وحكمة شاعرة الخليج من النوع الذي يتصل بالأمور الاجتماعية، وهي بسيطة واضحة تتجه في أسلوبها إلى النصح والإرشاد، وتجمع بين النصيحة والوصية، خاطبت من خلالها الشاعرة ابنها أو ابنتها أو زوجها أو قومها، ولم تخرج في خطابها عن الإطار الاجتماعي العام الذي يمجد المجتمع فيه قيم العدالة والشهامة والكرم والحلم والصبر وحسن المعاملة، وربما امتدت نظرتها من خلال تجربتها الذاتية إلى تمجيد العمل.
فهذه (أم النحيف العبدية) تحذر ابنها من الظلم منبهة إياه إلى سوء عاقبته وضيق مخارجه، وداعية في الوقت نفسه إلى الحفاظ على العرض، وهو الجانب الذي يمدح فيه الإنسان أو يذم، سواء في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، فعليه ألا يتبدله أو يدنسه لأي سبب من الأسباب.. تقول:
حذار بني البغي لا تقربنه حذار فإن البغي وخم مراتعه
وعرضك لا تبذل بعرضك إنني وجدت مضيع العرض تلحى طبائعه
وكم قد رأينا الدهر غادر باغياً بمنزلة ضاقت عليه مطالعه
وتدعو (أم النحيف) ابنها إلى التحلي بالصبر في معاملته لزوجته التي كانت أمه نهته عن الزواج بها، ولكن بعد أن عصاها وصارت امرأته أصبح لأمه رأي آخر، فعندما تأذى كثيراً من حماقتها وسوء تصرفاتها أخذ يفكر في طلاقها، وهنا نجد أمه تنصحه بألا يفعل، لما يترتب على ذلك من سوء الأحدوثة، وأن يتذرع بالصبر والمسامحة فعل النبلاء الأحرار، وما عليه إلا أن يتركها للأيام، فعلها تحمل في أطوائها ما يخلصه منها ومن بلائها.. وتقول:
لعمري لقد أخلفت ظني وسؤتني فحزت بعصياني الندامة فاصبر
ولاتك مطلاقاً ملولاً وسامح الـ قرينة وافعل فعل حر مشهر
فقد حزت بالورهاء وأخبث خشية فدع عنك ما قد قلت يا سعد واصبر
تربص بها الأيام عل صروفها سترمي بها في جاحم متسعر
وهذه أعرابية من بني صباح من عبد القيس توصي ابنتها عند هدائها أو دخلتها، فتطلب منها أن تخاطب زوجها بالطيب من الكلام الذي لا هجر فيه ولا قبح، وأن تقابله بابتسام وتلطف، وألا تدع مجالاً لدخول الشر بينهما قل أو كثر، وألا تتجسس عليه أو تكشف المجهول من أمره.. تقول:
لا تهجري في القول للبعل ولا تغريه بالشر إذا ما أقبلا
فأول الشر يكون جللا محتقراً ثم يصير معضلا
ولا تنثني ما عليه بخلا لتكشفي من أمره ما جهلا
أما صفية بنت ثعلبة الشيباني فحين أجارت (هند بنت النعمان) دعت قومها إلى حماية هذا الجوار فقالت مذكرة إياهم بحق الجوار الذي كان مقدساً عند كرام العرب، وإذا كان الكثير منهم تغافل عنه بسبب التراخي وضعف النخوة فإن بني شيبان لا ينبغي أن يكونوا كذلك، والشاعرة وهي واحدة منهم تريد أن ينهضوا بهذا الحق، وبخاصة أن هذه المستجيرة كانت من أعز العرب، فهي ابنة ملوك لم تعرف المذلة والهوان، وقد استجارت بالشاعرة الشيبانية، وعلى القوم أن يجيروا من أجارت كما هي عادة ذوي النخوة والشهامة من العرب. وبعد أن تهيئ المجيرة قومها لقبول الجوار والالتزام بحقه تطلب منهم الاستعداد لمواجهة الفرس، فعلى الشيبانيين كهولاً وشباناً أن يتخذوا السيوف ويقوموا الرماح، ويتفقوا على سمة واحدة لجنودهم ليعرف بها بعضهم بعضاً في الميدان، كما أن عليهم أن يتخذوا كافة ما يلزمهم من حقائب وقرب تحمل المتاع والماء.. تقول:
أحيوا الجوار فقد أماتته معا كل الأعارب يا بني شيبان
ما العذر قد لفت ثيابي حرة مغروسة في الدر والمرجان
بنت الملوك ذوي الممالك والعلى ذات الحجال وصفوة النعمان
أتهاتفون وتشحذون سيوفكم وتقومون ذوابل المران
وتسومون جنودكم يا معشري وتجددون حقائب الأبدان
وعلى الأكاسر قد أجرت لحرة بكهول معشرنا وبالشبان
ويخاطب (سالم بن قحفان العنبري) زوجه ليلى بأبيات جاء فيها:
لا تعذليني في العطاء ويسري لكل بعير جاء طالبه حبلا
