مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

أيام الشارقة المسرحية برامج تخطت الخصوصية المحلية

باتت أيام الشارقة المسرحية من المواعيد الثقافية المهمة في إمارة الشارقة، والتي تستقطب اهتمام المسرحيين المحليين في دولة الإمارات, وكذلك عشاق المسرح في البلاد العربية، لما توفره من فرص وفضاءات طموحة لتبادل الخبرات والأفكار والرؤى والمناقشات التي تصب في النهاية في كيفية تنشيط الحراك المسرحي في العالم العربي، ورغم أن إمارة الشارقة تحفل طوال أيام السنة بفعاليات وأنشطة ثقافية مختلفة غير أن أيام الشارقة المسرحية تبدو أكثر التصاقاً بطبيعة هذه الإمارة، وأكثر قرباً من مزاج مواطنيها والمقيمين فيها على حد سواء.
ويعود الفضل في هذا التناغم بين الشارقة والمسرح إلى اهتمام قادتها السياسيين بهذا الفن, وهي حالة استثنائية ربطت بين الثقافة والسياسة، أفضت إلى نهضة مسرحية تكرست عبر السنوات، وهي تتجلى في (أيام الشارقة المسرحية) التي بلغت الدورة 23 من عمرها، والتي شهدتها الشارقة في النصف الثاني من شهر مارس الماضي.
توزعت أنشطة هذه الدورة بين العروض المسرحية التي شهدها معهد الفنون المسرحية وقصر الثقافة، إلى جانب الملتقى الفكري وورشات التدريب ومساحات خصصت للتكريم والاحتفاء بأسماء مسرحية تركت بصمة لا تمحى على الخشبة، وبذلك أوجدت الأيام تقليداً مسرحياً يتطور دورة إثر دورة، وهذا ما يؤكده أحمد بو رحيمة مدير (الأيام) إذ يقول إنه «في كل دورة جديدة نحاول أن نتخطى المنجز في الدورة الماضية، ونستلهم في ذلك توصيات لجان الاختيار والتحكيم وملاحظات النقاد والإعلام لتقديم المميز والمختلف الذي يبنى عليه تراكم المسرحَين المحلي والعربي وإيجابياتهما».
انطلقت الأيام بالعرض المسرحي (الديكتاتور), وهو من تأليف الكاتب الراحل عصام محفوظ وإخراج لينا أبيض. وكان العرض قد فاز بجائزة أفضل عرض مسرحي عربي في الدورة الأخيرة لمهرجان المسرح العربي الذي نظمته الهيئة العربية للمسرح قبل نحو شهرين في العاصمة القطرية. يتناول العرض، كما يشير عنوانه، نموذج الديكتاتور الذي وثقته الفنون بمعالجات شتى. واللافت أن أبيض سعت إلى كسر تلك النمطية التي تمثلت في صورة الديكتاتور الرجل، لتسند البطولة إلى ممثلتين هما جوليا قصار وعايدة صبرا اللتين أجادتا في تقمص دوريهما وسط ديكور بسيط مع افتقار العرض إلى مشهدية بصرية مبهرة. العرض يحيل إلى عناوين كثيرة في هذا السياق؛ عناوين عرّت الاستبداد وصوّرت أمراضها وجنونها واضطراباتها النفسية وغطرستها.. ومثل هذه السمات المَرَضية تتكرر هنا،  أيضاً، ولكن برؤية إخراجية خاصة؛ محمّلة بالكثير من الأسئلة الإشكالية، ومنها تلك التي تلامس الواقع العربي الراهن.
