وغابت معها المعارك الفكرية.
هل يمكن أن نعيد تشكيل تيارات فكرية جديدة تخرج عن سطوة الخطاب الرسمي الحكومي، لا تقوم على الأسماء، بل على الأسئلة؟ هل يمكن أن نكتب نقداً بلا مجاملة، وفكراً بلا خوف، ورواية بلا وصفة جاهزة؟
ربما لا يأتي التجديد من المركز، بل من الهامش: من الكتابة النسوية التي تُقصى، من النقد الذي لا يُنشر، من التجريب الذي يُرفض.
هل نعيد النظر في من نقرأ، لا فقط في ما نقرأ؟ هل ما زالت الصحافة الثقافية قادرة على كشف الركود؟ أم أنها أصبحت جزءاً من آلة الترويج؟ هل يمكن أن نعيد لها دورها بوصفها سلطة نقدية، لا منصة دعائية؟
كان لدى ديفيد ماركس إجابات تقنع القارئ الغربي في كتابه، لكنني لسوء الحظ لا أمتلك ما يعادلها عندما يتعلق الأمر بالثقافة العربية، فقد كان جوهر عملي الصحافي إطلاق الأسئلة أكثر من اقتراح الإجابات. وهو ما أفعله هنا وأنا أعيد اقتباس متن هذا الكتاب الغربي على واقع ثقافي عربي.
مع ذلك فإن كتاب (Blank Space) هو مساحة للقلق. كتاب لا يقدّم حلولاً، بل يصف حالة. ونحن أيضاً لا نبحث عن وصفة، بل عن مساحة للقلق الثقافي.
الفراغ الثقافي لا يُملأ بالإنتاج، بل بالأسئلة. وإذا كان الغرب يعاني من فراغ بسبب السوق، فنحن نعاني من فراغ بسبب الخوف، التكرار، والامتثال.
ربما آن الأوان أن نكتب لا لنُعجب، بل لنُقلق. أن نقرأ لا لنُؤكد، بل لنُزعزع. أن نعيد للثقافة معناها: أن تكون مزعجة، لا مريحة.