فترد عليه بأبيات ثلاثة أقسمت بالله المتكفل بالرزق لجميع مخلوقاته بأن الحبال الوثيقة الفتل ما تزال عندي أعدها للإبل لكل منها حبل يقاد به ما دامت تمشي على أرجلها، وحثته على البذل فقالت له: أعط من الإبل من يطلب معروفك ولا تبخل فعندي لكل ما تعطيه منها حبل يقاد به، وقد زالت العلل فلا مانع من الإعطاء.. تقول:
حلفت يميناً يا ابن قحفان بالذي تكفل بالأرزاق في السهل والجبل
تزال حبال محصدات أعدها لها ما مشى منها على خفه جمل
فأعط ولا تبخل لمن جاء طالبا فعندي لها خطم وقد زالت العلل
وقد تنحو شاعرة الخليج في خطابها منحنى آخر تؤنس فيه الجماد وتخاطبه مخاطبة الأحياء، مجسدة فيه قيمة العمل الذي يحفظ لصاحبه كرامته وقدره، قالت امرأة من بني قيس بن ثعلبه كانت تغزل فتأكل من ثمن مغزلها، فمدحته لأنها وجدت فيه المعيل والمعين، فهو يسد حاجتها ويكفي مؤنتها ويغنيها عن ذل الحاجة وسؤال القريب والبعيد، فيما تحصل عليه من حياكة ما تغزله تستطيع أن تشتري بالمحصول من الدراهم والدنانير كل ما تريده دون منة من أحد، فهذا المغزل الذي أغناها أكثر براً بها وبركة من العبد الكسوب.. تقول:
رأيتك بعد الله تجبر فاقتي إذا ضن عني الأقربون تعود
دراهم بيض ما تزال تفيدني وثوب إذا ما شئت منك جديد
فلو كان لي عبد مغل مدحته فأنت على كسب المغل تزيد
أما الملامح الفنية لحكمة الخليجيات، فمن الناحية اللغوية تميز شعرهن في جملته بالوضوح والسهولة، وربما بدالنا غير ذلك في قول أم النحيف تحذر الظالم من الظلم وأنه مقهور مدحور:
مازال ذو البغي شديداً هيصه
يطلب من يقهره ويهصه
ظلما وبغياً والبلاء ينشصه
حتى أتاه قرنه فيقصه
ففاد عنه خاله وعرصه
فهذا النموذج قد يحتاج إلى توضيح بالنسبة لنا، ولكنه عند أهل أو عصر الشاعرة مألوف، فالهيص: العنف بالشيء، ويهصه: يدقه ويكسره، وينتصه: يزعمه، ويقصه: يكسر عنقه، وفاد عنه: مات وزال. وخاله: خيلاؤه. والعرص: النشاط.
وثمة لمسات فنية أخرى كالاستفهام الذي ورد في حكمة الخليجيات بمعناه المجازي، كاستفهام النفي في قول صفية الشيبانية:
ما العذر قد لفت ثيابي حرة مغروسة في الدر والمرجان
واستفهام التحضيض والتشجيع في قول صفية أيضاً:
أتهاتفون وتشحذون سيوفكم وتقومون ذوابل المران؟
وكاستفهام التقرير في قول الخرنق بنت بدر:
ألست ترى القطا متواترات ولو ترك القطا لغفا وناما
ومن هذه الخيوط الفنية، الترديد أو التصدير، وهو رد العجز على الصدر، وهو ورود كلمة من النصف الأول في النصف الثاني وهو أقسام. منها ما يوافق أول كلمة في النصف الثاني أول كلمة في النصف الأول، كقول أم النحيف:
حذار بني البغي لا تقربنه حذار فإن البغي وخم مراتعه
ومنها ما وافق كلمة في نصف البيت الأخير أول كلمة في الشطر الأول كقول أم النحيف أيضاَ:
فعرضك لا تبذل بعرض إنني وجدت مضيع العرض تلحى طبائعه
ومنها ما ورد في حشو البيت، كقول البكيرية تردد لفظة (بغل) فتذكره مرة منكراً ثم معرفاً بأل إظهاراً للاسم في مقام الاضمار ليكون أبلغ في المدح.. تقول:
فلو كان لي عبد مغل مدحته فأنت على كسب المغل تزيد
واستعمل شواعر الخليج الجاهليات الأمثال، وهي مما يلحق بالحكمة من ذلك قول الخرنق بنت بدر:
كما قالت فتاة الحي لما أحس جنانها جيشاً لها ما
ألست ترى القطا متواترات ولو ترك القطا لغفا وناما
فقد ضمنت الشاعرة بيتها الثاني المثل الذي أطلقته زرقاء اليمامة وهو (لو ترك القطا لغفا وناما) عندما رأت سرب القطا يسير متتابعاً في الليل على غير العادة التي يرى فيها وهي مطلع الفجر، مما يدل على أن جيشاً يزحف نحو قومها. والبيت الثاني يحتوي أيضاً على التصدير حيث تترد لفظ القطا في حشو هذا البيت.
وأخيراً فإن شعر الحكمة في شعر المرأة –عموماً– قليل بالقياس إلى الرجل، ويعلل بعض الباحثين ذلك بغلبة العاطفة عند المرأة وأن الحادثة تجذب انتباهها أكثر من الفكرة، وأنها تفكر في الأشياء على أنها جزئيات.