واحتضنت الدورة عروض خمس عشرة فرقة مسرحية محلية قدمت من مختلف مناطق الإمارات، لتجسد هموماً وهواجس تتقاطع حيناً وتفترق أحياناً، وهذه الموضوعات، التي تتقاسمها العروض، تشكل في مجملها خطاباً مسرحياً يتطلع إلى إلقاء الضوء على راهن الإمارات، فضلاً عن قضايا عامة تبرز المشترك الإنساني. وإلى جانب تنوع المضامين ثمة تباين في الطرح والمعالجة والمقترحات الجمالية والفنية التي تثير الكثير من النقاش بين النقاد والضيوف وعاشقي المسرح. هذه الأصوات المسرحية المحلية تكاملت مع أربع مسرحيات عربية وجدت الطريق إلى خشبة (أيام الشارقة)، وهي، فضلاً عن (الديكتاتور)، عرضان  قُدّما في الدورة الأولى لمهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة الذي نظم في  سبتمبر الماضي، وهما (مشاجرة رباعية) تأليف يوجين يونسكو، وإخراج بدر الرئيسي، و(المشهد الأخيرة للمأساة) تأليف صموئيل بيكيت وإخراج نور يونس، وثمة عرض رابع قدم على هامش المهرجان وهو نتاج ورشة مسرحية بعنوان (ممثل، خشبة، ومخرج)، كان أشرف عليها المخرج المصري خالد جلال.
وكما جرت العادة في أيام الشارقة ثمة حيز للتكريم والاحتفاء، إذ كرّم في هذه الدورة الفنان الكويتي عبدالحسين عبد الرضا بجائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي (تقديراً لدوره الكبير في إثراء حركة المسرح الخليجي والعربي عبر مسيرة امتدت سنوات طويلة)، ويعد الفنان عبد الحسين عبد الرضا من رواد الحركة الفنية بالخليج، واشتهر بالشخصية الساخرة المرحة التي تنتقد الأوضاع العربية بقالب كوميدي، وله مسرحيات كثيرة أشهرها (باي باي لندن)، وهذه الجائزة التي ذهبت له كانت قد ذهبت من قبل إلى أسماء مسرحية لامعة مثل سعد أردش والمغربية ثريا جبران، واللبنانية نضال أشقر، والمصرية سميحة أيوب. كما قررت اللجنة العليا المنظمة للمهرجان منح الفنان المسرحي الإماراتي مرعي الحليّان جائزة شخصية المسرح المحلية (تقديراً لجهوده الملحوظة في تطوير تجربة المسرح المحلي كتابة وإخراجاً وتمثيلاً).
ولم ينته برنامج المهرجان عند العروض والتكريم، بل كانت هناك الندوات التي أعقبت العروض، والتي شارك في محاوراتها الحيوية العديد من المسرحيين الضيوف، وهي أسعفت، بما طرحته من ملاحظات، الجمهور في تدبر ما تضمنته الأعمال المقدمة من اقتراحات فكرية وجمالية، كما أسهمت بطابعها العلمي في تنبيه المسرحيين، الشباب خصوصاً، إلى إشكالاتهم الأدائية، والثغرات التي شابت عروضهم.
وعلى صعيد النشاط الثقافي الموازي الذي اعتادت الأيام أن تجتهد في إثراء محاوره دورة بعد أخرى، كان هناك (لقاء أوائل المسرح العربي) والذي يمثل لمحة احتفائية من الشارقة لعشرة من الطلاب الذين تميزوا بنتائج متقدمة في معاهد وكليات المسرح العربية خلال السنة الماضية. إلى ذلك جرى تنظيم حلقة نقاشية ضمت مجموعة من إدارات المهرجانات المسرحية العربية، فضلاً عن أمسيات تذكارية وشعرية مسرحية، ويشرك المهرجان في هذه الأنشطة ضيوفه معظمهم، وبالتالي ينفتح على مرجعيات وأذواق وأساليب وأشكال شديدة التنوع.
ومن البرامج الموازية التي أعدها المنظمون كان هناك لقاء جمع نخبة من المطربين والملحنين والموسيقيين والشعراء في مسامرة بعنوان (أغنيات المسرح الإماراتي)، وهي من إعداد المسرحي عبد الله صالح، وفي السياق ذاته جاءت المسامرة التي حملت عنوان (ذكرياتي مع المسرح الإماراتي), شارك فيها المخرج والممثل السوداني يحيى الحاج والقاص والصحفي السوري نواف يونس.
ومن الفعاليات التي تضمنها البرنامج الثقافي الموازي ورشة تشكيلية بعنوان (لون المسرح), حيث قدمت مجموعة متنوعة من الفنانين التشكيليين تصوراتها الجمالية حول المسرح عبر الفرشاة واللون، وتضمن البرنامج عرضاً مصوراً أعده وأخرجه الفنان المغربي يوسف الرياحني الذي يسعى إلى تأكيد ميلاد الفنان (المؤدي) بدلاً عن (الممثل)، كما استضاف المهرجان المخرج السينمائي قيس الزبيدي في تجربته التسجيلية (إننا محكومون بالأمل) التي وثق عبرها سيرة المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس.
الجوائز وتوصيات لجنة التحكيم 
اعتمدت لجنة التحكيم، بحسب تقريرها، آلية عمل قضت بقراءة النصوص إضافة إلى مشاهدة العروض، وعمدت إلى عقد اجتماعات يومية، تم التداول فيها بشأن العروض المشاركة في المسابقة تحليلاً ونقداً محتكمة على لائحة (أيام الشارقة المسرحية) وإلى المقاييس العلمية.
وقال رئيس لجنة التحكيم، جان داوود، في تقرير اللجنة، إن «لجنة التحكيم لدورة هـذا العام لفتت إلى بروز طاقات شابـة واعدة في عروض المسابقة، كما في العروض التي قدمت خارج التنافس، ومحاولات تجريب جيدة في بعض الأعمال تأليفاً وبناء للعرض، كما لفتها تفاوت معيّن في مستوى العروض، واستفادة واضحة من التجارب السابقة».
ولفت داوود إلى أن «لجنة التحكيم أوصت بتعزيز العلاقة مع التقنيات والديكور والإضاءة، وبذل المزيد من الجهد على المستويين التقني الجمالي، وتعزيز تكوين وتدريب الممثل عبر ورش نوعية متخصصة، إضافة إلى إقامة ورش عمل في (الدراماتورجيا)، واستحداث جائزة الأزياء المسرحية، والحث على التنوع الفني، وتجنب الوقوع في فخ الأنماط المألوفة، فضلاً عن تعزيز الجانبين الثقافي والعلمي لدى الشباب من المؤلفين والمخرجين والعاملين في المسرح، وتعزيز الانفتاح على القضايا الإنسانية الكبرى، ما يفضي إلى عولمة المسرح الإماراتي».
ودعت اللجنة إلى إيجاد ورشة مستمرة للممثلين المحترفين، وتحفيز التواصل بين الأكاديميين في الجامعات المحلية مع المسرح بحثاً ونقداً وتأليفاً، إضافة إلى تعزيز حضور المرأة في المسرح تأليفاً وإخراجاً وفي الجانب التقني، مع ضرورة إنشاء أكاديمية أو معهد متخصص للتكوين المسرحي.
وفيما يتعلق بالجوائز، فازت مسرحية (التريلا) لمسرح عجمان الشعبي بأفضل عرض مسرحي متكامل، بينما نال حسن رجب جائزة أفضل إخراج عن مسرحية (نهارات علول) للمسرح الحديث، في حين ذهبت جائزة أفضل تأليف للكاتب إسماعيل عبدالله عن مسرحيته (التريلا).
وفاز عبدالله زيد بجائزة أفضل دور أول عن مسرحية (كارا) لمسرح الشارقة، فيما فازت الفنانة بدور محمد بجائزة أفضل دور أول عن مسرحية (مساء الورد) لمسرح دبي الأهلي، وفازت بجائزة أفضل ممثلة دور ثان أشواق عن مسرحية (شهيد التين) لمسرح دبي الشعبي، في حين ذهبت جائزة أفضل مؤثرات صوتية وموسيقية لصلاح عادل عن مسرحية (نهارات علول)، بينما كانت جائزة أفضل إضاءة من نصيب علي باروت عن مسرحية (التريلا).
وفي حين ذهبت جائزة أفضل ديكور إلى مروان عبدالله عن مسرحية (مساء الورد)، فإن جائزة أفضل ممثلة واعدة ذهبت إلى علياء المناعي عن مسرحية (طوفان) لمسرح الفجيرة، بينما نال جائزة أفضل ممثل واعد إبراهيم القحومي عن دوره في المسرحية ذاتها، في حين قطف حميد صالح عن دوره في مسرحية (التريلا) جائزة أفضل ممثل دور ثان، أما جائزة الفنان العربي المتميز من غير أبناء الدولة، فكانت من نصيب الكويتي محمد الحملي عن مسرحية (التريلا).
ذو صلة